امتزاج الأدب والسياسة في «حكاية العربي الأخير» لواسيني الأعرج

■ يصعب في كثير من الأحيان فصل السياسي عما هو أدبي بحت أو ثقافي، خاصة حين يتعلق الأمر بكاتب مثل الجزائري واسيني الأعرج، أو رواية مثل «حكاية العربي الأخير» التي طرحت من خلال سردٍ بسيط ونبوءات، عددا كبيراً من الأسئلة.
«العربي الأخير» الصادرة عام 2016 ليست سوى بنت شرعية للواقع السياسي العربي، بمعنى أنها رواية ما كانت لترى النور في أي عصر سابق على عصرنا الحالي المزدحم بالحراك والثورات والخيبات. لم تكن الرواية لتولد في الثمانينيات مثلاً أو التسعينيات، بل ما كان بالإمكان أن تكتب حتى قبيل سنوات قليلة من هذه الحالة الفريدة في التاريخ العربي المعاصر والمسماة بثورات الربيع.
الإشكال هنا هو أن التعرض للسياسة يمثّل على الدوام تحدياً للروائي، فهو يريد من جهة أن يوصل صوته ووجهة نظره حول ما يدور حوله، وهذا بلا شك حقه كأي مثقف آخر، لكن، ومن جهة أخرى، فهو مطالب بتقديم مادة فنية تلتزم بشروط الأدب ولا تتـــمادى في التسييس، أو التحول لبيان وقائعي خالٍ من المتعة.
كاتب الرواية نفسه بدا شخصية مثيرة للجدل، فمن خلال ما سنقرؤه في الرواية، وأيضاً من خلال مقالاته الأخرى وتصريحاته، يبدو موقفه من التحولات التي تشهدها المنطقة ملتبساً. سردياً يدعم النص المنطق السوداوي الذي يرى أن هذه التغييرات والثورات سوف تقود في نهاية المطاف لتكريس الفوضى وتغلغل الإرهاب، بشكل يجعل الناس يندمون على ما كانوا يحصلون عليه ببساطة من الخير: «هؤلاء الأقوام كان الماء يدخل إلى بيوتهم ساخناً أو بارداً. ها هم اليوم حتى التمر لا يجدونه». أما خلال اللقاءات التي تجمعه بجمهوره المتحمس من الشباب، فإن الكاتب يجدد موقفه الداعم للديمقراطية والمنادي بالحرية وحق الشعوب في إسماع صوتها وتحقيق ما تريد.
هل كان الأعرج يفضل ثورة علمانية لا تخرج من المساجد على غرار المطالبة الشهيرة لصديقه أدونيس؟ الاستشهاد برؤية أدونيس هنا ليس أمراً خارجاً عن السياق، فهو «مثقف» مقرب من واسيني الأعرج، لدرجة أنه رشحه في إحدى المقالات لنيل جائزة نوبل للأدب، وإن كان قد أوصى في المقال ذاته: «بغض النظر عن الموقف السياسي والأيديولوجي للكاتب».
ربما يرى البعض أن في ما نقول تسييساً لغير المسيّس، أو تحميلاً للعمل الأدبي ما لا يحتمل، لكن الحقيقة هي أننا نعيش في عصر فرضت فيه السياسة نفسها، وأطلت برأسها على كافة مجالات الحياة، بما فيها تلك المجالات التي كان كثيرون يظنون أنها بعيدة عنها كالرياضة أو الفن، وقد أجبر هذا عدداً ممن كانوا لوقت طويل محايدين أو متجاهلين لأمر السياسة، على أن يتحولوا لفاعلين فيها ولجزء أصيل منها. في هذا الإطار كان من الصعب على الرواية، التي نافست الشعر في التحول لديوان للعرب، أن تنأى بنفسها عن الواقع أو أن تنكفئ على نفسها مكتفية بأن تقدم مجرد فن من أجل الفن، أو أدباً من أجل الأدب. يمكننا أن نلاحظ وجود هذه النكهة السياسية، التي تزيد أو تنقص بحسب التزام صاحبها ورغبته في إيصال صوته ورسالته، في معظم الروايات التي صدرت خلال الأعوام الماضية. أما تلك الروايات التي حاول أصحابها الابتعاد عن تقديم أي إشارة للواقع، أو التحولات السياسية، فهي ما تزال موجودة، لكنها تأتي في معظمها باهتة وقابلة للنسيان، وإن تحلت بالكثير من البهاء في اللغة والتعبير.
الضغط السياسي على الأعمال الأدبية والتأثر بالجو العام لا يقتصر فقط على العرب، فقد شهدت أوروبا مثلاً خلال فترة الحربين العالميتين حراكاً من نوع مختلف نتجت عنه مدارس فنية ما يزال صداها معنا حتى اليوم، فمنها ما أطلق على نفسه اسم الواقعية، والالتزام لشدة ارتباطه بالتطورات الاجتماعية والسياسية، ومنها ما بالغ في إدارة ظهره لما يدور حوله من أحداث، ما أدى لازدهار مدارس العبث والسيريالية واللا معقول. اليوم يبدو وكأننا نشهد في العالم العربي ظاهرة مماثلة، وإن اختلف السياق، فلأن ثمن النقاش السياسي الجاد والرسائل المبدئية يبقى باهظاً في أغلب الأحوال، يمكن للمتابع أن يلحظ بوضوح تلك الفيضانات التي عمت أنحاء كبيرة من وسائل الإعلام، من العبث والسماجة والتفاهة الممزوجة بميل غريب للتسطيح والتجهيل.
يستند واسيني الأعرج بشكل دائم على ما هو موجود مسبقاً، فيأتي بنيانه الروائي خليطاً بين ما سبق للقارئ أن قرأه وعرفه، والرسالة الجديدة التي يريد إيصالها. يظهر ذلك بجلاء في عمله الأخير الذي يحكي سيرة الأديبة مي زيادة (1846-1941). هذا العمل سوف يحكي، مستنداً إلى وقائع حقيقية ومخطوطات، سيرة الأديبة الفلسطينية الأشهر في عصرها. أطلق الكاتب على هذا العمل اسم «ليالي إيزيس كوبيا» (الاسم المستعار الذي وقعت به مي كتاباتها الأولى) وتوسع في سرد مأساتها، بإضفاء كثير من الإثارة والتفاصيل، خاصة على الجزء الأخير من حياتها الذي أمضته في مستشفى للمجانين.
هذا الاستناد مثال على التشابك بين ما هو واقعي وما هو أدبي. رواية «حكاية العربي الأخير» كانت تحمل بدورها استناداً من نوع آخر إلى فكرة كان قد قدمها وسبق إليها البريطاني جورج أورويل (1903-1950) في روايته المعنونة: 1984، التي حملت بدورها نبوءة عن مستقبل قاتم السواد في حال وصلت الشمولية الشيوعية لبريطانيا. واسيني الأعرج قام بصنع رواية موازية حملت تاريخ 2084 كانت فيها النبوءة تدور هذه المرة حول وصول الإرهاب والدمار للعالم العربي. لن يخفي واسيني انطلاقه مما كان أورويل قد وضعه، وفي المقدمة سنقرأ استشهاده بإحدى فقرات أورويل السوداوية المتشائمة: «في المنظور المعلوم من حياتنا، لن تكون هناك أي إمكانية للتغيير. نحن موتى. حياتنا الحقيقية الوحيدة تكمن في المستقبل. سنشترك في صنعه حتماً، لكن في شكل حفنات من غبار وكومات من عظام. المهم، على أي مسافة منا يقع هذا المستقبل؟ من المستحيل معرفة ذلك، قد تكون ألف سنة. فلا شيء ممكن حالياً».
ستأخذنا الرواية لمفترق طرق وأسئلة حول القنبلة الذرية الأمريكية التي ألقيت على اليابان، وحول شخصية الألماني هتلر، وأسباب فشل النازية وسوف تتوقف لتحكي بإسهاب عن حدث غزو العراق وتصفية العلماء العراقيين المميزين، لكن الجزء الأكثر إثارة للجدل كان الخاص بموقف الكاتب من الثورات والتغيير، وعما إذا كان منحازاً، بشكل أو بآخر للأنظمة التقليدية أو السابقة، حيث يمكن أن نجد في ما وراء السياق اتهاماً لهذه الثورات بأنها كانت سبباً رئيسيا للفوضى والتدمير، كما في قوله: «عندما قام الآرابيون بثورتهم كبقية الشعوب قتلوا أنفسهم أولاً، وغرسوا السكاكين في اللحم الحي من أجسادهم، ثم أكلوا رؤوس بلدانهم وبعدها خلقوا فراغاً ظنوه هو الديمقراطية، ويوم استيقظوا وجدوا أنفسهم مجموعات يقتلها العطش والصحارى والثعابين، كالعمران الذي شيّد على الرمال وفي ثانية واحدة انهار كل شيء».
هل نجح واسيني الأعرج في تقديم حبكة روائية مشوقة بنكهة الرأي السياسي، أم أنه بالغ في إضافة التوابل السياسية على حساب الصنعة الأدبية؟ يبقى الحكم الأول والأخير للقارئ.

٭ كاتب سوداني

امتزاج الأدب والسياسة في «حكاية العربي الأخير» لواسيني الأعرج

مدى الفاتح

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية