النافر والمشفّر والمتفاوت في تاريخ الفتن

حجم الخط
2

لا يمكن الحديث عن صراع مذهبي تناحري راكز منذ الفترة الاسلامية المبكرة والى يومنا هذا، والاكتفاء من ثمّ بتظهير الأنماط المختلفة التي يتخذها هذا الصراع في كل مرحلة من مراحل التاريخ.
حديث من هذا القبيل سينبني على كمّ مريع من التهويم ومن التدليس. ليس هناك خط بياني متصاعد من اجتماع السقيفة إلى حرب الجمل وصفين، إلى كربلاء فنكبة الأمويين ثم نكبة ابي مسلم الخراساني، ولا هو مسار متصل واضح المقصد والغاية منذ حجر البويهيين، الأقرب للتشيع الزيدي في الأساس من التشيّع الإمامي، على خلفاء بني العباس، مع التمسك بمؤسسة الخلافة العباسية «السنية» هذه في مواجهة دعاية الخلافة الشيعية الاسماعيلية الفاطمية، ووصولا إلى موجات الاحياء السني من غزنوية وسلجوقية وزنكية وأيوبية ومملوكية، التي جمعت بين «التعبئة» الدفاعية عن الخلافة العباسية، وبين التهميش السياسي لمؤسسة الخلافة لصالح الدول السلطانية المختلفة.
كذلك الصراع بين الصفويين والعثمانيين، لم يكن مجرّد حلقة في سلسلة لا تنتهي من التراكم التناحري المذهبي، وهو صراع له اطار زمني وذهني يختلف إلى حد بعيد عن اصطدام الوهابية النجدية بكل من التشيع والتصوف، تماما مثلما ان الصراع المذهبي الذي تفجّر منذ نهاية السبعينيات، بأثر من ارتدادات هذا الحدث الضخم الذي مثلته الثورة الإيرانية يختلف عن كل ما سبق. وبدوره كان ينتظر الاستقطاب حول الحرب العراقية الإيرانية من ناحية، ثم التدخل الأمريكي للإطاحة بالنظام البعثي في العراق وتداعياته من ناحية ثانية، كي يفتح الباب على مصراعيه لهذا التناحر الدموي.
هل يعني ذلك أنه لا علاقة بالمرّة بين التناحر المذهبي الدموي الذي أكل منا جيلا ونصف حتى اليوم، وبين «السوابق» الحاضرة الماثلة في التاريخ الاسلامي للشرق الأوسط؟ ان يكون للتصادم المذهبي الراهن اطار مستقل إلى حد كبير عن العصور السالفة، فهذا لا يعني انه في حِلّ تماما عن التأثّر بأخيلة وتذكارات من ماضيات مختلفة. ان لا تنعقد الصلة القصدية او الغائية بين هذه الماضيات المختلفة، فهذا شيء، وان يكون بمستطاع الحاضر الربط ليس فقط بينه وبين الماضي، بل ربط كل الماضيات بعضها ببعض، وفتحها على بعضها البعض، مستفيدا مما يتيسر توظيفه فيها من عناصر تماثل واحالة ومحاكاة، فهذا شيء مختلف تماما.
لئن كان الفاعل المذهبي التصادمي ليس بمؤرخ، فالمؤرخ المتفلت من القصدية المذهبية لا يمكنه ان يحل مكان الفاعل المذهبي الحالي. والفاعل المذهبي الحالي يصطنع تواصلية مع الماضي ويعيش فيها ويعتاش منها، ويركب الماضي على بعضه بعضا. وهذا يحدث بصيغتين: واحدة نافرة. الاخرى مشفرة.
النافرة هي التي تراه منذ البدء صراعا بين سنة وشيعة. وهذه هي النظرة التي تسيطر على التقليديين والاحيائيين السنة في أيامنا. ونظرة مذهبية مشفرة، لا تراه مباشرة بين سنة وشيعة، بل بين اقليتين، واحدة تريد احقاق العدل، حسينية، وثانية تريد الباطل، يزيدية، وتتقلب الاكثرية بينهما، وهذه النظرة تسيطر على الاحيائية الشيعية، التي تقدّم نفسها اذاك، كتحريرية للاكثرية السنية من «يزيديتها» و»وهابيتها»، فتتوسع في امر اليزيدية لتلقي بلائمتها على مجتمعات بأسرها. كل من الاحيائيتين السنية والشيعية يسقط الحاضر على الماضي، ويصل الماضيات بعضها ببعض، لكن ليس بالأسلوب نفسه، ولا بالمضمون نفسه. هذا الاختلاف يقول لنا شيئا عن حال السنة والشيعة اليوم، اكثر بكثير مما يقوله لنا عن حالهم بالأمس. فهذا التفاوت في نمط اشتغال المذهبية حديث للغاية.
بعين المؤرخ يمكنك ان تدحض وجود صراع مذهبي سني شيعي يراكم باتجاه قصدي غائي واحد منذ بدايات الاسلام إلى اليوم، ولعين المؤرخ ان تسهم بحصة وافرة من تقويم النظرة ليس فقط علميا، بل سياسيا واخلاقيا ايضا. ليس هناك «عرق سني» يتواجه «منذ بداية النهاية» مع «العرق الشيعي». بل ان نشأة وتطور كل من التشيع والتسنن لا يمكن اختزالها إلى التعارض السني الشيعي، بل نشأ التشيع والتسنن في اوقات مختلفة. نشأ التشيع في مقابل دولة لم تكن تسننت بعد، بل انه لم يتشكل تاريخيا كاطار اعتقادي وفقهي مزمن لجماعة، الا بعد الاحباط من الدولة العباسية التي ظهرت أساسا وهي تنادي بثارات بني هاشم من الأمويين. واذا احتاج التشيع لمدة من الوقت التاريخي لتشكيل اطار مذهبي يمكنه ان يؤلّف بين النخبة (السياد والأشراف من سلالة أهل البيت) وبين العامة (المتشيعون لآل البيت)، دون ان يلغي مركزية نخبته السلالية هذه (رغم تسنن أغلب مجتمعات الأشراف لاحقا)، فان التسنن كان عملية أعقد تاريخيا، عملية توليف بين اطارين، احدهما نخبوي غير سلالي، «اهل السنة والثبات»، اي العاكفين على توارث الأحاديث النبوية ودراستها، والثاني هم سواد المسلمين، او «اهل الجماعة». عملية التوليف «التسنينية» هذه بدأت في موازاة جهاز الدولة العباسية، ثم بمعية هذا الجهاز ومن خارجه في نفس الوقت.
لكن عين المؤرخ، غير المتوفرة عند مؤرخين كثر بالمناسبة، والتفكيكية للمقولات المذهبية، وخصوصا للنظرة التي تراه صراعا مذهبيا تناحريا مستديما، تختلف ايضا عن اوهام تفكيك المقولات المذهبية على قاعدة الاستهانة بالتاريخ، بل التوجس منه حد اعتبار التاريخ نفسه هو «المستشرق الأكبر». لا يمكن الحديث عن فتنة مستدامة، لكن لا يمكن ايضا الاكتفاء بكونها فتنة بلا قعر ثقافي او ماورائي. فتنة تنهل من سابقاتها، باعادة تركيب سابقاتها على منوال اطراف النزاع داخلها.
كما هناك مذهبة شمولية، بمفعول رجعي، للصراع، سواء كانت نافرة او مشفرة، فهناك «تفكيكية ساذجة» بازاء عمليات القولبة المذهبية، ساذجة لاعتقاد دفين فيها بأن الكشف عن سياسة الصراع يلغي ابعاده غير السياسية، ويدفع ضحاياه إلى كشف الملعوب و»الاستنارة»، وساذجة لأنها، في إعراضها عن عين المؤرخ «المفرّق بين الفتن»، لا يمكنها ان تفهم، أين يلفق الفاعل المذهبي التصادمي الحالي «تاريخه» بيسر، وأين يلفقه بصعوبة. هناك، بعد كل شيء، تفاوت في سهولة التلفيق او صعوبته، وتفاوت في طريقة تذليل صعوبات التلفيق.. وكذلك السهولة، لطالما كانت مصيدة.

٭ كاتب لبناني

النافر والمشفّر والمتفاوت في تاريخ الفتن

وسام سعادة

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية