«الميادين» تتستر على المجرم في شاتيلا … وترقبوا: ابن حافظ إلى زوال وفلسطين باقية

تخيل لو أعاد صناع فيلم «الرب بوذا – ذي الكفل» صياغته بأسلوب هوليوودي فضفاض، كيف تتوقع أن يكون؟
لا تستبعد أن تراه لاعبا للشطرنج الألكتروني برتبة لاجئ في مقهى إنترنت ياباني، أو ربما سائحا يتأرجح على الطائرة الحربية في ملاهي لاس فيغاس الترفيهية، وقد تبهره أبخرة الشيشة والنراجيل العربية التي تنبعث من مسامات الخيام الرمضانية، فيأوي إلى إحداها مبشرا بإعارة روحه إلى روح دالاي لاما معاصر كالخميني أو البغدادي أو حتى ماركس، ولكن بهيئة لحوية لإثارة الهيبة!
لو أنك استمعت لنعوم تشومسكي المفكر اليهودي الأمريكي في لقائه مع أندريه فليتشيك والذي بثته «الميادين» مساء الثلاثاء، لرأيت كيف تبنى الجمهوريون حملة دعائية تصور أوباما مسيحا دجالا، وقد صدقهم الشعب الأمريكي وعلماء القيامة وحتى الكهنة، دون الحاجة لإبر صينية ولا ما يحزنون، فقد تم حقن المؤامرة لا سلكيا – عبر موقع الكتروني وصور فوتوغرافية جانبية بعين عوراء تظهر باراك حسين، أجعد الشعر، أحمر البشرة، تنطبق عليه المواصفات كافة، التي تؤهله لحرب القيامة بعد أن منتجها تجار السلاح وسدنة الإعلام وأشباح الماسونية، ليتهافت عليها المستهلكون «رواد مواقع التواصل» فيعيدوا تدوير الخرافة بما أوتوا من شغف هستيري بالتعاطي الرقمي للأكذوبة حتى حولوها إلى حقيقة مدمرة!

لا شكر لـ «الميادين»

ما يقارب الأربع عشرة ألف تغريدة لهاشتاج صبرا وشاتيلا في الذكرى الرابعة والثلاثين للمذبحة، التي راح ضحيتها ما بين 750 و3500 شهيد أغلبهم من الفلسطينيين، كما أفاد موقع الـ «بي بي سي» العربية، أما الإعلام العربي فغفل أو تغافل تماما عن هذه الذكرى مع إصرار «الميادين» على استعادتها كحدث يرافق معظم التغطية على مدار السادس عشر من أيلول/سبتمبر، فهل تشكر «الميادين» أم تلعن الإعلام؟
الأوْلى لك أن تعود للأرشيف لترى بأم عينك، كيف يتطور الخبر مع الزمن فيتخلص من نصف حمولته «حقائقه»، ويكتفي بما يتناسب مع المرحلة والمصالح والعلامة التجارية للقناة، بحيث تجري «الميادين» عملية شفط دهون تخلص بها الكتائب اللبنانية وقادة الجيش من الوزن الثقيل للجريمة، فهل تسليط الضوء على العدو الإسرائيلي يبيح للقناة تجريده من أدوات جريمته؟ هل تصبح إدانته احتكارا إعلاميا أهم من جنايته؟ أليست الخيانة والعنصرية والتستر تواطؤا مع الجريمة، بل إنها الجريمة ذاتها وما الذبح والجثث سوى أدلة تدين من علم بها مباشرة ممن خطط لها قبل من ارتكبها؟ في التشريعات القانونية لنظام العقوبات يتم التعامل مع الجريمة في مرحلتها التحضيرية كنوايا تعبر عن سلوك جرائمي يستحق العقوبة التي لا تصل لعقوبة ممارستها كنشاط مادي ما لم تتحقق نتائجها وإلا عُدت ناقصة… فما بالك بمن يتسترون؟
ميساء الخطيب، ممثلة مسرحية، وشاهدة عيان وضحية ناجية من مذبحتي «تل الزعتر» و«شاتيلا»، أكدت في لقاء مع لينا القيشاوي على قناة «الفلسطينية» الذكرى الفائتة – أن القوات اللبنانية انتهكت أعراضا وذبحت رُضعا وشيوخا، ولم تكن تبحث عن مسلحين بقدر ما كانت تروي لذة عنصرية تتغذى على الدم الفلسطيني، غير أن الصدمة جاءت من برنامج «حرب لبنان» على «الجزيرة»، في خطاب شارون للكنيست الإسرائيلي كشف فيه ضغطهم على ميشيل عون لتنفيذ المذبحة، وقد اعترف «عون» بهذا، واعترف برفضه للرضوخ، وبين من أملى أوامره، ومن عرف بها وتستر عليها، ومن نفذها بأريحية وحرية دون أن يواجه أي محاولة للردع بمن كتم علمه المسبق عنها، يظل السؤال قائما: على من كانت «الميادين» تغطي في تغطيتها المكممة؟ ثم ما هي عقوبة التستر على من تستر على اسرائيل وعملائها؟ أيها الفلسطيني: إنهم يرتكبون ضدك مذبحة إعلامية جديدة، يرتدون بها رتبا فضائية لا رتبا كتائبية هذه المرة، فهل ستنطلي عليك صحونهم؟ قلبي عليك أيها المخيم… يتذكرونك لكي يُنسوك ذباحيك!

الحبة الملونة وابن حافظ

سيأتي يوم على هذه الزواية أحدثكم فيه عن مقالة خيري منصور «سادت ثم باضت» وعن مقالة عبد الحكم ذياب عن الإنفصام التاريخي»، وعن مقالة منصف الوهايبي، التي يتأمل فيها مفهوم الكلي كرهان لاختبار الوجود الفعلي، أو كاستباق لكينونته… وكلها تصب في خانة الوعي، الذي يجب أن نقاوم به تقنية تذويب حساسية المتلقي تجاه الهويات والحقيقة والتي تحدث عنها تشومسكي في لقائه مع أندريه، وهو يعبر عن خوفه من خطر الانترنت وتصدير المعلومات الزائفة، في حين تناول برنامج «المرصد» حقائق مرعبة عن تداول الأكاذيب لحصد أرقام فلكية، دون أن تلقى حملات دحضها أي أصداء تذكر، فهل نحن نواجه خطرا إدمانيا جديدا، أو هوسا مرضيا بالبحث عما يبهر أكثر من حرصنا على كشف ما يُضمر؟
هناك حقائق كارثية صادمة لو أزيل عنها الحظر الإعلامي، فالإبهار ليس هو الهدف، ولا الدعاية، إنما تكريس الأكذوبة بفن وحرفية مخادعة تلهيك عن الحقيقة، وإلا لكانت «الحبة الملونة» التي يتم إعطاؤها للأسرى الفلسطينيين في السجون الصهيونية مادة رائجة للتداول الإعلامي، ودليلا جنائيا يثبت عمليات الإبادة العرقية البطيئة والخفية التي يمارسها السجانون وراء العتم، ولا تجد قناة لا مقاومة ولا فلسطينية تتطرق إليها، فهل تسأل عن الجرأة أم عن الحقيقة أم عن الدعاية، أم أنك ستنقم على التستر على الجريمة، فهذا وحده يكفي للانتقام من الخديعة!
يقول الإعلامي دان هريس: «أعددنا تقارير هائلة عن الحرب، أعجبت رؤساءنا الذين تفتح شهيتهم الأخبار الساخنة، ولكنهم لم يبثوها، لأنهم لا يبثون ما نراه ونسجله إنما ما يريدونك هم أن تراه»، فهل يختلف الأمر في إعلام المقاومة عن إعلام البيضة الحضارية: أمريكا!
لا شك أن فلسطين ستكون وحيدة بعد الشام، ولكن الشام كانت ستكون وحدها – كبقية العروش العربية – لو لم تناصر فلسطين، ولهذا تستغرب ممن يربطون مصير ابن حافظ الأسد وما أدراك ما حافظ – بمصير القضية الفلسطينية، علما بأن العكس هو الذي كان يحدث، أو يجب أن يحدث، فهل تتحول فلسطين إلى طوق نجاة أم إلى حبل مشنقة؟
الفلسطينيون ليسوا «هولوكستيين» ليتحولوا من ضحايا إلى جلادين، ولن يشمتوا بالشعوب العربية حتى لو خانهم زعماؤها، وهم حتما لن يناصروا الفرس على العروبة ولو بذريعة المقاومة، لأن فلسطين ليست سلعة بمدة صلاحية وانتهاء، وهي ليست حلفا سياسيا أو إقليما إعلاميا، وليست صنما ليتم تكسيرها في هذا العصر الحجري الملعون، الذي يخلو من الأنبياء ويعج بوحوش الفضاء، ولن نسمح لصناع الأخبار بإعادة إنتاجها على طريقة الرب بوذا والخميني في أول هذه المقالة، ولا إلى تشويهها كما حدث في فيلم «برونو» لساشا كوهين، ولا إلى «صك غفران» لابن حافظ، لأنه كأبيه إلى زوال، وفلسطين باقية بشعبها من أجل الشعوب العربية والبشرية، وليس من أجل الأصنام على حساب الشعوب والبشر، أما الترويج لضياع فلسطين بعد سقوط الصنم فلا يليق بالصنم!

كاتبة فلسطينية تقيم في لندن

«الميادين» تتستر على المجرم في شاتيلا … وترقبوا: ابن حافظ إلى زوال وفلسطين باقية

لينا أبو بكر

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية