على متن الطائرة جلس مسافران عربيان قبالة مسافرين أمريكيين، كانا يراقبان طريقة حديثهما وهيأتهما الملتحية، وبشرتهما السمراء، بذعر وانشداه، فعما كانا يتحدثان يا ترى؟! منذ الحادي عشر من سبتمبر/أيلول ونحن مثيرون للشبهات، فما أن يجتمع عربي مسلم أو باكستاني مع أي غربي في مكان مغلق كالمصعد الكهربائي أو أماكن قضاء الحاجة أو الطائرة حتى ترى الغربي وقد ضاق نفسه وجحظت عيناه وتصبب عرقه، وشارف على الإرتماء بأحضان عزرائيل كي يتخلص من حزام ناسف أو عملية إرهابية يَفترض أن المسلم مقدم عليها لا محالة ! وهذا ما حدث مع أصحابنا في الطائرة، فالعربيان كانا يتحدثان بلغة عربية مطعمة بعبارات أجنبية عن سيارت الرالي، فما أن وصلا للبورش 11/9، حتى اهتزت الطائرة فانتفض المسافران الأمريكيان وهمّا بالقفز منها لينقطع المشهد وتنتقل الكاميرا إلى الاستديو على وقع قهقهات الجمهور الغارق بشر البلية ! جاء هذا المقطع توظيفا لموضوع الحلقة التي تحتفي بفيلم (الديكتاتور) لساشا بارون كوهين المتخصص بالسخرية من المسلمين منذ فيلمه في أفغانستان ثم «البرونو» وأخيرا هذا «الطاغية» ! إنه برنامج جون ستيوارت«ذا دايلي شو»، الذي استنسخ عربيا وعلى مراحل زمنية وفي عدة أطباق فضائية، آخرها برنامج «خليها علينا» الذي تبثه قناة «أم بي سي» وتقدمه الإعلامية والمغنية أروى، مساء كل إثنين، وقد تفوقت فيه على كل برامج «التوك شو» بثقل الظل والإفيهات المفتعلة والملقنة من الأوتوكيو، كمن يلقي خطبة بهلوانية، وهو ما يخالف التلقائية وتوظيف المادة توظيفا كوميديا مترابطا يجذب الجمهور بأداء مرن وحس فكاهي وسرعة بديهة لا تُسقط المشهد في حفرة انهدام إعلامية تصيبه بكسور من الدرجة الثالثة في جمجمة الكاميرا، خاصة لما تجد أن الجمهور في الاستديو متواطئ مع هذا السقوط، إلى درجة المهزلة، كأنه تقاضى أجرا على وظيفة مستحدثة هي الضحك من غير سبب ! المشكلة الحقيقية في «خليها علينا»، ليست فقط بالافتعال، وإنما باستنساخ النسخ وليس الأصل، لأن البرنامج نسخة مشوهة عن «هيدا حكي» الذي يقدمه عادل كرم وتبثه «أم تي في»، مساء كل ثلاثاء، ويبرع فيه بأدائه الساخر والتهكمي على كل ما يقع تحت يديه من مواقف سياسية وفنية و»فيسبوكية» أو مقتبسة من «اليوتيوب» وغيرها من مواقع التواصل، مستعينا برئيس فرقته»شادي» إذ يضفي مزيدا من خفة الدم ببعض التعليقات أو الفقرات الموسيقية التي تخدم الموقف، وهو ما لا نجده عند أندريه في «خليها علينا»، حيث يتقمص الدور بشكل مستفز، مطلقا ضحكات رنانة تؤذي الأذن، وتصيب المشاهد بدوار البحر، وتقتحم اللقطة بفظاظة ورعونة ! حين يكون الضحك رخيصا إلى هذا الحد، تجاريا، خاليا من المضمون الإمتاعي أو النقدي، فهذا يعني أن الصحن الفضائي لا يثير الشهية بقدر ما يستغل فلسفة الضحك للإيقاع بالمشاهد واستدراجه لارتكاب جريمة إعلامية كبرى قوامها التسلية بالفراغ، والإدمان على الملهاة السطحية والاستغراق بها لينشغل عن مآسيه الفائضة عن حاجته للترفيه، فيصاب بكرشة نفس على طريقة (الواد سيد الشغال) «تخليه عايز يرجع» ويلتقط أشعة فوق المحشية تكشف عن تشوه في التشخيص! كنا نتمنى أن نرى إعلامية تخترق احتكار الرجل لهذه البرامج، بأسلوب مشرف، وللأسف لا نرى سوى انحدار بالمرأة إلى حضيض جديد على يد المرأة نفسها، وأتحدث هنا بكامل ذكورتي ! حال جمهور أروى وهي تنطنط وتتوسل التلميع كالورنيش، وتقفز بين المواقف المتفككة على وقع ضحكات الطرشان، كحال الزوجة التي ظنت زوجها أكثر المؤتمنين على أسرارها، لتكتشف الولية المسكينة أن الأمر لا يتعلق بحفظ السر إنما بعدم إصغاء الزوج لثرثراتها من أصلو! أو ربما كحال آخر»خم نوم» لم تجد زوجته سبيلا لإيقاظه سوى بصفعه، وحين يستيقظ مرعوبا تأخذه بالأحضان وهي تسأله: أوه يا عزيزي، هل عاودك الكابوس نفسه! ولن أزيد كي أعود إلى عش الزوجية بسلام ولا أضطر للمبيت في صحن فضائي من فئة النجمتين! شاكيرا ومرسي وجنحة الشرف حين تتعامل مع فضائيات لها وجهان لا بد أن تحتار أي الوجهين ستصفع أولا؟! في برنامج «أسرار تحت الكوبري» الذي تبثه «قناة القاهرة والناس» ويقدمه الإعلامي اللبناني طوني خليفة، كانت الصاعقة التي زلزلت معايير الحشمة والحياء باستضافة راقصة مصرية تنتحل اسم شاكيرا، ومؤخرة ابن خلدونها، فيا أيها المشاهد: اربط الحزام، لأن الآتي أعظم، والحوار ساخن يسيل له لعاب الكاميرا، ويسيح من حرارته طابور من الشباب العربي الذي يتعاطى الكليبات الفاضحة ومشاهد «البورنو» في العوالم الافتراضية ودكاكين الفضائيات التي تروج للرذيلة ببلاش وعلى عينك يا تاجر، وهنا لا بد أن تجد عذرا لمكتبة الكونغرس الأمريكية التي احتفظت بفيلم (كاباريه 1972 ) لليزا مانيللي واعتبرته أفضل عمل لمئة عام، فالفيلم – على فحشه – أشرف من أطباق النوادي الليلية في فضائنا الكاباريهاتي ! إنهم يعومون المفهوم، ليصبح الفن شماعة تعلق عليها الراقصات وبنات الليل نزواتهن الشهوانية، والتي تبتعد عن مفهوم الجمال المطلق عند أفلاطون ولا تقترب حتى من الإنجازات الحيوانية المتسمة بالدقة ولا يعتبرها «كانط» فنا ما دامت تفتقر للوعي والذوق والنشاط الحر وتسعى للارتزاق باللذة الحسية الاستهلاكية التي لا يبقى منها سوى ما تثير من هرش في المناطق الحساسة ! هناك فرق شاسع بين اللذة الجمالية السامية وبين الغرائز البهائمية، أو المنشطات الجنسية المزيفة التي لا تحترم عقل المشاهد ولا أحاسيسه بقدر ما تحتقرها وتستغلها! شاكيرا فتاة مصرية حاصلة على ليسانس آداب «لغات»، انضمت إلى فرقة رضا والفنون الشعبية، ثم إلى المودرن دانس، لتنتقل بعدها إلى الصحون الفضائية بكليب اسمه معرفش أدق الكمون ! أحمد السماحي الناقد الصحافي ضيف طوني خليفة تحدث عن الابتذال وعن الفلكلور الجنسي الذي تعاد صياغته من غير هدوم، ورفض مقارنة شاكيرا لنفسها بالدكتورة فريدة فهمي الراقصة في فرقة رضا، لأن شاكيرا كانت لا ترقص إنما تحسس على العورات كالمنحرفات حسب تعبيره متهما إياها بانتحال شاكيرا الكولومبية التي لو علمت بهذا الإستنساخ المشوه لإسمها لقاضتها عليه، محيلا سبب العنوسة والطلاق حسب إحصاءات الجهاز المركزي للتعبئة لعام 2010 إلى هذا النوع من الفيديو كليبات التي غزت بيوتنا واقتحمتها دون مراعاة شرقيتنا ومستقبل أجيالنا وبراءة أطفالنا وقد أصبحوا عرضة للامتهان الأخلاقي الواطئ ! ولما أنكرت كل هذا سألها خليفة: هل تعرضت للتحرش أو تلقيت دعوة لحفلات خاصة ؟ في محاولة منه لاستدراجها إلى إجابة يثبت بها أن ما تقوم به مدعاة لإيقاع الضرر بها وليس فقط بالمجتمع، ولكنها بعد أن ترددت بالإجابة استدركت بالنفي، خليفة رأى موهبتها في تعابير وجهها ونصحها بتوظيفها بما يخدم وجهها أكثر من أعضاء جسمها الأخرى، لتتهم بدورها المشاهد بسوء التلقي وخبث النية، التي لا ترى فيها سوى قطعة لحم، فأين المصيبة؟ الكارثة الحقيقية هي المشاهد والناقد معا، فالسماحي الذي اعترض على أغنية «أحيه» لشاكيرا، باعتبارها عيبا، لم يستطع إنقاذ نفسه من سؤال طوني: «لماذا لم نجد أحدكم يعترض على أغنية باسم يوسف «أحيه» التي سخر بها من مرسي والإخوان، ونراكم الآن – تنتفضون شرفا – باسم العيب)! السماحي: ما اسمعتهاش! ولن أعتذر عن إقحام مظفر النواب بسؤال خليفة! متى يكون العيب مسموحا ومغفورا له إذن؟ ومتى يكون محرما ومغضوبا عليه ؟ هل يتعلق الأمر بذكورية المجتمع أم بنسوية الخطيئة؟! أم أنه يُسمح (للأحيه) أن تعزل مرسي وتتوج شاكيرا بانقلاب أخلاقي في سوق البهار والفلفل الحار؟ أيهما أرخص يا إولاد الإيه؟! حين تنتقل هيفاء وهبي من رتبة أغاني المعيز والخراف إلى رتبة نجمة النجوم وتصبح مدرسة تتخرج منها عشرات القنابل العنقودية الإباحية، من عليك أن تلوم؟ أليس المشاهد شريكا بالجريمة؟! إنها جنحة شرف إعلامية، يرتكبها الجميع بذات القدر من الإجرام، ولا أستثني أحدا، خاصة حين ترى ليليان داوود تتعرض لحملة شرسة تطالبها بالرحيل عن مصر بتهمة الإساءة لسيادتها والتحريض ضدها، بسبب تويتة انتصرت بها لكرامة المصريين وثورتهم على الجلاد، بينما تترامى الملايين تحت أقدام غازية تهز عرش السماء بالساقط والهشك بشك. كاتبة فلسطينية تقيم في لندن لينا أبو بكر