النقد والجامعة وتجارب في الذاكرة

حجم الخط
0

كثُر الحديث في المشهد الثقافي – العلمي العربي عن مظهرين اثنين، قد يبدوان منفصلين، لكن رابطا يوثق للعلاقة بينهما، من حيث باب التـأثير والتأثر.
من جهة الحديث عن أزمة النقد، ومن جهة ثانية أزمة الموضوعية والأمانة في الأطاريح الجامعية، التي باتت تُعرف بـ» ظاهرة السرقات العلمية». غير أن، طريقة التعامل مع هذين المظهرين، وما يحملانه من أزمة في منطق التفكير، وفي قيمة الأمانة العلمية، باستهلاك الحديث عنهما، من دون المرور إلى تحليل الظاهرتين، والوقوف عند أسبابهما في أفق تجاوزهما، قد يُعمق الأزمة، ويسمح بانتشار الظاهرتين. نقترح من باب التفكير في الظاهرتين معا، أحد أهم الفضاءات التي ساهمت في إنتاج حركة التنوير النقدي، وعلاقة الحركة بقيم العلمية، ونعني بذلك الجامعة ومن خلالها البحث العلمي، وارتباط نهضة النقد بدور الجامعة في التربية العلمية والبحثية على الفكر النقدي، بدعم من تكوينات مُرافقة تُعزز تنشيط التفكير، وتُشجع على السؤال، وتحثَ على الدهشة، وتجاوز المألوف، وتدفع باتجاه الإبداع في التأمل والتحليل مثل المنطق والفلسفة، ناهيك عن المواد الأولية التي تُخصب اشتغال التفكير النقدي مثل نظرية الأدب، والمناهج الأدبية، وتاريخ الأفكار، والدراسات المُقارنة، وترجمة النظريات النقدية، مع حضور مهم للأعمال الإبداعية، والانشغال بها نقديا بطريقة علمية. لكي يزدهر منطق التفكير، والقدرة على استعمال الفكر، واحترام الإبداع بعدم الاقتراب منه بذاكرة مُرتبكة نظريا ومفاهيميا، أو العبث بخطابه، والسطو على زمنه بسوء تدبير منطقه، فإن ذلك يحتاج شرطا موضوعيا لانتعاش حركية التفكير.
نستحضر في هذا المقام الاستحضاري لدور الجامعة في تخصيب شرط التفكير النقدي، والتربية على احترام مبادئ منهجية البحث العلمي التي تُدرب الباحث كيف يكون باحثا، والبحث كيف يكون علميا، والأخلاق كيف تتحول إلى أداة منهجية تُحقق الموضوعية للمنتوج العلمي نموذجا من بين نماذج كثيرة من السلوك العلمي النقدي الذي أصبحت الحاجة إليه مُلحة اليوم. نستحضر كتاب/بحث علمي وباحث/ناقد ومن خلالهما نُقيم العلاقة الوظيفية بين النقد والعلم من جهة، وبين البحث والأمانة العلمية من جهة أخرى، يتعلق الأمر بكتاب/تجربة «تطور القصة في المغرب مرحلة التأسيس» للكاتب والباحث والأستاذ المغربي أحمد اليبوري.
نشير بداية إلى أن اختيار تجربة هذا الكتاب لا تعود إلى مضمونه، وحكاية القصة في المغرب، والتعرف على زمن تأسيسها وتكونها وتطورها، وأعلامها وروادها، وتياراتها ومدارسها، وخطابها السردي، وإنما أهمية الكتاب في هذا المقام تتعلق بحكاية تحققه. جاء في تقديم المؤلف للكتاب «عرف هذا الكتاب الذي بين يديك، أيها القارئ العزيز، أطوارا شتى في تخلقه وظهوره إلى حيز النشر، بعد أن كان جزءا من مخطوط لرسالة دبلوم الدراسات العليا التي نوقشت سنة 1967، في كلية آداب الرباط، تحت إشراف أستاذي المرحوم محمد عزيز الحبابي، وكانت في الأصل تحتوي على قسمين: قسم خاص بتطور القصة، وآخر يتناول تطور الرواية في المغرب» (ص9).
بين سنة المناقشة 1967 وسنة الطبعة الأولى 2005، مسافة زمنية كبيرة، تميزت بتحولات مهمة في الدرس النقدي، ونظرية ومناهج الأدب، لكن الملاحظ أن هذا الكتاب – الذي يُعد من الإنتاج العلمي للجامعة المغربية – قبل طبعه بسنوات عديدة، نُشرت بعض أجزائه، بين سنتي 1973 و2004، ومع كل نشر كان الباحث يُعدل بعض الجزئيات وذلك، «لعدم ملاءمتها للتصنيف الجديد»، لأن أحمد اليابوري الأستاذ الجامعي الذي يعد من رواد تفعيل الجامعة المغربية علميا، وجعلها منارة للتميز المنهجي والمعرفي، الذي درَب أجيالا عديدة من الطلبة على احترام مبادئ منهجية البحث العلمي، والاشتغال العلمي بالخطاب النقدي، والاقتراب من النص الأدبي بحسن الإصغاء إليه، مع استعمال كافة الحواس لالتقاط جوهره، كان يربط بين المعرفة العلمية والمعرفة الأدبية، من خلال متابعته لما تعرفه الساحة الثقافية من جديد، وما تعرفه المناهج من تبدلات، فكان يرافق بحثه وهو يتقدم نحو الطبع بتعديلات تحترم زمن التحول، يُتابع القول في مقدمة كتابه «(…) كما تبين لي عدم الاحتفاظ بجدول القصص العربية المنشورة في الصحف والمجلات، لصدور بيبليوغرافيات جديدة شاملة في الموضوع».
تقتضي المنهجية احترام البحث انطلاقا من احترام سياق انتشاره. هكذا سيعيد الكاتب بعض ترتيبات البحث/الكتاب في طبعته الكاملة الأولى سنة 2005، يقول في المقدمة «وقد دفعتني لبعض هذه التعديلات مسألة تتعلق بالتصنيف ذات أساس منهجي، إذ بقدر ما كنت حريصا على أن أحافظ على محتويات الدراسة، في صيغتها الأولى، لأنها أصبحت ملكا للتاريخ، تحمل بعض بصمات النقد القصصي في الستينيات، فإنني كنت شديد الاهتمام بإدراج تلك المحتويات داخل رؤية جديدة تراعي مسألتي التصور والانسجام» (ص10). نلتقط من هذا التصريح بعض مظاهر علمية المعرفة، التي تتمثل في ضرورة المُلاءمة بين تاريخية المعرفة، ومنهجية تصريفها حسب مقتضيات التلقي المتغيرة والمتحولة باستمرار. فعلاقة البحث/الكتاب بمنتجه لم تكن تتوقف عند الانتهاء منه مناقشة، أو حتى نشره أجزاء، إنما عملية المراجعة تُرافق البحث، حسبما تقتضيه المستجدات في الإصدارات والمناهج والتلقي.
إنها أخلاقيات منهجية البحث العلمي، التي تُعلم الباحث كيف يحترم نفسه من احترام بحثه وكتابته، ويحترم كتابته وأسئلته من حسن تدبير موقعها في زمن النشر والتلقي. ولهذا، يضمن هذا النوع من الكتب الذي كان في أصله أطروحة جامعية علمية شرعية المرجع، ويحتفظ بأصالته وراهنيته، وقوة حضوره قلب الركام من الإصدارات، لأنه لا يقدم فقط المعرفة، إنما أخلاق المعرفة وعلمية المعرفة. ويقدم لنا بالتالي هذا النوع من المؤلفات خدمات منهجية وعلمية ومعرفية، وقبل ذلك يقدم لنا هوية الكاتب الذي يفرض علينا احترامه بقوة احترامه للمعرفة والعلم والأدب والنقد، أي احترامه للقارئ، وقبل ذلك احترامه لنفسه، ولثقافة الجامعة.
عندما نستحضر خطوات انتقال كتاب «تطور القصة في المغرب مرحلة التأسيس» للأستاذ أحمد اليابوري من الدراسة العلمية الجامعية إلى الكتاب النقدي- الثقافي، فقد يصيب البعض الدهشة والاستغراب من بطء الخطوات، وخنق الدراسة بالتعديلات، والانشغال كثيرا بالتوجيه المنهجي وبقضايا الرؤية والتصور، وقد يعتبر البعض أن في الأمر ضياعا للوقت، قد يُفوت على صاحب الكتاب فرصة الشهرة والنجومية في عالم النشر والإصدارات، كما قد يُؤخر فرصة فوز الكاتب بإحدى الجوائز التي تُسوق اسمه أكثر، إنها اعتبارات تتغذى من واقع الكتابة اليوم، التي باتت تتميز بالسرعة في النشر، وهذا شيء قد لا يثير قلقا لأن من شأنه أن يخلق مناخا تراكميا يساهم في حركية الثقافة والمعرفة، ثم الحوار حولهما، لكن الأمر قد يدعو إلى التأمل عندما يغيب البعد المنهجي من جهة على مستوى الكتب، وعندما يتم إقصاء العلمية عن الدراسة الجامعية.
لهذا، عندما يكثر اليوم الحديث عن أزمة تفكير نقدي، مع انتشار ظاهرة السرقة العلمية، فإن السؤال يجب طرحه حول وضعية شرط اشتغال البحث العلمي، وثقافة التفكير، أي التساؤل حول وضعية الجامعة، خاصة كليات الآداب والعلوم الإنسانية في العالم العربي اليوم، ودورها في الدفاع عن التكوينات العلمية خاصة الفكر النقدي وتاريخ الأفكار والفلسفة والمنطق وعلم النفس والسوسيولوجيا ونظرية المناهج ومنهجية البحث العلمي وتحليل الخطاب والترجمة وغير ذلك من التكوينات التي تنتصر لاستعمال العقل، وتحث على المبادرة والإبداع في السؤال والتأمل، وتجاوز المعطيات الثابتة، والاعتقاد بالفرضيات وجعلها مدخلا أساسيا نحو كل أفق معرفي، وتحصين ذلك بالمنهجية العلمية التي تُربي على الأمانة والموضوعية. هناك علاقات بنيوية بين الفكر وشرط نضجه، والقيم ومستوى تمثلها سلوكا.

كاتبة مغربية

زهور كرام

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية