الزيف والرياء والنفاق السياسي تجلى في أبشع صوره في الكلمات التي كانت تتدفق من فيه سامنثا باور المندوبة الأمريكية في جلسة مجلس الأمن الدولي لمناقشة المأساة الانسانية التي عاشها ويعيشها أهالي مدينة حلب، أو بالأحرى من تبقى منهم في المدينة.
مأساة حلب الإنسانية ، يتحمل مسؤوليتها كل أطراف الصراع في سوريا..
النظام الذي اختار العنف والبراميل المتفجرة بدلا من الحوار مع شعبه وتلبية مطالبه المشروعة في الحرية والديمقراطية، وحلفاؤه تتقدمهم ايران وروسيا عبر القصف والقتل، وفصائل تسمى جزافا «فصائل الثورة» والثورة منها براء، فصائل تدعمها تركيا ودول عربية ومن ورائها زعيمة العالم الحر الولايات المتحدة ومن لف لفها.
ولا تغيب عن الصورة دولة الاحتلال إسرائيل المستفيد الأكبر من هذا التمزق السياسي والجغرافي والاجتماعي الذي تعيشه سوريا، دولة الاحتلال التي تسعى للاحتفاظ بمرتفعات الجولان المحتلة، وبدأت فعلا في مطالبة العالم، لاسيما الرئيس الامريكي المنتخب دونالد ترامب، بالاعتراف باحتلالها لها. هذه الفصائل التي اخذت من اهالي المدينة المنكوبة رهائن على مدى أسابيع، بل فجرت وهي تردد الله اكبر، حافلات مدنية كانت ستنقل هؤلاء المدنيين من جحيم الحرب وحمم المدافع والصواريخ الروسية وبراميل النظام الى مكان آمن.
وليس في ما اقول تجن على أي من هذه «الدكاكين»، دكاكين تبيع البضاعة نفسها وتتنافس وتتقاتل وتتناحر في ما بينها لصالح اصحابها، لا لصالح الشعب الذي يسدد في النهاية الفواتير. وبالمناسبة توجهت لصديق سوري وهو متشدد في معارضته لنظام الاسد ودعمه لـ»الثورة»، بسؤال، وهو أي من فصائل المعارضة وعددها يزيد عن 175، التي تقاتل نظام الاسد، يؤيد ويدعم، فجاء رده مترددا انه كان يؤيد «المناضلين الذين خاطروا بأنفسهم وحياتهم ومستقبل أسرهم وعائلاتهم وانشقوا عن جيش النظام القاتل»، ويقصد بذلك الجنود والضباط الذين انشقوا عن الجيش السوري وشكلوا الجيش الحر، واستطرد قائلا «لكن هؤلاء جرى احتواؤهم وتخريبهم».
باختصار فإن صاحبنا، وأنا احترم رأيه، لا يريد ان يعترف بما اعترف به ميشيل كيلو الذي كان يحتل موقعا متقدما في «الإئتلاف الوطني الممثل الرسمي للمعارضة». ورفض كيلو في مداخلة هاتفية مع مؤتمر لناشطي اتحاد الديمقراطيين السوريين في استراليا، الذي عقد في الاسبوع الماضي، تسمية المقاتلين بـ»المقاومة». واعتبر أن خطاب «الثوار» «متخلف ومعاد للحرية إلى حد كبير جداً، لا يؤمن بمساواة الناس، لا يملك فكرة العدالة في تاريخه السياسي. يجهل فكرة الدولة والمجتمع». ويذَكّر كيلو بان الشعب ثار «بداية وقبل أن يخطف ثورته المنتفعون والمرتزقة وأمراء الحرب وتجار الدم والزعران وخاطفو النساء» من أجل مبادئ الحرية والعدالة والكرامة الإنسانية، ولكن كما يقول أزيحت جانبا «هذه المبادئ لصالح نهج آخر متخلف عنيف، فدخلت الثورة عندها إلى وضع استحالة الانتصار لامتلاكها مشروعين متناقضين».
نعود الى السيدة باور، فقد أسهبت ومن على أعلى منبر في الامم المتحدة، دون ان يرمش لها جفن، في الحديث عن الاعمال البربرية التي ارتكبت ضد أهالي حلب، ومما لا شك فيه أن مجازر واعمالا بربرية ارتكبت خلال الاسابيع الماضية وما قبلها طبعا، راح ضحيتها الاف الاطفال والنساء والمسنين والمسنات والمرضى. والخلاف ليس مع هذا الكلام وهو كلام حق ارادت به باطلا، ولكن الاستهجان ان يصدر مثل هذا الكلام عن ممثلة دولة قائمة اصلا على جماجم البشر، وتبرر عمليات القتل والذبح التي ارتكبتها وترتكبها إسرائيل، لا سيما في قطاع غزة، وتعتبره دفاعا مبررا عن النفس.
الخلاف مع باور مع تأييد دولتها العظمى آخر احتلال في القرن الواحد والعشرين.. وعذابات الشعب الفلسطيني المتواصلة منذ حوالي سبعين عاما.. ودعم محتليه بأحدث أنواع الأسلحة لمواصلة أعمال القتل والتدمير وتكريس الاحتلال.
وباور هي ممثلة دولة استخدمت حق النقض (الفيتو) في مجلس الأمن79 مرة في تاريخه منها 41 لصالح إسرائيل ومصالحها، و33 ضد مشاريع قرارات لصالح الشعب الفلسطيني المحتل.
وباور هي ممثلة زعيمة «العالم الحر» التي رفضت منح تأشيرة دخول لطفلة فلسطينية. هذه «الدولة العظمى التي تتدخل في شؤون دول العالم أجمع، بحجة الإطاحة بانظمة استبدادية، رفضت طلب تأشيرة دخول للاراضي الامريكية، للطفلة عهد التميمي (15 عاما) من قرية النبي صالح قرب رام الله، وهي الطفلة التي ازدادت شهرتها في الشريط المصور الذي ظهرت فيه وهي تحاول تخليص شقيقها الصغير من بين براثن جندي احتلالي، بعضّ يده ونجحت في ذلك. وكانت عهد مدعوة للمشاركة في حملة في الولايات المتحدة بعنوان «يجب ألا يكون هناك أطفال وراء القضبان/ مقاومة حية» تبدأ في 15 يناير المقبل. زعيمة العالم الحر ترعبها طفلة، تقاوم الاحتلال بالوسائل السلمية، لانها ربما قد تفضح زيفها وازدواجية موقفها في عقر دارها، وتعري طفلها المدلل اسرائيل امام الجماهير الامريكية المُجَهّلة.
وباور هي ممثلة الدولة (العظمى) نفسها التي سلمت سجناء أبرياء بعد11 سبتمبر 2001 والحرب على افغانستان، للنظام الاستبدادي نفسه الذي تتحدث عنه في سوريا، انتهى بهم المطاف الى ما وصفته باور في خطابها بـ «معسكرات الاعتقال» في سوريا حيث اخضعوا لوسائل تعذيب غير تقليدية ليتوصل النظام بالنهاية إلى براءة هؤلاء السجناء (من مقال للصحافي والكاتب البريطاني روبرت فيسك في صحيفة «الاندبندنت»).
باور لم تتذكر وهي تحاول أن تذرف دموع التماسيح، حوالي نصف مليون ضحية من الشعب العراقي (مقال فيسك) الذين حصدت ارواحهم طائرات وصواريخ امريكا وحلفائها في حرب ظالمة. ولم تتحدث باور عن الحرب الطائفية التي اشعلتها دولتها في العراق، ولا عن تمزيقه ولا تسليمه لقمة سائغة لإيران.
باور تذكرت في خطابها حلبجة ورواندا والبوسنة، لكن ذاكرتها خانتها فنسيت المجازر التي ترتكب في اليمن بالسلاح الامريكي والبريطاني. بالمناسبة، الا تمثل باور الدول العظمى التي كانت كما هي دوما السباقة في كل شيء حتى استخدام السلاح النووي ضد الجنس البشري؟
حاولت باور جاهدة إعطاء الانطباع بأنها صادقة في ما تقول، وأنها تحس وتشعر بآلام الشعب السوري الجريح ومآسيه، ولكنها فشلت بامتياز، فلا هي كانت مقتنعة بما كانت تقول ولا من كان يستمع اليها ولا ضحايا حلب وغيرهم من الضحايا في سوريا وفلسطين والعراق وليبيا واليمن.
واختتم بان الشعب السوري بالكامل مهمش ومغيب، مصيره يقرر بعيدا عنه على طاولات عواصم غربية وشرقية وأخرى اقليمية (روسيا وامريكا وتركيا وايران واسرائيل). الشعب السوري مغيب بنظامه وقواه «المعارضة»، يباع ويشترى فيه دون ان يكون له قول أو رأي. وهذا هو وضع العرب اجمعين، فهم مهمشون مهملون ومصائرهم تحسم على «موائد اللئام». وعن الدول نفسها التي زعمت تأييدها للشعب السوري، بينما سعت بكل جهد الى وأد ثورته الحقيقية، ونجحت في حيدها عن طريقها نحو نفق مظلم عبر مجموعات ظلامية جاءت، أو بالأحرى بعثت من كل اصقاع الارض لغرض حرق هذا البلد وتمزيق هذا الشعب الأبي الذي كان دوما الحاضنة الدافئة لكل العرب في أزماتهم، وإذلاله وتدميره تاريخيا وتفتيته جغرافيا وضرب نسيجه الاجتماعي.. حتى لا تقوم له قائمة على المدى المنظور. هذا الشعب الذي لم يحسب عليه انه رد عربيا مستغيثا محتاجا، فاللاجئون الفلسطينيون خير دليل، فلم يعاملوا في بلد بالاحترام والتقدير والمساواة التي عاملهم فيها الشعب السوري.. وكانت أياديه مفتوحة دوما لمن يحتاجه.. احتاجهم الشعب الجزائري خلال حرب الاستقلال، واللبناني خلال حربه الأهلية، والعراقي خلال نظام صدام ومن بعده الاحتلال الامريكي واليمني وغيرهم.. فردوا له ولو جزءا بسيطا من الجميل.
كاتب فلسطيني من أسرة «القدس العربي»
علي الصالح