تباين التصريحات حول حقيقة المكالمة الهاتفية بين الرئيسين الأمريكي والتركي، الأربعاء الماضي، يعكس بشكل كبير أن العلاقات بين واشنطن وأنقرة ليست على ما يرام الأمر الذي دفع مصادر رسمية تركية إلى تصحيح ما جاء في بيان البيت الأبيض. وقالت مصادر في الرئاسة التركية إن: «الولايات المتحدة لم تطلع الرأي العام بدقة على فحوى الاتصال، وأنها أطلعت الصحافة على مواضيع لم يجر التطرق إليها خلال المحادثة».
وجاء في بيان البيت الأبيض أن «ترامب أعرب عن قلقه من أن العنف المتصاعد في عفرين ينطوي على خطر الإضرار بأهدافنا المشتركة في سوريا»، وهو ما نفته المصادر التركية الرسمية لـ «وكالة الأناضول»، مضيفة أن ترامب لم يتحدث أبدا عن «قلق إزاء العنف المتصاعد» بخصوص عملية «غصن الزيتون» في عفرين السورية.
وأضافت المصادر أن مناقشة الرئيسين للعملية اقتصرت على تبادل وجهات النظر فحسب، ونفت استخدام عبارة «الخطابات الهدامة والخاطئة الواردة من تركيا» التي ذكرها بيان البيت الأبيض تعليقا على المكالمة، وأكدت أيضا أنهما لم يتطرقا إلى حالة الطوارئ في تركيا على الإطلاق. لكنها أكدت طلب ترامب من أردوغان «إطلاق سراح مواطنين أمريكيين موقوفين»، وهو ما اعتبره الرئيس التركي من «اختصاص عمل القضاء».
كما شدد بيان البيت الأبيض على ضرورة ضبط عملية «غصن الزيتون» بوقت محدد، مع الإشارة إلى الوجود العسكري الأمريكي في منبج، والدعوة إلى أخذ الحيطة لمنع احتمال وقوع اشتباكات ساخنة هناك. في حين أشارت المصادر التركية إلى أنه «جرى التشديد خلال المحادثة على ضرورة انسحاب إرهابيي ب ي د من منبج إلى شرقي نهر الفرات وفقا لما تم الاتفاق عليه من قبل، وعند انسحابها ستتم حماية المدينة من أي تهديد محتمل لتنظيم «الدولة الإسلامية» (داعش) من خلال الجيش السوري الحر بدعم عسكري تركي».
كما لم يتطرق الجانب الأمريكي في بيانه إلى تشديد أردوغان، خلال المحادثة، على ضرورة وقف واشنطن دعمها لتنظيم «ب ي د / ي ب ك الإرهابي» في سوريا، حسب وكالة الأناضول.
تضارب التصريحات يظهر بشكل جلي أن العلاقات التركية – الأمريكية أصبحت في أسوأ لحظاتها منذ قررت أمريكا اعتماد «وحدات حماية الشعب»، الجناح العسكري لحزب الاتحاد الديمقراطي الكردي، والذي تعتبره تركيا الذراع السوري لحزب العمال الكردستاني. ولعل التفاهم التركي الروسي شمال سوريا يزيد من الحساسية الأمريكية تجاه تركيا ويساعد في تدهور تلك العلاقة.
العملية العسكرية المستمرة في عفرين والتي بدأت في 20 كانون الثاني (يناير) الجاري بدأت من ستة محاور من الأراضي التركية، ولعل السمة الأبرز لتلك العملية هي الحذر التركي الواضح. فالجيش التركي، الذي يعتبر ثاني أكبر جيوش الناتو يتقدم بهدوء ودقة لتأمين شريطه الحدودي مع عفرين السورية، ويركز قصفه الجوي في محاولة تخفيف الأخطاء المحتملة ضد المدنيين حيث تكتظ عفرين بآلاف الأسر السورية النازحة من مناطق سورية عدة. ويساعد القوات التركية المهاجمة امتلاكها تقنيات متطورة تستطيع من خلالها تجنب الأهداف المدنية، حيث تستخدم القوات الجوية طائرات الاستطلاع المتطورة من طراز فانتوم-4-RF وتايغر-5-RF إضافة الى الطائرات المسيرة الأحدث.
في سياق متصل، وتعليقا على العمليات العسكرية في عفرين، قال رئيس المركز الكردي للدراسات، نواف خليل، في تصريح لـ»القدس العربي»: «إن الجيش التركي القوي بالتأكيد يلاقي مقاومة كبيرة، ولو استطاعوا الدخول إلى عفرين التي تبلغ مساحة منطقتها أقل من أربعة آلاف كيلو متر لفعلوا، كما حصل مع قوات الحشد الشعبي في إقليم كردستان العراق». وانتقد مشاركة بعض فصائل الجيش الحر في معركة عفرين مع الجيش التركي، قائلاً: «كان من الأجدى مشاركتهم في صد قوات النظام المتقدمة في حماة وإدلب وريف حلب الجنوبي بدل الهجوم على عفرين»، معتبرا أنهم «فقدوا البوصلة».
إلى ذلك أصدر المركز الإعلامي في قوات سوريا الديمقراطية، «قسد»، تقييما للعملية العسكرية التركية في عفرين اعترف خلاله بمقتل 43 من مقاتليه، بينهم ثماني مقاتلات من «وحدات حماية المرأة»، إضافة الى مقتل 59 مدنيا في القصف المدفعي والجوي. وأحصى 699 قذيفة مدفعية ونحو 191 طلعة جوية، وحدد 136 اشتباكا مباشرا في محاور تقدم الجيش التركي.
وقال المركز في تقييمه إنه «بالرغم من أن تركيا دفعت بكل إمكاناتها العسكرية والتقنية مستخدمة أسلحة حلف شمال الأطلسي (الناتو) والدبابات الألمانية، إلا أنها عجزت عن تحقيق نصر عسكري حقيقي على الأرض، وتكبدت خسارة فادحة في العدة والعتاد». إلا أن وزارة الصحة التركية أعلنت عن مقتل ثلاثة من جنودها، فيما أعلنت فصائل درع الفرات عن مقتل نحو 13 مقاتلا بينهم قيادي في لواء سمرقند.
العملية العسكرية التركية مازالت في بدايتها، ومع عدم حسم عسكري قريب فيها يرجح خيار الحل السياسي، حسب ما أبلغ التحالف الدولي الذي يدعم «قسد» سابقا حيث تنسحب عناصر وحدات حماية الشعب منها إلى شرق نهر الفرات وتبقى المنطقة تحت حكم محلي وشرطة محلية تتبع لحكومة النظام السوري. وهي الصيغة التي تفضلها روسيا أيضا، وكانت قد طرحتها سابقا في منطقة ريف حمص الشمالي التي تسيطر عليها المعارضة.
سير المعارك ومحاور الهجوم يدلل على أن تركيا تريد تأمين حدودها وإبعاد الوحدات عنها، ولا ترغب في الدخول إلى عمق منطقة عفرين. الحذر التركي مرده رغبة أنقرة في ألا يكون التدخل لمصلحة روسية ـ إيرانية ضد أمريكا.
منهل باريش