مضى على توقف نوادي السينما بهيئة قصور الثقافة المصرية أكثر من عامين. ولمن لا يعرف طبيعة نوادي السينما ودورها نقول إنها نافذة التثقيف السينمائي الوحيدة لجمهور الأقاليم والتي أغلقت بقرار من وزير الثقافة السابق حلمي النمنم بدعوى التجديد والتطوير ولا تزال مغلقة. وقد شمل قرار النمنم في حينه أيضاً إغلاق قصر السينما بجاردن سيتي وهو المبنى الأثري العتيق والرائد في عرض الأفلام وإقامة الندوات والاحتفالات واستقطاب المبدعين والمبدعات من كل حدب وصوب.
لقد عجلت وزارة الثقافة بإجراءات توقف الأنشطة على المستويين، القاهرة والأقاليم على حد سواء، وبالضرورة تبعها إغلاق الإصدارات السينمائية، فصارت الساحة الفنية صحراء جدباء لا أثر فيها لثقافة نوعية تدفع بقاطرة التنمية السينمائية إلى الأمام فتخفف من الإحساس العام لدى المهتمين بالسينما بالإهمال والإقصاء وهي إشكالية طالما طرحت في كثير من المؤتمرات والندوات داخل العاصمة وخارجها. وكان ضرورياً أن تأتي المعالجة سريعة وفورية لتدارك الأزمات المترتبة على ضعف المستوى الثقافي لدى الشباب وجهلهم بأهمية السينما كرافد إبداعي مؤثر شعبياً وجماهيرياً وطارحاً للكثير من القضايا الحيوية التي تمس الجمهور بشكل مباشر. لكن الرياح جاءت بما لا تشتهي السفن وشرعت الأجهزة التنفيذية في تفعيل قرار الوزير السابق ومن ثم تجميد نشاط نوادي السينما بالأقاليم وأغلق القصر المنيف ونقلت الإدارة العامة للسينما من مقرها التاريخي بجاردن سيتي، حيث كانت تشغل الدور الأول من قصر السينما ونفي العاملين بها إلى قاعة منف الخاصة بالنشاط المسرحي فاختلط الحابل بالنابل وصارت المسألة «سمك لبن تمر هندي» كما يقول المثل الشائع!
ولم يتبق من نشاطات السينما الرسمية لوزارة الثقافة غير نزر يسير من محاولات يائسة تقوم بها الجمعيات الثقافية التي تمثل فرعاً من فروع الثقافة الجماهيرية الشعبية المنوط بها حماية حق المواطن البسيط في المشاهدة المجانية للأفلام السينمائية. والحق يقال إن الجمعيات تؤدي دورها في حدود إمكانيات فقيرة للغاية لا تفي بالغرض ولا تحقق الحد الأدنى من المطلوب، ولهذا فهي غير قادرة على تغطية النشاط الثقافي والسينمائي في كل المحافظات ولا تمثل سوى عنوان ضعيف المعنى والدلالة لنهضة ثقافية وإبداعية مفتقده.
ولخطة إغلاق نوادي السينما بالمحافظات مبررات واهية لدى وزارة الثقافة مفادها تقليص النفقات وترشيد الميزانيات. وفي الحقيقة أنها مبررات ساذجة ومخجلة لأن الترشيد المالي له أوجه كثيرة وطرق متعددة ولا يصح أن يكون على حساب الوعي العام للمواطن وهي نقطة أساسية في حسابات البناء الثقافي والتوعوي، غير أن ما تهدره وزارة الثقافة جراء دعم المهرجانات الدولية والمحلية بدون تحقيق نتائج ملموسة على أرض الواقع يكفي لإعادة تشغيل كل القطاعات الثقافية على مستوى الجمهورية ويزيد، ثم أن الأمر لا يستقيم في ظل وجود أزمة حقيقية تهدد دور العرض بالانهيار الكامل، لاسيما وأن هناك العشرات، إن لم يكن المئات، من دور السينما المهدمة والمعطلة وهي الأولى بالعناية والرعاية وتحتاج لقرارات جريئة وحاسمة لإعادة بنائها وترميمها وتشغيلها في ضوء خطة شاملة وموسعة لإنقاذ صناعة السينما التي باتت متأخرة للغاية بعدما كانت في مقدمة الصناعات الرئيسية والأساسية.
ولابد من إدراك حقيقة أن أي محاولة لمعالجة قضية السينما المصرية خارج هذا الإطار هو ضرب من الأوهام وإهدار للمال العام، حيث النهوض الثقافي له معطيات وشروط تأتي في آخرها عملية تنظيم المهرجانات والمسابقات بعد حل كل المشكلات والمعضلات والتغلب على جميع أسباب الإعاقة التنموية والفكرية والتنفيذية، ومن غير ذلك لن تقوم للثقافة المصرية قائمة ولو نظموا في السنة ألف مهرجان.
٭ كاتب من مصر
كمال القاضي