«المنفذ» رواية عن ليل وبيداء الوطن العربي

حجم الخط
0

كتابة نوعية وسباحة في عوالم السياسة والثقافة وهموم الوطن والمواطن، وتناول القضايا الذاتية والقضايا العامة، وفتح لجروح عربية ودماء تتفجر من شرايين الأرض، بعدما توهمنا أنها جروح اندملت بتقادم الإصابات. أوجاع عربية، في القلب منها الوجع الفلسطيني، إنها هموم الكاتــــب الروائي حسن زين العابدين وشــــجونه يبثــــها في رواية تحمل عنوانا دلاليا أكبر من منطـــوق الحروف وأعمق من مجرد الإشارة، التي يمكن تصورها عن الكلمة المكونة من ســــتة حروف عربية أصيلة «المنفذ»، ذلك الذي يكمن تأويله حسب السياق الدرامي الإنساني بوصفة الممر، أو بتفسير آخر العين المطلة على العـــالم والصــراعات والبشر، أو بتعبير ثالث كوة الــــــنور التــــي نتبين من خلالهــــــا، الخيط الأبيض من الخيط الأسود في عتمة الواقع وظلامه الدامس.
إنها تأويلات وليست قطعيات، يحتمل أن تكون مرامي وإشارات للمفضوح والمختبئ في عالم السياسة والمفاوضات وأوراق الاتفاقات المتناثرة فوق طاولات التنازل، والحلم المغدور بأيدي المفاوضين أنفسهم، وهي قمة السخرية من عالم البهلوانات أو الساسة.
يستعرض الكاتب الروائي حسن زين العابدين أجواء روايته السياسية الإنسانية فيقول: «هذه ليست رواية وكفى!» منهيا جملته الاستهلالية بعلامة التعجب، ثم يردف في استرسال مواصلا إيضاحاته هكذا، «هي لا تقدم رحلة استثنائية إلى الأراضي العربية المحتلة وفقط» قاصدا درة التاج العربي فلسطين، ويكمل.. «إنها في الحقيقة محاكمة روائية للعقل العربي بصفة عامة، والعقل العربي منذ مطلع القرن العشرين وحتى اليوم بصفة خاصة».
ويمضي في وضع أطر محددة لقراءة روايته على نحو ما يقصده، مضيفا، لا تتعجب، وهنا يوجه خطابة للقارئ، «لا تتعجب إذا وجدت نجيب محفوظ وشخوصه أو صنع الله إبراهيم ورؤاه أو الناصر صلاح الدين ومواقفه، أو ناجي العلي وفتاه العاتب الغاضب الساخط الذي نفض يديه من الأمة فأعطاها ظهره، أو غسان كنفاني وظلاله، حاضرين في الأحداث والخلفيات الفكرية، فهؤلاء بعضهم قضاة، وبعضهم متهمون والبعض الآخر جلادون وضحايا في آن».
وعلى خلفية هذا الطرح يورد الكاتب بعض الصور الروائية الدرامية في سياق مؤلم وهو يبلور مأساة الأطفال التي استهدفتها رصاصات الغادر المحتل، ويستعرض حديث عبد الصبور، أحد شخصيات الرواية عن الفتى «زهران» وهو يروي ملمحا من بطولاته في التراث العربي الشفاهي المنقول على ألسنة الأجيال قائلا : كان زهران غلاما، أمه سمراء وأبوه مولود، وفي عينيه وسامة ـ وعلى الصدغ حمامة ـ ثم يقطع هذا الاستدعاء التاريخي بسؤال.. هل تعرف السبب الحقيقي للقضية الفلسطينية؟ يطرح السؤال ويواصل الحكاية مجددا، كان يا ما كان، أن زفت لزهران عروس جميلة، كان يا ما كان، أن أنجب زهران غلاما.. وغلاما ـ كان يا ما كان، أن مرت لياليه الطويلة، ونمت في قلب زهران شجيرة ـ ساقها سوداء من طين الحياة ـ فرعها أحمر كالنار. مرّ زهران بالسوق يوما ورأى النار التي تحرق حقلا، ورأى النار التي تصرع طفلا، كان زهران صديقا للحياة، مد زهران إلى الأنجم كفا، ودعا يسأل لطفا، ربما سورة حقد في الدماء، ربما استعدى على النار السماء.
يستخدم زين العابدين في هذا المقام التاريخي الملحمي أدوات تأثيرية من الجنس نفسه لاستلهام روح البطولة لدى الأجيال التي لم تعش أزمنة البطولات، ويذكر برموز القصص والحكايات الشعبية، أبو زيد الهلالي والزناتي خليفة ووقائع الانتصار والتحدي على مختلف المناحي، في القدس ودير ياسين وقرية دنشواي المصرية وغيرها، فالجسد العربي واحد والمغتصب واحد والمقاومة واحدة أيضا، حتى التهاون والهوان واقع واحد في الروايات والرؤى على اختلاف الألوان والمشارب، لكننا ننشد النصر ونرفض الهزيمة ونعلي من شأن البطولات في القصص والسير والمواجهات، فإما أن نعيش أحرارا أو نموت شهداء.. تلك هي القيمة الروائية الضمنية المختزلة التي كانت وراء الحالة التشريحية النقدية اللاذعة التي شيدت عليها الرواية، الراصدة بأثر رجعي وآني أحزان الوطن الكبير.

٭ كاتب مصري

«المنفذ» رواية عن ليل وبيداء الوطن العربي

كمال القاضي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية