بأي لغة رد محمد بكري على منتقديه… ممنوع الاقتراب والتصوير في غزة… ودريد لحام على الحدود

حجم الخط
3

 

في مقابلته مع «راديو شمس»، إذاعة الأقلية العربية في إسرائيل، كما تسمي نفسها، نفى الفنان والمخرج الفلسطيني محمد بكري، متحدثاً للإذاعة من بيروت، تصريحات نقلت عنه تصف إسرائيل بالعنصرية.
بكري أوضح «لم أتحدث عن إسرائيل كدولة عنصرية، تحدثت عن العدو الصهيوني، الحركة الصهيونية، وليس إسرائيل. قلت إن التطبيع مع الحركة الصهيونية خيانة عظمى، ولم أقل إسرائيل».
لم أسمع من قبل بمثل هذه النظرية، هذه التي تمانع التطبيع فقط مع الحركة الصهيونية، ولا تمانع مع إسرائيل.
لا ندري أين تكون الحركة الصهيونية أساساً، وكيف تتجسد. على العموم لم يكن بكري بحاجة إلى توضيح، فلطالما كان واضحاً، ألم يقل ذات مرة لـ «هآرتس»: «إسرائيل ليست مستوطنة. إسرائيل هي دولة صغيرة وجميلة من دون مستوطنات»!
لكن الغريب أن بكري الحنون على إسرائيل كما هو واضح، لم يقصر لحظة في حق أبناء جلدته الذين استنكروا استقباله في بيروت أخيراً بسبب سجله التطبيعي، فأصدروا بياناً يدين.
نقل المذيع لضيفه فحوى البيان، وذكر له اسم بسام الشكعة كواحد من الموقعين، فأجاب بكري «مين هدول يا خوي؟ مين بيكون بسام الشكعة؟ شو محله من الإعراب؟». ولم يتوقف بكري هنا، فتابع يصف الموقعين بالقول «ناس مشبوهين وخونة. اللي بيقول عني خاين أمه خاينة». وصولاً إلى شتائم أخرى من قبيل «عيب عليكو يا بقر… كلاب الزمان».
ورغم وضوح بكري في انحطاط وهزل موقفه تجاه إسرائيل، إلا أنه ليس من السهل تأييد بيان المثقفين الفلسطينيين والأردنيين ضد بكري، أولاً لأنهم يخلطون الأمر، فيرون في مجرد تقديم نص للروائي الراحل إميل حبيبي نوعاً من التطبيع! تصوروا! في عرف هؤلاء، على ما يبدو، يجب مقاطعة كتابات حبيبي حياً وميتاً، وإلا كنا مطبعين! هذا عدا عن أن موقف الموقعين لا ينطلق من موقف أصيل ومبدئي وإحساس حقيقي بالعدل، فالأسماء المعروفة بينهم، هم من أبرز مؤيدي النظام السوري ومجازره بحق شعبه، ولم تهتز لهم شعرة إزاء ما ارتكب.
لكن مشكلتنا مع بكري الآن أبسط من ذلك بكثير، إنها في لغة الحوار. لقد أتيح للرجل أن يقول كلمته في ما جاء من زوابع إثر زيارته البيروتية، لكنه فضّل أن يشتم فقط، والشتيمة غير القول.

شعر على الفضائية السورية

«مساء الوطن الساكن في الوجدان. مساؤكم سوري. ستنساب الأسئلة كالأنهار». بهذه العبارات يقدم المذيع نضال زغبور لضيفه في برنامج «إلى حد ما» على الفضائية السورية. لو لم أشاهدها بنفسي لقلت إنها محاكاة ساخرة أطلقها مهرج.
مع ذلك كيف يفهم المشاهد عبارة «مساؤكم سوري»؟ كيف يكون المساء سورياً؟ بماذا يعد زغبور مشاهديه على وجه الدقة؟ هل من معنى لسوريا اليوم غير البراميل المتفجرة وحواجز التشبيح والتشليح، والمدن المدمرة، والتهجير، والموت تحت التعذيب في السجون؟
حتى سوريا عرائش الياسمين ونوافير الماء ونهر بردى، وسواها من مفردات شعرية، لم تكن سوى نوع من خداع بصري لستر السجون والقمع وانهيار السدود والأراضي التي شققها الجفاف.
لكن لمَ الغرابة، ألم تكن الشاشة السورية هكذا على الدوام! الشعر (الرديء طبعاً) حتى في نشرة الأخبار، رغم البراميل المتفجرة الساقطة على رؤوس الناس.

دريد لحام على الحدود

مفهوم تماماً هذا التناغم بين أقطاب سورية عديدة من صلب النظام لتوعّد اللاجئين والمعارضين إن عادوا إلى «حضن الوطن» (وهذا هو المصطلح الدارج اليوم للتعبير عن إعلان التوبة، أو البراءة من الثورة السورية).
يتحدث بشار الأسد عن سوريا متجانسة بعد تدمير وتهجير، فيتبعه العميد في الحرس الجمهوري عصام زهر الدين لينصح من تسوّل له نفسه العودة إلى البلاد أن لا يعودوا، لأن الدولة إن سامحت فهو لن يسامح، ثم يقول وزير الإعلام السابق مهدي دخل الله إن على التائبين أن يقبلوا أولاً أحذية الجنود على الحواجز قبل أن تُقْبَل توبتهم.
ثم يأتي أخيراً الفنان دريد لحام ليطلق تصريحات بحق زملاء فنانين معارضين «ظن البعض أنه سيعود بعد أشهر راكباً حصان الانتصار كثوري.
أنا كدريد لحام أول معارض للسلطة، ولكن أخجل أن أعلن معارضتي من منصة بلد آخر عربي أو أجنبي، فأنا ضد المعارضة من الخارج، ولذا فأنا لم أبتعد عن سوريا مهما حدث، وقد أعلنت مراراً أن أي فنان سوري معارض إذا أراد العودة لسوريا سأخرج بسيارتي على الحدود لاستقباله والعودة معه إما لبيتي أو للسجن”.
فهمَ الجميع من كلام لحام أن المقصود هو التوعد بالسجن، أما كلمة «بيتي» فهي لمجرد التمويه، أو للذين يقبّلون الأحذية فعلاًَ أو مجازاً.
لحام لم يقف هنا، قال بعالي الصوت «أنا أعلنها أمام الجميع، أنا كسوري لن أقبل أن تعود سوريا لعضوية الجامعة العربية، فيومها سأتخلى عن جواز سفري، فالجامعة التي تشارك في تدمير بلدي لا أقبل أن أنتمي لها”.
هكذا، مع زهر الدين، ودخل الله، ودريد لحام، يصبح البلد آخر تجانس.

ممنوع الاقتراب والتصوير

مصورة من غزة تصور «الحياة الصامتة». هذا عنوان تقرير متلفز بث على «بي بي سي» وهو يتابع «كيف تمكّنت المصوّرة الفوتوغرافية الفلسطينيّة هناء عوض بإمكانات متواضعة تصوير الواقع المعيشي بأدق تفاصيله، من إنطاق ما يحيط بها من مكونات مادية صامتة، فهي تحرك الجمادات، ولا تستثني شيئاً يمكن أن يساعدها في إحياء الصمت، وتحويله لحياة تعرف بفن تصوير الحياة الصامتة».
لم نشاهد شيئاً يذكر من صور الفنانة، هنالك فقط بضع لقطات لها وهي تحاول العمل على بعض الأشياء الجامدة وتكوين الصور منها.
يمكن القول إن غزة لم تكن موجودة في التقرير. لم نر ما تعكسه صور الفنانة من حياة الغزيين، الشوارع والأسواق ووجوه المتعبين والبيوت وأشكال العمارة وحتى لا وجود لصور المزروعات.
ما يخفيه التقرير، وما تخفيه الصور أكثر مما يظهر. نفهم جيداً كيف يكون الحال حين يكون كل شيء ممنوعاً. نعرف تلك اللافتة التي تقول «ممنوع الاقتراب والتصوير». ما يعني: حياة صامتة جداً.

كاتب فلسطيني

بأي لغة رد محمد بكري على منتقديه… ممنوع الاقتراب والتصوير في غزة… ودريد لحام على الحدود

راشد عيسى

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية