الناسخ والمنسوخ في الشعر

لعلّ أوّل ما يقع في ذهن القارئ وهو يقرأ عنوانا كهذا، أنّ الناسخ والمنسوخ من مباحث علوم القرآن التي يفترض في المفسّر أن يكون عالما بها؛ وليسا من مباحث الشعريّة أو فنّ الشعر. وهذا المبحث إنّما يتعلّق بنصين من القرآن، أو آيتين يترتّب عليهما حكمان متغايران في النفي (المنسوخ المرفوع) وفي الإثبات (الناسخ الرافع).
ومن دون خوض في الجانب الديني، نشير إلى أنّ القضيّة طُرحت قديما في علاقتها بالنسيان. روي عن ابن عباس، قال: «كان ممّا ينزل على النبي صلى الله عليه وسلم الوحي بالليل وينساه بالنهار، فأنزل الله عزّ وجلّ: ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها». البقرة/ 106. وجاء في مقاييس اللغة لابن فارس أنّ النسخ هو أن تزيل أمرا كان من قبل يعمل به، ثم تنسخه بحادث غيره؛ كالآية تنزل بأمر ثم تنسخ بأخرى، وكل شيء خلف شيئا فقد انتسخه، يقال: نسخت الشمس الظلّ والشيب الشباب. والمقصود في الآية: الإبطال والإزالة.
وهذا الوجه ينقسم إلى قسمين عند أهل اللغة، أحدهما: إبطال الشيء وزواله وإقامة آخر مقامه، ومنه نسخت الشمس الظل إذا أذهبته وحلّت محلّه، وهو معنى قوله: ما ننسخ من آية. والثاني: إزالة الشيء من دون أن يقوم مقامه آخر كقولهم: نسخت الريح الأثر، ومن هذا المعنى فينسخ الله ما يلقي الشيطان أي يزيله. وهناك من قرأ الآية السالفة: «ننسأها» بفتح النون والهمزة بعد السين، بدل «نُنسها» والمعنى: نؤخّرها، أو نتركها لا نبدّلها.
أمّا المستشرق الألماني نولدكه فيرى أنّ مصطلح النسخ، يمكن إذا عنوا به «إدخال قراءة جديدة»، أن يكون مأخوذا من الكلمة العبريّة الآراميّة «نسخة» أو من فعل آراميّ بمعنى «الإبعاد».على أنّ النسخ لغة واصطلاحا إنّما قياسه رفع شيء وإثبات غيره، أو تحويل شيء إلى شيء. ومهما يكن فالسؤال يظلّ قائما: هل يمكن أن يكون النسيان مفهوما قائما بذاته؟ أهو نقيض الذاكرة؟ بل أليس النسيان هو «الأصليّ» أو«الأوّلي»، مقارنة بالذاكرة التي تنهض لمقاومته؛ لكن ليس من دونه، بل بهِ استعانة ومصاحبة، فليس هناك من ذاكرة إلاّ بفضل النسيان. ولا نحبّ أن نتعجّل، ونقطع برأي، ونحن نقف في مدوّنة الشعر قديمها وحديثها، على نصوص ناسخة وأخرى منسوخة، عند بعض الشعراء مثل أدونيس في أكثر من موضع، ومحمود درويش؛ وإن في مواضع قليلة جدّا كما في قصيدته الشهيرة «سجّل أنا عربي» حيث اختفت بعض الكلمات في بعض الطبعات، مقارنة بالطبعة الأولى. أمّا أدونيس فيصرّح ّ في بعض أعماله بأّنّه يتعهّد نصّه، وبأنّ ما «تخلّى عنه» من شعر لا يلزمه.
