تتكاثر التكهنات والأسئلة بشأن ما إذا كان النظام المصري سيقدم على تنفيذ أحكام الإعدام المتوقع أن تصدر الثلاثاء المقبل بحق الرئيس المعزول محمد مرسي وقــــيادات «الإخوان»، وقد يكون ذلك سابقا لأوانه بالنظـــر إلى أن اســــتنفاد المسار القضائي للأحكام سيحتاج إلى شهور طويلة، قبل الوصول إلى مرحلة وجوب التنفيذ.
والمعروف أن الطعن التلقائي على أي حكم بالإعدام، حسب القانون المصري، قد يؤدي إلى إعادة بدء المحاكمة من نقطـــة الصفر، وفي حال صدور أحكام إعدام للمرة الثانية، يطعن عليها مجددا أمام محكمة النقض (وهي المحكمة الأعلى في مصر، ومعروفة بتشددها في المعايير القانونية المطلوبة لإقرار أحكام الإعـــدام، ما يجعلها تستخدم أي خلل، أو ثغرة، أو شك في إلغاء الحكم او تخفيفه) لكن في هذه المرة إذا قررت محكمة النقض إلغاء الأحكام تتحول إلى محكمة موضوع وتحكم بنفسها في القضية، لتصدر أحكاما نهائية وباتة. وهنا يبدأ الاطار السياسي، إذ يتيح القانون لرئيس الجمهورية خلال أربعة عشر يوما من صدور أي حكم نهائي بأن يلغي العقوبة او الإدانة نفسها، أو يخفف الحكم إلى ما يراه مناسبا.
وهناك سابقة معروفة في التاريخ الحديث، عندما صدر الحكم النهائي بإعدام القيادي الإخواني سيد قطب عام 1966، وتدخلت شخصيات عربية وإسلامية، بينهم زعماء ومفكرون، لدى الرئيس الراحل جمال عبد الناصر ليخفف الحكم، لكنه أصر على تنفيذه، إلا أن أحكام الإعدام المتوقعة ضد الإخوان تأتي هذه المرة ضمن معطيات محلية وإقليمية شديدة الاختلاف، وتحكمها حسابات سياسية وأمنية واقتصادية معقدة للغاية، وهذه بعض ملامحها:
اولا- تعهدت جماعة «الإخوان» لدى صدور قرار الإحالة إلى المفتي قبل نحو اسبوعين بأن ترد عليه «في الميادين»، وهو ما لم يحدث حتى الآن، ما اعتبره محللون فشلا إخوانيا في اختبار الشعبية. وسيقول قائل إن «القمع والإجراءات الامنية» تشكل السبب االرئيسي لعدم خروج مظاهرات تملأ الميادين، إلا أن السنوات القليلة الماضية في مصر أثبتت انه مهما اشتدت اجراءات القمع، فإنها لا تستطيع منع مظاهرة مليـــونية، فكيــــف الحال إذا كانت «مظاهرات تملأ كل الميادين» في البلاد. ويجدر هنا تذكر أنه صدرت أحكام بالإعدام فعلا على عدد من القيادات الإخوانية، ولم تحدث تلك المظاهرات.
وقد عمدت بعض الشخصيات الإخوانية إلى تصوير تنفيذ الاعدام وكأنه «امر حتمي»، في سبيل اشعال العواطف وحشد الاحتجاجات. ومع ذلك انحصرت المظاهرات في تركيا عمليا. ومهما كانت الدوافع الانسانية، أو الايديولوجية أو السياسية التي وقفت وراء تلك المظاهرات، إلا انها تبقى غير مؤثرة في حسابات التنفيذ عند صانع القرار.
ثانيا – الواقع أن رد الفعل داخليا على أحكام الاعدام كان عنفيا حصرا، وتمثل في اغتيال القضاة الثلاثة في العريش بعد ساعات قليلة من قرار المحكمة، وهو ما استخدمه النظام بعد أيام لتمرير قرار كان صعبا أن يمر طبيعيا بتعيين المستشار احمد الزند وزيرا للعدل. وسمحت التعليقات الغاضبة لبعض القيادات الإخوانية حول «شرعية القصاص»، و»ثورة تحز الرؤوس» مع الاستغلال الإعلامي الأكبر لعملية قتل القضاة مع سائق لا ذنب له، لمحاصرة مشاعر التعاطف مع أول رئيس مصري يواجه حكما بالاعدام. وعندما حاول بعض السياسيين الاعتراض على الحكم، او حتى الدعوة إلى تأجيل تنفيذه، قوبلوا بإتهامات بالخيانة ودعم الارهاب.
ومع تصاعد اصوات «القيادات الإخوانية الشابة» التي انتقدت دعوة الامين للجماعة محمود غزلان إلى التمسك بالسلمية، وقام بعضها بتأصيل «اللجوء إلى القوة» ضمن معايير وضعها الامام حسن البنا، الذي لم يتحدث ابدا عن السلمية كضرورة حتمية، بدا واضحا أن الشعار على الأرض أصبح (العنف هو الحل).
وتأكيدا، وربما تحريضا على مزيد من العنف، جاءت اعترافات من قيادات اخوانية شابة تقيم خارج مصر بالمسؤولية عن استهداف محطات الكهرباء وغيرها، وهو ما حاول رفيق حبيب النائب السابق لرئيس حزب الحرية والعدالة (الذراع السياسية للجماعة) تبريره اخلاقيا بأنه استهداف للبنية التحتية وليس للبشر.
ثالثا- أما بالنسبة إلى النظام فانه يجد نفسه امام تحديات قاسية واسئلة صعبة، وهو بصدد اتخاذ القرار بشأن تنفيذ احكام الاعدام، ومنها:
1- هل النظام قادر، أو راغب أو (كلاهما) حقا في تنفيذ أو عدم تنفيذ الإعدام؟ وهل يستطيع مواجهة ردود الفعل في الرأي العام والجيش والقضاء والإعلام إن قرر تخفيف الأحكام إلى المؤبد؟
2- كيف ستكون العواقب السياسية والاقتصادية، إقليميا ودوليا لإعدام أول رئيس منتخب، وهل يستطيع النظام احتواءها؟
3- هل من الممكن التوصل إلى «صفقة كبرى إقليميا» لإلغاء أحكام الاعدام او تخفيفها مقابل تسوية سياسية واقتصادية؟
الواقع أن الاجابة عن كل سؤال تحتاج إلى مقال مستقل، ولنبدأ من الحسابات في الساحة الداخلية، التي نجزم انها ستكون المحدد الحاسم في الحسابات أمام صانع القرار وهو سيكون قرارا اكبر من شخص واحد، أو مؤسسة واحدة، وإن اتخذه رئيس الجمهورية في النهاية، حسبما يقتضي القانون. ولا يعني هذا التقليل من اهمية المعطيات الاقليمية والدولية، إلا أن العوامل الداخلية تنفرد بكونها «وجودية» بالنسبة للنظام. وبكلمات أخرى فإن النظام ربما يهتز في وجه عواصف من الانتقادات الاسلامية والدولية، وربما بعض العقوبات الاقتصادية المتمثلة في تجميد، أو إلغاء بعض المساعدات، إذا اصر على تنفيذ الاعدام. اما الداخل المصري فيبقى الوحيد القادر على إصدار «حكم باعدام النظام نفسه» إذا قرر «حزب الكنبة» النزول بملايينه إلى الشارع منددا بـ»المؤامرة» أو «التفريط في دماء الشهداء».
وترتبط الإجابة عن السؤال الأول بالحالة الامنية في البلاد، إذ أن تصاعد العنف سيزيد من صعوبة أي قرار بتخفيف الاعدام إلى السجن المؤبد، خاصة بالنسبة إلى قيادات «الإخوان»، باعتبار أن للرئيس المعزول حسابات خاصة، تسمح بهامش اوسع للمناورة السياسية. وبكلمات أخرى فإن سياسة (العنف هو الحل) التي يرفعها البعض في الجماعة، إنما هي في الحقيقة تسهل على النظام التخلص من العديد من القيادات والكوادر الإخوانية، وهو ما يشبهه البعض بـ»مجزرة المماليك» التي ارتكبها محمد علي باشا في بداية القرن الثامن عشر، ولولاها لما تمكن من بناء الدولة المصرية الحديثة. ولكن هل سيكون الثمن السياسي والامني مقبولا؟ وما امكانية أن يؤثر تدخل سعودي كويتي سري على حسابات النظام؟ ولهذا حديث آخر.
٭ كاتب مصري من أسرة «القدس العربي»
خالد الشامي