أصر صلاح عبد السلام على محدودية دوره في هجمات باريس، فالشاب الذي وصف بالعقل المدبر يدعي أن دوره اقتصر على استئجار السيارات وحجز الغرف الفندقية، بناء على طلب من شقيقه إبراهيم.
والمرجح أن يكون صلاح صادقاً في أقواله، فإن يكون العقل المدبر لعملية بحجم باريس مجرد شاب في العشرينيات من العمر أمر غير منطقي، ويعكس رغبة في تحقيق نجاحات أمنية سريعة على حساب التفكيك لبنية متكاملة أصبحت «داعش» تشكلها في أوروبا، وتحرياً للدقة ورثتها «داعش» في أوروبا. لعبة البازل معقدة وتتطلب عدة شروط في الأشخاص الذين تستهويهم فكرة تجميع الصورة الكبرى من مئات القطع الصغيرة، الذكاء ضروري، ولكن المخيلة والصبر عنصران مهمان للغاية في هذه اللعبة، وربما كان على رجال الأمن أن يختبروا أنفسهم في هذه اللعبة، مع أن ذلك يبدو صعباً في عصر الألعاب الإلكترونية التي تهيمن على العالم، الكثير من الإثارة ولكن القليل جداً من التفكير، جرعات عالية من الانفعال تغيب وراءها إدراك طبيعة التصنع في اللعبة واضطراب الشروط الواقعية فيها.
بهذه الطريقة تعاملت الشرطة البلجيكية مع التحديات الأمنية، التي تمثلت في وجود متورطين بهجمات باريس على أراضيها، وجرى تصوير اعتقال عبد السلام على أساس أنه انتصار حاسم، فالقصة تتطلب القبض على العقل المدبر وزعيم العصابة، ومع أنه يفترض أن تكون درجة التأهب بعد هذه الخطوة في أعلى درجاتها، إلا أن الهجمات بينت وجود خلل كبير في العقلية الأمنية الأوروبية.
الهجمات في بروكسل أتت في صورتها العامة رداً على اعتقال عبد السلام، ولكن بكثير من التأمل، لا يمكن أن يمثل ذلك الشاب أي قيمة تذكر بالنسبة لـ»داعش»، والمرجح أن تكون الهجمات أتت بوصفها قفزة للأمام خوفاً من التوصل لخيوط تطال أشخاصاً آخرين لهم وزن ودور تنظيمي يفوق عبد السلام، بمعنى أن الضربة أتت لشعور الخلايا النائمة في بروكسل بإمكانية دخول الأمن للعالم المظلم لشبكات المتطرفين.
يجب الفصل بين المتطرفين والعصابات الإرهابية من ناحية، وبين مجتمعات المهمشين من ناحية أخرى، صحيح أن الغيتوهات الجديدة التي تزنر بعضاً من المدن الأوروبية أصبحت تشكل حاضنة لوجود الإرهابيين، ولكن الأغلبية من سكانها لا يمكن وصفهم بالنزعة الإرهابية، وفي ثورة الضواحي في باريس 2005 لم تنجح القوى الأمنية في ايجاد روابط بين المتطرفين وآلاف الشباب الغاضبين، الذين وضعوا فرنسا على حافة حرب أهلية، كما تخوفت الولايات المتحدة وغيرها من الحلفاء، والمشكلة أن من يدفع الثمن هو الفئات التي استطاعت أن تتقدم اجتماعياً في أوروبا، بناء على مواهبها الشخصية وجهودها الكثيرة، واللاجئين الذين وجدوا أنفسهم يواجهون الاشتباه بالإرهاب مع أنهم ذاقوا الأمرين من أجل الهروب منه، فالملامح السمراء الشرق ـ أوسطية ستتحول إلى عنصرية مبطنة وخجولة، ولكنها في العمق مخيفة ومتوطدة.
«داعش» ورثت العلامة التجارية لـ»القاعدة»، والمروجون للفكر المتطرف وجودوا في «داعش: حلماً جديداً بخلافة إسلامية يروجونه بين الشباب التائه والهائم بأحلامه المجهضة وإحباطاته المتراكمة، والمروجون ليسوا أبناء أصلاء للمجتمع والمسلم في أوروبا، ذلك يفقدهم الطابع التبشيري وينزع المسحة المستعارة لفكرة النبوة التي يحملونها للشباب الذي نشأ في أوروبا وداخلته أزمة الهوية، فالقادم يحمل هوية أحادية وجذرية، وبذلك يتسلط على المشتتين في هويتهم ويضع نفسهم مرجعاً لهم، والأجهزة الأمنية الأوروبية تعاملت بصلف كبير مع هؤلاء المبشرين واعتبرتهم أصحاب مظلومية، وليس بعيداً المواقف البريطانية المتعنتة من تسليم أبو قتادة للأردن التي طالبت بتسليمه لسنوات عدة لمحاكمته في قضايا تتعلق بأعمال إرهابية، وكذلك فعلت بريطانيا مع أبو حمزة المصري، الذي رفضت تسليمه للمحاكمة في اليمن بحجة ضمانات المحاكمة العادلة. هل يمكن أن يعبر ذلك عن استعلاء أوروبي؟ بالطبع توجد ملاحظات كثيرة وخطيرة على ضمانات المحاكمة العادلة في الدول العربية، وحتى في باكستان وغيرها من الدول التي تشهد وجوداً للجماعات الإرهابية، ولكن هذه الملاحظات يجب ألا تمثل عائقاً أمام الاستماع لخبرات سابقة ومهمة في التعامل مع التهديدات الإرهابية، فالعولمة وضعت فرصاً مهمة أمام الإرهابيين، فلم يعد ممكناً اليوم محاصرتهم في زراعات القصب بالصعيد أو جبال تورا بورا في أفغانستان، فالتواصل الذي كان يتطلب إمكانيات هائلة سابقاً، أصبح اليوم فضاء مفتوحاً لا يمكن لأحد أن يحاصره أو يسيطر عليه.
العقول المدبرة ليست متاحة بهذه السهولة، وربما كانت غالبيتها غير ملتحية ولا ترتدي الزي التقليدي، كما أنها أتت من ظروف مختلفة عن الأخوين عبد السلام، فابن لادن أتى من أسرة ثرية ومتنفذة، وأيمن الظواهري طبيب عيون من أسرتين عريقتين، والعقول المدبرة تمتلك أصلاً الفرصة أن تكون بديلاً للأنظمة القائمة، وتسعى وتطمح لذلك، أما الشباب الضائع في أوروبا فهم مجرد وقود لشهوة السلطة وطموحاتها، وغواية تحقيق النجاح من خلال نسبة التخطيط والتدبير لشاب محدود الموهبة ومتواضع النشأة مثل صلاح عبد السلام، يدلل على وجود مشكلة في العقلية الأمنية الأوروبية، ومن ورائها العقلية السياسية، والمشكلة تكتمل مع العقلية الأكاديمية والفكرية التي ترى مشكلتي «الشرق والغرب» من منظور الاستشراق والنقد الثقافي، و»الشمال والجنوب» من منظور الأنثروبولوجيا والتنمية المستدامة، مع أن جميع هذه المشكلات معقدة ومتشابكة ومتحركة بصورة لا يمكن معها الارتياح لأي نتائج أو خلاصات. أوروبا أيضاً لم تواجه مشكلة الاندماج بشجاعة، وكان الحديث عن التنوع الثقافي بديلاً سهلاً للهروب من استحقاقات وصعوبة تحقيق الاندماج، والتنوع الثقافي ممكن في مدن ذات طبيعة كوزموبوليتانية وظيفية، مدن تجارية يستشعر الجميع بأنهم عابرون فيها، دبي مثلاً، ولكن ما يحدث في لندن أو باريس هو وجود فئات قلقة تحتاج إلى قدر كبير من الاندماج، ومساحة من التنوع، ولكن القصة ليست في أن يتحول البيكاديلي أو الشانزليزيه إلى معرض للأزياء التراثية وفلكلور الشعوب، القصة في وجود إيمان حقيقي بأن وجود الجاليات هو دائم ومستمر ومستقر، وأن تخريب السفينة سيؤدي إلى غرقهم معها.
الكثير من المدن الأوروبية على خريطة الاستهداف من «داعش»، أو وكلائها المحليين، والتعامل الأمني الأوروبي يواجه العديد من التحديات من أهمها طبيعة منطقة «الشينغن» التي تتيح سهولة في التحرك وإعاة التمركز، بالإضافة إلى التركيز على قوات الشرطة الأوروبية التي لا تمتلك خبرة واسعة في مجال التتبع للعناصر الإرهابية، وربما على الأوروبيين أن يجلسوا بكثير من الانفتاح، وخارج الأطر التقليدية مع ممثلي بعض الأجهزة الأمنية العربية، فلعبة «البازل» يمكن أن تكتمل مهما استغرقت من وقت، ولكن ذلك يتطلب شرطاً أساسياً وهو وجود جميع القطع الصغيرة، أما في حالة ضياعها فالصورة لن تكتمل، وبعض قطع البازل المهمة موجودة في أماكن أخرى خارج القارة الأوروبية بأسرها، والحصول عليها يتطلب بعضاً من التنازلات، أو على الأقل التسويات والتفاهمات.
٭ كاتب أردني
سامح المحاريق