النواة «العقلانية» للحالة العونيّة

حجم الخط
0

منذ الأخذ بما استمزج عرفاً دستورياً وقتها، وتكليفه رئاسة حكومة عسكرية بعد تعذر انتخاب رئيس جديد بعد أمين الجميّل، في أواخر العام 1988، وصولاً إلى التشنّجات الخطابية والميدانية الحالية، والعماد ميشال عون يرمي بمتعلّقات الخروج على العقل، وافتقاد السويّة، من قبل أخصامه. «هذا الرجل مجنون، مجنون رسمي»، هي عبارة تكاد لا تفارق المناوئين له كلما كان هو الحدث أو الخبر. بل تكاد تسمعها في صفوف «العونيين»، حيث تتحول تصرّفاته العصبية إلى شيء محبب، ويصير «الجنون» قرين «العنفوان»، والاعتداد بالنفس، والعبقرية اللامنظورة، والصلة العضويّة الفوريّة بين الرّبان والبحارة والسفينة وأليم.
كاريزما الجنرال بين «عونييه» ـ كما يسمّيهم هو أيضاً، لا ترجع إلى مهابة الوقار مثلاً، أو إلى هالة الخطيب المفوّه، أو إلى وقع الطلّة وبهاء المنظر. وهي لا تختزل في النكاية بفلان (سمير جعجع) أو الافتقاد التعويضي عن غياب فلان (بشير الجميّل). ليست «كاريزما الساحر» (وليد جنبلاط) ولم تكن بالأساس «كاريزما أبويّة». هل أنها «كاريزما الزعيم العنفواني المجنون»؟ ليس تماماً. ليس بما يشبه كاريزما الشاعر «العنفواني» سعيد عقل. كاريزما نابليونية؟ لا جواد هنا. إنّها كاريزما «المدفعجي» وليست أي سلاح آخر. ليس مصادفة أن يتدرّج عون في الجيش ضمن كتيبة المدفعية.
«كاريزما المدفعجي» هذه، قد توحي في أحيان كثيرة، بأن عون يتصرّف ببراعة تكتيكية، وينتقل من اللين إلى الشدّة بشكل مباغت لهذا ومناسب لذاك. لكنه، بخلاف السياسي المحترف الذي يدرك أن الواقع غير الرغبات، وأن الرغبات متحرّكة تكون أو هي تهدّد ما تراكم من رصيد، فإن عون يدرك بشكل جيد بأن طريقة احتساب رصيده مختلفة تماماً. رغبته في رئاسة الجمهورية لا يمكن أن تكون رغبة متحرّكة، هي رغبة صبورة، طويلة المراس، لكنها ثابتة في أرضها لا تتزحزح، وليس من النوع الذي يوارب اشتهاء المنصب، بل من النوع الذي يجاهر بهذه الشهوة كتطبيق لقانون ما. فعون هو عون لأنه يقرأ في الدستور مادته اللامرئية: «العماد ميشال عون يستحق الكرسي، وأي تأخير في تسليمه الكرسي يعرّض الكرسي للكسر والخروج على الشرعية والعقل».
بالنسبة لميشال عون والعونيين هناك شيء لا عقلاني في هذا العالم ينبغي تقويمه: ليس عقلانياً أن يظهر ميشال عون بين اللبنانيين فينتخبون غيره رئيساً، لأن ما يطلبه عون بسيط (الرئاسة المارونية للماروني الأكثر شعبية يا ناس!) لكنه في ترتيب العالم مستحيل! العونية هي اذاً نقد لاختلال العقلانية في عالم يعترض الحلم الرئاسي لعون بحجة أن عون مجنون، في حين أن جنون عون هو «الصدق التكذيبي» لرياء العالم، وهذا الرياء هو الستار الخبيث لانعدام عقلانية العالم. لو كان العالم عقلانياً لكان ميشال عون رئيساً للجمهورية: هذه المعادلة صميمة في وجدان كل عونيّ.
لكن العونية ليست فقط صورة للعالم بالمقلوب كي يكتفي بتشخيص «منطق اللامنطق» هذا، أي اللامنطق الذي يصير منطقياً لو كتب فقط لمقدمّته أن تكون سليمة، وهي ليست كذلك، في حين أن سبر الترابط المنطقي بين محدّداته ومقولاته متاح، فقط لو علّقنا مقدّمته الأولى بين مزدوجين. لا يمكن لقوة «منطق اللامنطق» وحدها أن تجعل ظاهرة العماد ميشال عون تعمّر كأهم ظاهرة شعبية في الشارع المسيحي لثلاثة عقود (شعبية بشير الجميّل كانت أكبر لكن عمر بشير نفسه بعمر سنوات التيار العوني، وظاهرة بشير الشعبية نفسها تقاس ببضع سنوات قبل اغتياله). هذا وقد تكفّلت العقود الثلاث المنصرمة بتهشيم كل التوقّعات بـ»قرب انحسار شعبية عون». البناء على الطابع الهزيل لتحرّك العونيين الأخير هو من طينة هذه التوقّعات.
لأجل ذلك، حين تضيق المساحة التفسيرية لمنطق «جنون عون» أو «منطق اللامنطق» هذا، يهرع البعض إلى شيء من «العنصرية النفسانية». فبدل تفسير الظاهرة بـ»جنون» قطبها، يصير تفسيرها بـ«جنون» طائفته. يصير ميشال عون اذاك انعكاساً، أكثر أو أقل عقلانية، لمركبات الانفصال عن الواقع عند الموارنة والمسيحيين (وضعف التنمية السياسية!!)، أو لقلق وجودي وخوف على المستقبل. النقطة الثابتة عند المحللين التبسيطيين ان كل مظلومية أو حرمانية في طائفية هي اما انتهازية، فرد أو جماعة، واما انعدام سوية فرد أو جماعة. والأسوأ من المحلل التبسيطي هذا «العلمانيّ» الذي يعظ هذا التيار الطائفي أو ذاك بأن المظلوم ليس زعيماً أو طائفياً، بل هو «إما الوطن (بالمجرّد) وإما المواطنون (بالمجرّد). يصعب الالتفات والحال هذه إلى «النواة العقلانية»، المفصلية في علّة وجود أي حركة أو زعامة سياسية. ومعنى «النواة العقلانية» ليس فقط «التداعي المنطقي» المستنبط من قاعدة لامنطقية، وليس فقط «انعكاس» مخاوف الجماعة على توتّرات القائد. لو شئنا التبسيط لقلنا أنه، إذا كان «منطق اللامنطق» هو تشابك منطقي على أرضية لامنطقية (مثلاً اعتبار الرئاسة حقاً جوهرياً لميشال عون وليست فقط مطلباً مشروعاً له ثم اعادة تركيب صورة العالم على هذا الأساس). فإن «النواة العقلانية» هي على العكس من ذلك، فكرة أو مجموعة أفكار واضحة وصحيحة، تنطلق منها كل حركة، بما فيها تلك العونية، لكنها تحيط بها بأكوام من الغموض وتتطور حولها شبكات من الاعتباط والهذيان. ما هي النواة العقلانية للحالة العونية؟ يتبدّى الجواب بالتذكير بما انتشر منذ انتهاء الحرب. من يومها، والمثقفون ينظرون إلى شيئين: اولها، ان الدور الاقتصادي غير الانتاجي للبنان قبل الحرب انتهى بعد الحرب (ما مهّد لموقف عدمي سلبي من خطط الرئيس الشهيد رفيق الحريري لاعادة الاعمار، بدل ان تكون نقطة الارتكاز السعي لأجل الوصل بين اعادة الاعمار، وجذب الاستثمارات، وتنشيط الدور الخدماتي والسياحي للبنان، وبين ما هو انتاجي وبيئي واجتماعي).
وثانيها، ان الدور الثقافي والسياسي للمسيحيين انحسر هو أيضاً، وصارت الثنائية سنية شيعية لا مسيحية إسلامية.
التسعينيات لم تسهّل اللعبة على هذين الطرحين: الثنائية السنية الشيعية بين الرئاستين الشيعية للبرلمان والسنية للحكومة لم تلغ المحورية المتصاعدة للدور المسيحي في استرجاع السيادة بوجه السوريين. منذ منتصف التسعينيات، كان المسيحيون وليس المسلمين محور السياسة اللبنانية بالمعنى السيادي للكلمة في ظل الوصاية السورية، في حين ان السياسة في زمن الوصاية ومن دون المعنى السيادي لها ليست سياسة بجد. البطريرك بطرس صفير، لقاء قرنة شهوان، حركة ميشال عون في المنفى ومناصريه في لبنان، مظلومية «القوات اللبنانية» وعناد قائدها في زنزانته، بل أيضاً وصول اميل لحود كرئيس من قلب جبل لبنان ومن قيادة الجيش إلى الرئاسة، وتهميشه الثنائية السابقة بين رئاستي الحكومة والبرلمان (التي لم يجر احياؤها بهذا الشكل بعد ذلك)، كل هذا ناقض تلك الحتمية «المثقفاتية» السهلة، بأن دور المسيحيين بعد الحرب انتهى.
الأمر تكرّر بعد انسحاب السوريين عام 2005، فقام «التحالف الرباعي»، الثلاثي السني الشيعي الدرزي اساساً، على قاعدة ان دور المسيحيين انتهى، ان لم يكن بعد الحرب فبعد انسحاب السوريين. فكانت النتيجة اكتساح تيار عون المقاعد النيابية في الدوائر ذات الاكثرية المسيحية، وخلل نافر في مصداقية التمثيل المسيحي عند النواب المسيحيين المنتخبين على لوائح المسلمين.
التداعي إلى منطق «كل طائفة تنتخب نوابها» ليس عقلانياً بلغة الانتخاب. لكن المنطق المقابل «طائفة تنتخب نواب طائفة اخرى لأن المناصفة اما ان تكون صورية واما ان تلغى» هو عين اللاعقلانية. كذلك فانّ رواج النصح الإسلامي، من طرف السنة او الشيعة، للمسيحيين بأن لا ينتحروا، ينسى كم ان الخيارات التي تبدو انتحارية بل التي تنظر إلى نفسها هي كانتحارية، كثيراً ما تكون نافعة على المدى الطويل في حياة بعض الأقوام والشعوب. ماذا كان ليبقى من الشعب الشيشاني مثلاً لولا انتحاريته كل بضعة أجيال؟ هناك طبعاً جماعات يغلب على نمط استمرارها الواقعية الزائدة إلى حد المسكنة (تحسّس الأخطار بشكل يضطرها إلى مجاملة المحيط والتقرّب من ذوي الشوكة والمكنة)، لكن هناك جماعات تفسدها هذه الواقعية الزائدة فتتحلل، أو حتى ينكّل بها لظرف أو لآخر، لكن هناك جماعات تستمر لأنها بكل بساطة «تحسبها بشكل خاطئ»، لكن حسبتها بشكل خاطئ تستند إلى نواة عقلانية، كون وجودها كجماعة وتمايزها عن الآخرين قد يحتاج لأسطورة لكنه لا يحتاج لمبرّر. منذ سنوات تراجع الحديث عن «مسألة مارونية». الحال العونية فصل من فصول هذه المسألة. نواتها العقلانية ترجع لكونها الحالة التي تفهم أكثر من سواها بأن هناك مشكلة عميقة بين المسيحيين والمسلمين بعد انتهاء الحرب. بعد ذلك تقوم هذه الحالة بجعل هذه النواة العقلانية تهذي. في مرحلة اولى، يتم ارجاع المشكلة بين المسيحيين (المقاومين بشكل عام) والمسلمين (المغلوبين على أمرهم من تحت والمستفيدين من فوق) إلى ظروف «الاحتلال السوري» . في مرحلة ثانية، يجري الاستنجاد بالنظام السوري المنسحب من بعد طول نضال ضده، ويتطوّع العونيون بسحب «حزب الله» والشيعة من الدائرة الإسلامية، فتصبح عندها المعادلة «مسيحيون في مواجهة المسلمين»، لكن المسلمين هؤلاء هم السنّة فقط (وصولاً إلى معادلة «الداعشي تمام سلام» ـ مع انه سبق لنائب سني ان وصف العونيين أيضاً بالدواعش)، في حين ان الشيعة هم «مسيحيون بشكل من الأشكال» (قبل بضع سنوات قارن عون لاهوتياً عذابات المسيح ومأساة الحسين).
من هنا، النواة العقلانية تقول «ان كان ثمة مناصفة إسلامية مسيحية فلا يمكن ان تقولوا اوقفنا العد وتبقى المناصفة صورية» وانه رئيس الجمهورية منصب يعني المسيحيين بالنسبة نفسها الذي يعني فيها منصب رئيس الحكومة السنّة. ثم لا تلبث النواة العقلانية – كونها مسخرة لخدمة «منطق اللامنطق» – فتهذي: اكثرية اللبنانيين غير إسلامية، لأن اكثريتهم غير سنية. واكثريتهم مسيحية تماماً إذا احتسبت الدياسبورا المارونية واللبنانية عبر العالم.

٭ كاتب لبناني

وسام سعادة

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية