يعايش المسؤول العربي وبشكل عام حالة من الضيق والضجر، التي تجعله يتخذ مواقف سلبية من النقد، ولا يشعر كثير من المسؤولين بأنهم مدينون للجمهور، بمعناه الواسع/ بأي شيء، فصعودهم للمواقع القيادية لم يكن قائماً على معترك حقيقي من التجارب، سواء في الحواضن التنظيمية أو الحزبية أو النقابية، ولم يخوضوا في حياتهم مواجهات تجعلهم بحاجة للمواطنين بوصفهم ناخبين.
وعمقت بدعة التكنوقراط هذه الحالة من الاستغلاق بين المواطنين والمسؤولين، فالفئة الأخيرة تشعر بأنها حصلت على الاصطفاء القائم على استحقاق شخصي لتفوقها الذاتي، وأن المواطنين هم المستفيدون من وجود المسؤول، الذي يضحي بوقته وفرصه في مواقع أخرى من أجل خدمتهم، وبذلك تصبح أي انتقادات أو اعتراضات توجه للمسؤول تعبيراً عن الجحود والتطاول.
«البراشوت» أو المظلة حملت الكثير من المسؤولين، خاصة في مواقع اقتصادية إلى مناصبهم، وأخرجتهم من مكاتبهم في شركات عملاقة من أجل الاضطلاع بمسؤوليات على مستوى الإدارة العامة، والمسؤول القادم من هذه البيئة، ومعها أيضاً البيئة العسكرية التي تعتبر النقد تمرداً يستحق العقاب، لا يمكنه أن يتعامل بإيجابية مع الحراك الشعبي، لأنه يغرق نفسه في ادعاءات فارغة من البطولة والتضحية، وبعض المسؤولين لم يتورع عن أن يصرح بذلك، وأن يلعب دور «المهدي المنتظر» متوقعاً أن المواطن عليه أن يقدم أسمى آيات الامتنان والعرفان أولاً، وأن يصمت ويصبر ودون حدود من أجل تمكين المسؤول من أداء مهمته السامية.
دولة الاستقلال العربية أتت نتيجة متعجلة وغير ناضجة للميراث الاستعماري. وممثلو المستعمر من المجتمعات المحلية أخذوا الفرصة الكاملة في الاستحواذ على حصص واسعة من كعكة السلطة، لأنهم كانوا مؤهلين معرفياً وينطبق عليهم المثل القائل بأن الأعور ملك بين العميان، ولم يستوعب معظمهم أن العالم يتغير، وأن التعليم الذي بدأ طموحاً في المنطقة العربية في الخمسينيات والستينيات، يمكن أن يفرز قيادات بديلة من صفوف الجمهور، عدا أن التعليم في حد ذاته أعلى من مشاعر الاستقلال وارتقى بمعايير، فهم المواطنين للحياة ودور الدولة تجاههم، ولتحييد التقليديين ممن ورثوا التركة الاستعمارية، أتت الانقلابات العسكرية التي غرقت جميعها في عقدة الانتصار والظفر، وتصرفت الجيوش وكأنها انتصرت في حرب على الداخل، وحاولت أن تجعل الجميع يعيش في نموذج الخندق في حالة خوف وقلق من حرب لا تأتي ولن تأتي، وإن أتت فالنتيجة هي الهزيمة، ومزيد من العسكرة من أجل الصمود والانتقام للكرامة الوطنية التي أهدرت أصلاً، عندما تحول المواطن الذي يفترض أن يكون عنصراً منتجاً في مجتمعه لمجرد جندي على ذمة مجد الوطن والمفاهيم الهلامية والضبابية الأخرى.
أمثلة الإهانات التي لحقت بالمواطنين من قبل المسؤولين في السنوات الأخيرة، وفي أكثر من بلد عربي، كانت صادمة ومرعبة، فالمسؤول مهتم بسيرته الذاتية، ويفكر في إيقاف كل العالم من أجل خدمتها، وهو لا يخاطب المواطن ولا يقدم له أوراق اعتماد، ولا يحاول أن يسترضيه أو حتى أن يضعه في اعتباره. والمشكلة الكبرى ليست في المسؤول الطموح الذي يعتبر نفسه لاعباً سياسياً يريد أن يواصل الصعود والبقاء في الساحة، ويمكنه أن يخوض من أجل ذلك تجارب شعبوية، مثل الانضمام إلى حزب أو شكل تنظيمي أو مجلس نيابي، وإنما تتجلى المشكلة في طبقة التكنوقراط التي تتولى وزارات وإدارات خدمية، مثل التعليم والبلديات والإدارة الاقتصادية، ويتوافدون لمناصبهم من الشركات والمنظمات الدولية والجامعات، ويعرفهم المواطن للمرة الأولى عند إعلان توليهم لمنصب ما أو مسؤولية معينة، والمفارقة أنهم يعرفون المواطن بمعناه الأشمل والأوسع عند توليهم المسؤولية، لأن خبرتهم اقتصرت على التعامل مع الموظف أو الطالب أو الجندي، أو أي كيان وظيفي آخر.
الديمقراطية الجزئية أو الانتقائية هي أحد أشكال تدمير معنى الديمقراطية وتشويهها، وأصل الإدعاء بأن الشعوب العربية لا تفهم الديمقراطية ولا تريدها، فالديمقراطية استخدمت ضمن أدوات أخرى من أجل اخضاع هذه الشعوب، وتكريس التمييز وإدارة الظلم الاجتماعي، فالديمقراطية يجب أن تكون شاملة، وأن تمارس على جميع الأصعدة والمستويات، كما أن المواطن العربي يجب أن يؤمن بأن الديمقراطية ليست مجانية، وأنها مسيرة طويلة تعتريها الكثير من الأخطاء، والشعوب يمكن أن تختار في لحظات تاريخية معينة أسوأ النماذج في قيادتها، وأنها يمكن أن تدخل في مرحلة من الاضطراب وحتى التيه لسنوات طويلة نتيجة هذه القرارات، ولكن في النهاية فإن الديمقراطية تمتلك أدوات التصحيح الذاتي، وتستطيع بناء على ممارسة استراتيجية التجربة والخطأ أن تصل إلى الحلول المناسبة، التي تكفل الاستقرار والتوازن داخل الدولة.
بالطبع يمكن أن يحاجج كثيرون بأن بعضاً من المناصب، مثل إدارة البنوك المركزية أو هيئات الطيران لا يمكن أن تكون نتاجاً لفعل ديمقراطي، وهذا صحيح إلى حد بعيد، فهذه وظائف تعتمد على الكفاءة الشخصية والتأهيل المعرفي، ولكن يختلف الأداء كلياً إذا كانت تعمل في بيئة ديمقراطية، وتعرف أن أداءها يجب أن ينصرف لمصلحة المواطن، عما إذا كانت تعمل من أجل استرضاء سيد واحد وصاحب رؤية واحدة أو تضليله، والأمر سيان في النهاية، لأن المسؤولين في المواقع التكنوقراطية الطابع يعتبرون مواقعهم جزءاً من مسيرتهم المهنية، ولا يعتبرون أنفسهم جزءاً من مسيرة وطنية.
الدولة العربية ما زالت غارقة منذ عقود في مرحلة تسيير الأعمال، ولذلك فإنها تبقى هشة من الداخل، ومعرضة دائماً لمخاطر غير ضرورية وغير حقيقية تعمقها حالة الاستسلام لواقع الحس البطولي، وهو يشمل البطل والبطل المضاد، أو الخائن والفاشل، ولذلك فإن عبارة كانت جهة أو شخص ما كتبها لدى إحدى محطات الترام في مدينة الاسكندرية وتقول ببساطة «أين أنت يا صلاح الدين؟» تلخص هذه المشكلة والاختلال المرافق لها، فالمسؤول يتصور نفسه صلاح الدين والمواطن يعطي المسؤول صورة صلاح الدين، والعلاقة لا تقوم على أسس واضحة. وعندما يفشل المسؤول فإنه يتحول تلقائياً إلى خانة الخائن والمتآمر، ويعتبر جزءاً من القوى المضادة التي تمنع أو تعوق صلاح الدين من الوصول إلى مكانه المناسب، والحقيقة أن صلاح الدين لم يكن موجوداً يوماً إلا في مخيلة تفقد الثقة في ذاتها، وتستطيع أن تقرأ صفحة وتترك أخرى، دون شعور بالذنب، ويمكنها أن تلتقط عبارة من سياقها لتبني عليها أوهاماً ومواقف غير واقعية، وفي النهاية لا شيء يتغير تحت الشمس وتتوطد عقيدة الجبر بصورة أو بأخرى. وحتى في فصول الثورات العربية الأخيرة أتى الانكفاء للعقيدة الجبرية بصورة مؤسفة، ليؤكد أن الغضب وحده لا يكفي من أجل أن يفتح باباً للخروج من مأزق طويل وصعب تعيشه الشعوب العربية، التي أصبحت تمثل ظاهرة سيكولوجية أولى بالاهتمام من كينونتها السياسية.
٭ كاتب أردني
سامح المحاريق