موافقة وزراء الخارجية العرب مساء السبت الماضي، خلال اجتماعهم الطارئ، على 11 قرارا داعما للقضية الفلسطينية، لا يلغي حقيقة التراجع الإعلامي لقضيتنا الفلسطينية على الصعيدين العربي والدولي.
أبرز قرارات الوزراء العرب: «التأكيد على خيار السلام العادل بإنهاء الاحتلال الإسرائيلي»، ودعم مبادرة السلام الفرنسية. جاء ذلك في البيان الصادر عن الاجتماع الذي انعقد في دورته غير العادية في مقر الأمانة العامة لجامعة الدول العربية في القاهرة. هذا لا يلغي حقيقة أن اهتمامات عربية ودولية أدّت إلى تراجع صدارة القضية الفلسطينية عن دائرة الاهتمام الأولى، فقد باتت القضية الفلسطينية تحتل مساحة «باهتة» في المنابر الإعلامية العربية، التي عكست، «تجاذبات المشهد الإقليمي العربي المضطربّ، مما ينذر بالمزيد من تراجع هذا الاهتمام لصالح أزمات المنطقة.
لقد تركت المتغيرات والتفاعلات الجارية في الإقليم، منذ زهاء الخمس سنوات تقريباً، «تأثيراً ملحوظا في مسألة تفاعل وسائل الإعلام مع الأحداث الجارية في الأراضي الفلسطينية المحتلة»، ذلك وفق خلاصة مناقشات جادّة لإعلاميين كثيرين (من 52 دولة ممتدة حول فضاءات العالم) من المشاركين ضمن سياق أحد أبرز أنشطة منتدى فلسطين الدولي للإعلام والاتصال «تواصل».
يستقيم هذا الحال أيضا، بالنسبة لمؤتمر «فلسطين في الإعلام: فرص وتحديات»، «تواصل2»، الذي استمر لأيام منذ 18 مايو الماضي في اسطنبول، تضامنا مع الانتفاضة الفلسطينية المجيدة، الدائرة حاليا في أراضينا المحتلة. هذه التي تعكس هوّة عميقة في التغطيّة الإعلامية لأحداثها اليومية الداميّة. وبالمقابل هناك شبه غياب دولي عن كافة الجرائم الصهيونية، حيث يتحرر الاحتلال الفاشي شيئاً فشيئاً من ضغط وعقوبات المساءلة، سواء في ما يتعلق بخطواته الاستيطانية المتسارعة، وتهويد القدس وحرب الإبادة الجماعية التي يرتكبها يوميا ضد شعبنا، أو الاستيلاء على الأراضي الفلسطينية، التي يجري قضمها في كافة المناطق المحتلة، في منطقة عام 48 جرت مصادرة أراض في النقب، وفي منطقة عام 1967 تجري حالياً مصادرة مناطق شاسعة في غور الأردن. على صعيد آخر إسرائيل تصنع وقائع على الأرض ستصبح بعد فترة (حقائق) لا يجوز النقاش حولها، والحصيلة تآكل متدرج للحقوق الوطنية الفلسطينية.
وإذا كانت الانتفاضات الثلاث الفلسطينية، وآخرها الحالية، قد أسهمت، إلى حدّ ما، في استعادة القضية الفلسطينية لمكانتها ضمن مساحة الاهتمام العربي والدولي، بعدما أحيت حراكاً عربياً ودولياً كان قليلا، إلا أنها تراجعت أمام القضايا المحلية لبعض الدول العربية، وليس كلها، نظير الأزمات البنيّوية العميقة، التي تكشفت حدّتها مؤخراً. أمام هذا الواقع الراهن؛ لا بد من رسم سياسة إعلامية متكاملة ومساندة للقضية الجوهرية الأساسية في مسار الصراع الفلسطيني العربي- الصهيوني، حيث تهدف للدفاع عن عدالة القضية الفلسطينية (والعرب أسوأ المحامين عن أعدل قضية – كما قالت الكاتبة البريطانية إيتيل ميتون في منتصف خمسينيات القرن الماضي، في كتابها «الطريق إلى بئر السبع») هذا من جهة. ومن جهة ثانية، كشف المزاعم الصهيونية الدينية والتاريخية التي يتم تسويقها عبر وسائل الإعلام، والسعي لدحضّها وتفنيد ادعاءاتها، من خلال رواية عربية فلسطينية واضحة وموحدة. تستغل كافة الوسائل والسبل الإعلامية، المبنية على أحدث وسائل التكنولوجيا.
وعلى مسار ذي صلة، يتوجب التوقف عند لغة الخطاب الإعلامي الإسرائيلي، في مقاربته للأحداث الجارية في الأراضي المحتلة، الحافلة بالعنصرية والعدوانية والتشويه، من وصف مقاومة شعبنا المشروعة بـ»لإرهاب الفلسطيني»، ومن خلال نعت الفلسطينيين «بالمخربين القتلة»، و»المعتدين على المدافعين الإسرائيليين عن حق بلدهم في الحياة»، وفق المزاعم الفاشية الصهيونية. ومن حيث الموضوعية، لا بد من الأخذ بعين الاعتبار عوامل ذاتية فلسطينية وأخرى عربية ودولية، ساعدت على خلق هذا المناخ العربي والدولي المؤسف، ومنها:
أولاً: الانقسام الفلسطيني سياسياً وجغرافياً ووجود سلطتين: الأولى حشرت نفسها في زاوية المفاوضات كخيار استراتيجي وحيد لها، عدا عن إعادة الاعتبار للمقاومة، خاصة المسلحة، وهي النهج الوحيد القادر على إجبار الكيان الصهيوني على الاعتراف بالحقوق الوطنية الفلسطينية.. أما السلطة الأخرى فتعقد هدنة طويلة الأمد مع العدو الصهيوني.
في تقديرنا أن الأسباب الفلسطينية هي العامل الأول الحاسم في تراجع الاهتمام بالقضية الفلسطينية على المستويات المتعددة، فلو كانت الأوضاع الفلسطينية عكس ما هي عليه الآن، تحرر من اتفاقيات أوسلو، مقاومة العدو بالكفاح المسلح، الوحدة الوطنية الفلسطينية قائمة، وتجاوز الانقسام، والتمسك المطلق بالحقوق الوطنية الفلسطينية، وإعادة الاعتبار لمنظمة التحرير الفلسطينية، وفسخ الهدنة الطويلة مع العدو الصهيوني من قبل سلطة حماس. لو كان هذا الوضع الافتراضي قائما، لعاد الألق للمشروع الوطني الفلسطيني. هذا الوضع المفترض، سيشكل بؤرة لاستقطاب العامل القومي الشعبي العربي من المحيط إلى الخليج، وكذلك للقوى الحليفة للشعب الفلسطيني على الساحة الدولية.
في الأسباب العربية يمكن القول: إن الإرهاصات التي تعج بها أكثر من دولة عربية، والحراكات الشعبية العربية الداخلية في هذه الأقطار، استحوذت على معظم انتباه أبناء الأمة العربية من المحيط إلى الخليج، كل هذه الأحداث لا يشك أحد في أصالة حركتها، لكن التآمر الغربي والأمريكي خاصة، أدّى إلى قطف ثمار هذه الحركات بطريقة مغايرة لما أرادته جماهير أمتنا العربية الواحدة، منها. هذه الأحداث ساهمت وإن بشكل غير مباشر في تراجع الاهتمام بالقضية الفلسطينية التي ظلّت لعقود طويلة تحتل المركز الأول في سلّم اهتمامات المواطن العربي. في الأسباب الدولية: إن الموقف الأمريكي المنحاز للعدو الصهيوني، قلباً وقالباً، كما كل الإدارات الأمريكية، هي ناقل أمين لوجهات النظر الإسرائيلية، تمارس الضغوط على الفلسطينيين والعرب من أجل إبداء التنازلات لإسرائيل، والقبول بالتسوية الصهيونية.
حول «مقاومة» شعبنا الجبار على مدى قرن زمني، فإنها في رواية الصديق إبراهيم نصرالله «أرواح كليمنجارو»، مقاومة من نوع آخر، تحكي إصرار بعض أطفالنا على صعود أعلى قمة جبل في أفريقيا، على ارتفاع عشرين ألف قدم، رغم بتر بعض من أطرافهم أو فقء عيونهم، ورغم سيقانهم الاصطناعية، بسبب الاحتلال الفاشي الصهيوني، الذي يصرّ على معادلته النازية، إذا لم يُقتل الفلسطيني فليعش مشوها.
رحلة حقيقية سجلها الروائي على صفحات التاريخ، لتدقّ نواقيس شعوب العالم على حقيقة الإجرام الصهيوني ضد أطفالنا وشعبنا بشكل عام. نورة، يوسف وغسان والطبيبة الإنسانية أروى وآخرون من جنسيات مختلفة يخوضون معركة تسلق الجبل. دليلهم صوول (ومعناها بالتنزانية: روح)، تساعدهم مجموعة من العاملين. يربط الروائي بشكل إنساني ذكي، بين معاناة الصاعدين من ممارسات القمع الاحتلالية، وبين جملة من مصاعب الصعود لأطفال، رغم جراحهم الجسدية والمعنوية، أصروا أن يمضوا إلى القمة، ويلوحوا بعلمنا الفلسطيني الخالد، يزرعونه في قاعدة الجبل الجليدية .
والدة غسان على وشك الولادة.. جاءت سيارة الإسعاف متأخرة بسبب الحواجز الإسرائيلية. تصرخ الأم في السيارة ألما، والجنود يكررون الأسئلة ذاتها على كل حاجز، في تأخير متعمد للمريضة والسيارة. لم يحتمل جنينها البقاء في الداخل أكثر، باغتها وخرج. أصرّ الجنود على إنزال الأم والوليد إلى الخارج، لتفتيش السيارة! أنزلها الممرض. بدأت السماء تمطر بشدة. «موصولا برحمها بحبل السرّة كان وليدها لم يزل. تحركت الأم بصعوبة، يد تقبض على وليدها ويد تقبض على الشرشف المغطى بالدم، لتستر نفسها وتدفئ الصغير». . أمرهم الجندي بالصعود إلى السيارة. عادوا أدراجهم، فالمرور على حاجزين في طريق العودة، أسهل من المرور على عشرات الحواجز المتبقية في الطريق إلى المستشفى. انتبه السائق إلى أن وليدها لم يعد يبكي. مات. هذا نموذج من نماذج أخرى عديدة، يوردها الروائي في حكايات معاناة شعبنا. راح الزمن يتمدد ببطء، ببطء شديد(..) بعد ستة أيام (…) اليافطة تتوسط القمة: تهانينا.. أنت الآن على قمة أوهورو بارتفاع 5895 مترا. «أغمضت نورة عينيها، وقد بدأت تحسّ بأن شيئا ما يحدثُ لساقها المبتورة. بعد قليل تأكّد لها أن ساقها تنمو، تنمو ببطء». نعم صديقي، اتفق معك أنّ: «في كل إنسان قمة عليه أن يصعدها… وإلا بقي في القاع.. مهما صعد من قمم».
٭ كاتب فلسطيني
د. فايز رشيد