والسّؤال الذي لا يجيب عنه أدونيس هو هل أنّ هذا الشعر الذي «عدّله» أو «تخلّى عنه» أو «نسخه» صار مجهول الأصل أو متّهم النسب؟ بل يتخلّى عنه لمن؟ فلعلّ الأمر عنده وعند كلّ هؤلاء الشعراء الذين يأتون هذا الصنيع، لأسباب مختلفة قد تكون فنيّة أو سياسيّة أو دينيّة، وقد تكون تقيّة أو درءا لشبهة، أو طمسا لأصل «مشبوه»؛ أشبه برواية ناسخة وأخرى منسوخة. ونحن نعرف أنّ من الظواهر المتواترة في الشعر هي ظاهرة التناص، أو تداخل النصوص حيث يتشكّل الشعر، ويتثبّت في فضاء النص؛ ويتحلّل ويمّحي في فضاء القراءة، من خلال طوبولوجيا (فرع من الرياضيّات موضوعه دراسة موقع الشيء الهندسي بالنسبة إلى الأشياء الأخرى؛ لا بالنسبة إلى شكله أو حجمه) معقّدة يندرج فيها الآخر وخطابه وتترجّح فيها ذات الشاعر بين أن تكون هيَ هِيَ و بين ألا تكون؛ فهي طورا وحدة ثابتة تتطابق وخطابها وتتزامن، وهي طورا آخر تبحث خارج فضائها عن خيط ينتظمها.
على أنّني تخيّرت في هذا المقال أن أتمثّل بالقديم، حيث الأمر راجع إلى أثر القرآن، على ما أقدّر، وما يسمّيه التونسي الفاضل بن عاشور «التّناسب الوضعي التّوالدي» الذي يربط بين الفنون والعلوم المتنوّعة في وحدة الثّقافة العربيّة الإسلاميّة. وهو التّناسب «الذي بمقتضاه اتّخذ كلّ فنّ من الفنون الشّعريّة والأدبيّة والحكميّة زيادة على كيانه الذّاتي قواما تناسبيّا في ما يصل عامّة الفنون بعضها ببعض؛ وهو المعرفة العالميّة الكلّية، فإنّ كلّ علم من العلوم قد اكتسب من استناده إلى العلوم الأخرى من فصيلته ومن غير فصيلته ما جعله في غاياته واستعداداته مرتبطا بوضع عامّ تتصرّف بمقتضاه تصرّفا تناسبيّا توالديّا». ومثال ذلك قصيدة أبي تمّام التي شغلت النقد العربي القديم طويلا، ومطلعها:
قدْكَ اتّئبْ أربيتَ في الغـلواءِ كم تعذلون وأنـتم سـجرائي
لا تسقني ماء الملام فإنّــني صبٌّ قد استعذبتُ ماء بكائي
ما ينبغي الإشارة إليه أنّ هذين البيتين جزء من مدحيّة طالها اضطراب في روايتها غير يسير؛ لأسباب أوضحها أبو بكر الصّولي، فهي قصيدة كان أبو تمّام مدح بها يحيى بن ثابت، ثم صيّرها في مدح محمّد بن حسّان ـ وأسقط منها أبياتا وأضاف أخرى حتّى تناسب ممدوحه الثّاني.
تضمّ هذه القصيدة 30 بيتا، اضطربت رواية 17 منها. وفي بعض النسخ المخطوطة، من زاد أبياتا. وفي بعض الأصول تقديم وتأخير لبعض الأبيات. ومن هذه الزّيادات هذا البيت
رأيا لو استسقيتَ ماء نصيحةِ/ لجعلته أرْيا من الآراءِ
ومن الزّيادات أيضا بيتان لم تصحّ نسبتهما إلى أبي تمّام، والمرجّح أنّهما للبحتري:
يخفي الزّجاجة لونها فكأنّها / في الكفّ قائمة بغير إناءِ
ولها نسيم كالرّياض تنفّست / في أوجه الأرواح بالأنداءِ
وإذا أخذنا بالحسبان ما أسقط من القصيدة الأصل وما أضيف إليها ـ وهو ما لم يفعله أيّ من الدّارسين قدامى ومعاصرين في تعاملهم مع الشّعر القديم؛ وإن كان للمتقدّمين فضل في تنبيهنا إلى اضطراب الرّواية واختلافها؛ فقد يتسنّى لنا أن نحيط ببعض ما خفي في هذه القصيدة.
والصّورتان «ماء الملام» (الصورة الناسخة) و»ماء نصيحة» (الصورة المنسوخة) متقاربتان حتّى لكأنّهما أشبه بصورتين مترادفتين متعاقبتين يمكن أن تقوم الواحدة منهما مقام الأخرى، على الرّغم من أنّ الأولى تنضوي إلى المقدّمة، والثاّنية إلى قسم المدح أو إلى جزء أسقط منه، يؤكّد أنّ هناك علاقة خفيّة بين «ناسخ» و»منسوخ» لا يمكن إغفالها؛ حتّى إن ارتضينا قول الصّولي أو التّبريزي: «ثم ترك أبو تمّام هذا كلّه (الأبيات المسقطة أو المنسوخة)، واستقرّت القصيدة على ما كتب في محمّد بن حسّان. والسّؤال الذي لا يجيب عنه القدامى هو لمن ترك أبو تمّام هذه الأبيات المسقطة، بعد أن استقرّت المدحيّة في الممدوح الثّاني؟
إنّ العلاقة بين «ماء الملام» و«ماء نصيحة» أعمق من أن تنحصر في بيتين وأشمل، وإنّما هي تتعدّاهما إلى مجمل أبيات المقدّمة. وهي أشبه ببناء معقود ينهض على نقائض متزاوجة تجتمع في محلّ واحد، وكلّ منها ينقض الآخر ليبنيه، ويبنيه لينقضه؛ فهي في عقد ونقض أبدا. من ذلك أنّ «الملام» لغة تكدير بالكلام مصدره اللاّئم، لإتيان الملوم ما ليس جائزا أو ما ليس ملائما لحاله أو لحال لائمه. وأمّا «النّصيحة» فهي الدّعاء إلى ما فيه الصّلاح والنّهي عمّا فيه الفساد، والنّصح هو الوعظ والإخلاص في المودّة. وإذا ما انتقلنا من هذه المعاني الأوائل إلى المعاني الثّواني أو المعاني الحافّة، أمكن أن نقف على صورة كلّية محورها تراسل بين ماهيات المعاني المنفصلة، وتواصل بين ماهيات المعاني المتّصلة في القصيدة بقسميها الكبيرين: المقدّمة والمدح. وسواء أصحّت هذه الرواية أم لم تصحّ، فالنصّ الشعري الذي تمثّلنا به نصّ كتابي شأنه شأن النصّ القرآني. ولعلّ مدارسته من هذا المنظور، ممّا يتيح لنا إعادة ترتيب العلاقة به. وهذه «الكتابيّة» الناسخة المنسوخة المحكومة بضوابط الصنعة والعقل من جهة، وبأسباب النزول (القرآن) ومناسبة القول (الشعر) من جهة أخرى، حيث لا ارتجال ولا بداهة ولا إرسال على سجيّة؛ إنّما شأنها شأن كثير من الشعر العربي القديم نبْتُ اللّغة وثمَرة الكتابة، وليست بالأمر الذي يُستشفّ بنوع من الوحي أو بضرب من المشاهدة الرّوحيّة. ونذكّر بأنّ أسطورة شياطين الشّعر، هي مثل «ربّة الفنّ» عند الإغريق، قد لا تعدو أكثر من محاولة لتفسير الظّاهرة الشعريّة العصيّة على العلم والمعرفة، والإقرار بامتناع الشّعر- وقد كان يتنزّل في ثقافة الأقدمين منزلة الدّين- عن الحدّ والتّعريف. فحريّ بنا إذن متى رمنا استيعاب الطّابع الاستثنائيّ في صناعة النصّ ـ أيّ نصّ ـ أن نستوعب نظرة المتلفظ فيه إلى فنّه أو أدبه، من خلال ما يمكن أن نسمّيه: الخطاب الواصف أو الشعر على الشعر.
كاتب تونسي

الناسخ والمنسوخ في الشعر

منصف الوهايبي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية