انتفاضة القدس الجديدة

■ قبل أسابيع، كتبت مقالا بعنوان «رد الاعتبار للشعب الفلسطيني منشور بتاريخ 20-10-2014) عن الحاجة الملحة لاستئناف ثورة التحرير الفلسطينية وعن ضرورة تنويع أساليبها، واللجوء أكثر إلى البعد الشعبي التلقائي خروجا من أزمة انقسام الفصائل، وربطها المرضي للوضع الفلسطيني بالأوضاع العربية العامة، التي يغلب عليها الآن تناسي القضية الفلسطينية برمتها، والانشغال بموجات إرهاب تفكك الأوطان المحيطة بفلسطين المحتلة.
وأثبت الشعب الفلسطيني ـ كما كان دائما ـ أنه عند أفضل ظنون محبيه، وبدأ التململ الثوري يسري حثيثا في صفوفه، وتوالت بوادر ما قد تصح تسميتها بانتفاضة القدس، وتقدم شبان عاديون إلى صدارة المشهد، وفي سلسلة عمليات مسلحة بأساليب مبتكرة، ردا على الوحشية الإسرائيلية. وتبادلت حركتا «الجهاد الإسلامي» و»حماس» إعلان المسؤولية عن بعض العمليات، في ما تبنت «الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين» أحدث العمليات وأكبرها حجما، وإن لاحظ المراقبون تفضيل الفصائل لاستخدام تعبير «نبارك» بدلا من لفظة التبني الصريحة، وهو ما يكشف عن ميل المنفذين للتخطيط الذاتي، حتى إن كانوا على علاقة جوار أو حوار أو انتساب مع الأجهزة التنظيمية للفصائل المعنية. وفيما مالت رئاسة عباس إلى إدانة العملية الأخيرة بالذات، فإن حركة فتح ـ التي يترأسها عباس نفسه ـ بدت أكثر ميلا لتفهمها، والدفاع عن دوافع منفذيها الشهداء أبطال الشعب الفلسطيني الجدد.
والسبب المباشر لانتفاضة القدس الجديدة، هو العدوان الإسرائيلي المتصل على المسجد الأقصى، أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين، ودهس حرماته والسعي لتقسيمه زمانيا ومكانيا. وتماما كما كان عدوان سابق على المسجد الأقصى، هو السبب المباشر للانتفاضة الثانية أواخر عام 2000، ليس لأن المسجد المبارك رمز مقدس للمسلمين، وهذه قضية لا خلاف على قيمتها الكبرى، بل لأن المسجد الأقصى ـ أيضا ـ رمز تاريخي جليل على حق الشعب الفلسطيني في استعادة أرضه المحتلة، وهنا مربط الفرس، فالسماح للمسلمين ـ مثلا ـ بحرية الصلاة في المسجد الأقصى، أو تعهد إسرائيل لملك الأردن بعدم المساس بوضع المسجد، كل ذلك لو حدث، وهو مستبعد الحدوث، لا يغير شيئا من الرغبة الكامنة للشعب الفلسطيني في الانتفاض، والبحث عن سبل جدية للتحرر، بدلا من انتظار تعاطف ما يسمى بالمجتمع الدولي، أو التعويل على خرافة استئناف المفاوضات من أجل المفاوضات، أو ترقب نتائج المصالحات التي لا تتم أبدا بين عباس وحماس، فلا شيء يصالح غزة مع القدس والضفة، أكثر من التوحد في تيار شعور مقاوم للهمجية الإسرائيلية، يعيد تشكيل موازين القوى، ويرد للشعب الفلسطيني اعتباره الكفاحي، ويجعل قضية التحرير الوطنى عنوانا أولى بالرعاية، وفوق مناكفات الفصائل التي تنتهي بتفجيرات غامضة وظاهرة هنا أو هناك.
نعم، يبدو أفق الاعتماد على الفصائل وحدها، لا يدعم بوادر انتفاضة القدس الجديدة، ولا يقوى عودها، ولا يقودها إلى غايتها، ليس ـ فقط ـ بسبب خرائط جغرافيا وجود الفصائل، وما يبدو من نفوذ أكبر لخط عباس في الضفة الغربية، في حين تعرض الجهاز التنظيمي لحماس ـ وكذلك تنظيم الجهاد ـ لحملات تصفية وإنهاك إسرائيلي متواصلة، ساعدت عليها اختراقات التنسيق الأمني التي تديرها سلطة الرئيس عباس، بينما تبدو فصائل أخرى ـ كالجبهة الشعبية ـ في حالة حيرة بين جهازها العسكري المقاوم عظيم الخبرة، وجهازها السياسي المضطر لمسايرة عباس، بحكم كونه رئيسا لمنظمة التحرير التي تتبعها الجبهة، وضيق الموارد المالية الذاتية للجبهة، إلى حد التلاشي، وهذه كلها تفاصيل صورة معلومة للجهات المعنية، وتعيق قيادة فصائل المقاومة للانتفاضة الوليدة الممكنة، وتختلف عما كان عليه الوضع مع ميلاد الانتفاضة الثانية، التي عرفت غالبا باسم انتفاضة الأقصى، فقد كان ياسر عرفات وقتها زعيما لفتح ومنظمة التحرير، وكان عرفات ـ رحمه الله ملكا متوجا للمناورة السياسية، وزعيما معترفا به للشعب الفلسطيني بكامله، وكان عرفات يفاوض أحيانا، ويقاوم في أحيان أخرى، وكان يطلق يد التنظيم السري لفتح في إدارة عمليات المقاومة والتعبئة الجماهيرية، وهو ما دعم استمرار الانتفاضة، رغم عزلة وحصار عرفات في مبنى «المقاطعة»، إلى أن جرى اغتياله بدس السم في طعامه. لكن الانتفاضة الثانية كانت قد أثمرت واقعا جديدا، انتهى بجلاء إسرائيل من جانب واحد عن قطاع غزة، وتفكيك المستوطنات السبع في غزة، فيما ظلت القدس والضفة الغربية على حال الاحتلال المباشر، والتهويد المتصل، الذي تزايدت وتيرته بحدة في العشر سنوات الأخيرة، وإلى حد التهويد شبه المكتمل للقدس، والسعي الإسرائيلي المحموم لتهويد المسجد الأقصى، رمز عروبة القدس وعروبة فلسطين.
وإذا كنا نسلم بتراجع دور الفصائل، وضعف دورها في إشعال وتطوير انتفاضة القدس الجديدة، وهي الانتفاضة الكبرى الثالثة في التاريخ المعاصر لمقاومة الشعب الفلسطيني، إذا كان تراجع دور الفصائل عقبة ظاهرة، فإنه ليس مانعا من تفجر الانتفاضة، ومن التقدم إلى مراحل أكثر حيوية، اعتمادا على التحرك شبه التلقائي لجموع الشعب الفلسطيني، وأسباب اعتقادنا ظاهرة، فوحشية الاحتلال تمضي إلى تزايد، وهجمات قطعان المستوطنين المستعمرين سوف تتواصل، وحياة الفلسطينيين في الضفة والقدس تزداد سوءا، بتوسع الاستيطان اليهودي، وتقطيع التواصل الجغرافي للمدن والقرى الفلسطينية، وتضاعف معدلات العنصرية النازية لدى اليمين الإسرائيلي الحاكم، الذي يتبنى مقولة «إسرائيل الكبرى»، ولا يتصور إعادة القدس إلى أهلها كلا أو جزءا، ولا يتصور إعادة أغلب أراضي الضفة الغربية، ويزيد في عدوانيته اليومية تجاه عرب 1948، الذين يشكلون ما يزيد على خمس السكان في الأراضي المحتلة قبل عدوان 1967.
والمعنى: أننا بصدد كتلة هائلة من الفلسطينيين في الضفة والقدس، وفي ما وراء ما يسمى إسرائيليا بالخط الأخضر، كتلة قد تصل في مجموعها إلى خمسة ملايين فلسطيني، تتوحد صنوف معاناتهم اليومية باطراد، رغم حمل بعضهم للجنسية الإسرائيلية إجبارا، أو للهوية المؤقتة، كما هو الحال في القدس، أو للهوية الفلسطينية وحدها في الضفة الغربية، وقد ساعدت النازية الصهيونية ـ وتساعد ـ على توحيدهم، في هوية مقاومة تتقارب طبائعها، وتكاد تتخذ من «المسجد الأقصى» عنوانا موحدا لحركتها، وهو ما من شأنه أن يضع أساسا أكثر رسوخا لوحدة الشعب الفلسطيني، فقد تزايد الدور المقاوم لعرب 1948 في ربع القرن الأخير، ومنذ الانتفاضة الأولى التي اندلعت عام 1987، وتراجع نفوذ أحزاب عرب 1948 الداعية للاندماج في التكوين الإسرائيلي، والتركيز فقط على قضايا الحقوق المدنية، في ما تزايد نفوذ الأحزاب الوطنية والقومية والإسلامية في أوساط عرب 1948، وجرى استعادة أصل القضية، وهو الحقوق الوطنية، وإن بصورة ضمنية، عبرت عن نفسها في التضامن العملي اليومي مع إخوتهم الفلسطينيين في غزة والضفة والقدس، وإلى حد مشاركة بعض عرب 1948 في عمليات مسلحة كما جرى أخيرا، وهو ما نعنيه بالخرائط الجديدة لوحدة الشعب المقاوم، ودخول موارد مقاومة جديدة إلى الساحة، تكسر ثنائية الانفصال المشؤوم بين غزة ورام الله.
وقد يثار سؤال له ما يبرره عن الطابع الديني لوقائع الصراع العربي الصهيوني، وفي قلبه الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، والسؤال في محله، لكن الجواب كثيرا ما يروغ عن الحقيقة الساطعة، فالتكوين الإسرائيلي الاغتصابي في غالبه ليس دينيا، لكنه يستخدم أسطورة أو أكذوبة دينية في التعبئة والحشد وجلب الموارد البشرية، وفي تنفيذ أجندة الاستعمار الاستيطاني الإحلالي، ومؤسس كيان الاغتصاب الإسرائيلي بن غوريون لم يكن متدينا، وكذلك أغلب القادة الذين توالوا على حكم إسرائيل، فاليهودية عند هؤلاء موقف عنصري محض، يزعم لنفسه حق السيادة والتفوق على الآخرين، ويردد مزاعم النقاء العرقي الذي يجعل اليهود «سوبر أمة»، وهذه كلها مزاعم ودعاوى تفتقر إلى صحيح العلم وصحيح التاريخ وصحيح الدين، وتستخدم نصوصا توراتية مفبركة عن «أرض المعاد» وعن «شعب الله المختار»، وهذه كلها مجرد «أقنعة دينية» مستعارة، تستخدم بكثافة لتبرير الاستيلاء على الأرض الفلسطينية، فالأرض هي جوهر الصراع، والقضية الفلسطينية هي قضية تحرير الأرض المحتلة، وهي قضية تحرير وطني قومي، لا نواجه فيها الإسرائيليين لأنهم من اليهود، بل لأنهم قوة احتلال واغتصاب للوطن الفلسطيني المقدس، فالمسلمون ـ وهم أغلب الفلسطينيين ـ يعترفون باليهودية والمسيحية كأديان سماوية، ويؤمنون بالله وكتبه ورسله جميعا، ولا يفرقون بين أحد منهم، والمسجد الأقصى ـ عند المسلمين ـ كان موضع اسراء فمعراج النبى محمد (صلى الله عليه وسلم) ولقاءه بالأنبياء والمرسلين من قبله.
قضيتنا ليست دعوة الإسرائيليين إلى الدخول في الإسلام، بل إلى الخروج كمحتلين من أرضنا، وهذا ما نعنيه بقولنا إن «المسجد الأقصى» رمز قومي ووطني، بقدر ما هو رمز ديني توحيدي، يفجر طاقات المقاومة الكامنة في نفوس الشعب الفلسطيني، ويقدم عنوانا ملهما لانتفاضة القدس الجديدة.

٭ كاتب مصري

عبد الحليم قنديل

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية