الخرطوم ـ «القدس العربي»: بعد خمس سنوات من انفصال دولة جنوب السودان عن السودان بدت الحاجة واضحة لإعادة العلاقات بين الدولتين خاصة في المجال الاقتصادي، حيث وقع ضرر بالغ على الطرفين وتدهورت الأحوال بشكل مريع سواء في جوبا أو الخرطوم.
وتعاني الحكومة السودانية، من صعوبات اقتصادية بالغة منذ فقده لمورد النفط الذي تقع معظم حقوله في الجنوب، الأمر الذي جعلها تحرّر سعر الوقود وسعر العملة المحلية مقابل الدولار. وزادت الحكومة السودانية مؤخرا أسعار الوقود بنسبة 30٪ ليصبح سعر اللتر من البنزين للمستهلك 6.17 جنيه، واللتر من الغازولين للمستهلك 4.11 جنيه، وأصبح سعر غالون الكيروسين 18.5 جنيه، وأدى كل ذلك لاشتعال الأسعار.
أما دولة الجنوب فقد اندلعت فيها حروب قضت على الأخضر واليابس. وفي الشهر الماضي أعلنت الأمم المتحدة أن عدم الاستقرار في جنوب السودان يهدد المنطقة بأسرها، وأكدت أن الحرب الأهلية المستعرة في جنوب السودان أدت إلى مقتل عشرات الآف من المدنيين، وتدمير الاقتصاد والنسيج الاجتماعي، وتشريد الملايين، وتفشي الجوع والفقر.
وتتأرجح العلاقات بين دولتي السودان وجنوب السودان وفقا للتداعيات السياسية، ولم تخلُ العلاقة بينهما من اتهامات بإيواء مسلحين معارضين، وتتهم الحكومة السودانية سلفاكير بإيواء حركات دارفور، والحركة الشعبية شمال، وفي المقابل تتهم حكومة الجنوب، الخرطوم بإيواء ودعم متمرديها وعلى رأسهم رياك مشار الذي أصبح نائبا لسلفاكير ثم عزله بعد الأحداث التي شهدتها جوبا العام الماضي وعيّن تعبان دينق بدلا عنه.
واستشعرت جوبا خطورة الموقف، وكان السودان أول زيارة لتعبان وأكد فيها أن بلاده حريصة على استقرار السودان، وشدد على عدم سماحهم بانطلاق أي أعمال عدائية من الجنوب، وأشار إلى أنه وجّه وزارة الدفاع في حكومة جنوب السودان بحسم القضايا الأمنية فورا، واضاف أن لقاءه بالبشير أكد على المضي قدما في عمل مشترك يهدف لدعم الأمن والاستقرار بين البلدين وإعادة الأوضاع لطبيعتها في الجنوب وتعزيز العلاقات الثنائية.
الجهود بين الدولتين لم تتوقّف منذ استقلال دولة جنوب السودان لتطبيع العلاقات وفي 18 أيلول/سبتمبر 2011 وقّع السودان وجنوب السودان اتفاقا بشأن أمن الحدود. وتم الاتفاق على إنشاء عشرة معابر حدودية داخل منطقة منزوعة السلاح على جانبي الحدود، لكن هذا الاتفاق لم ينفذ.
وشهدت العاصمة الأثيوبية أديس أببا في عام 2012 توقيع اتفاق بين البلدين اشتمل على تسعة بنود، لكن تم تنفيذ بند واحد فقط بخصوص النفط، وأدّى تعثر تنفيذ الترتيبات الأمنية لعدم تنفيذ بقية البنود، وساهم اندلاع النزاع بين الفرقاء الجنوبيين في عام 2013 في تجميد كل تلك الاتفاقات.
ووقعت دولتا السودان وجنوب السودان مذكرة تفاهم في تموز/يوليو 2014 تم بموجبها الاتفاق على مسارات النقل لإيصال المساعدات الإنسانية من الخرطوم لجنوب السودان عبر الطرق البرية والجوية والنهرية، وتقوم بتنفيذ هذا الاتفاق لجنة فنية مكونة من ممثلين لحكومتي السودان وجنوب السودان وبرنامج الأغذية العالمي.
ورغم استمرار توقيع الاتفاقيات بين البلدين إلا أن التنفيذ كان صفرا كبيرا، وتعمل جهات عديدة من بينها الأمم المتحدة لعودة علاقات الخرطوم وجوبا إلى طبيعتها، وزار السودان مطلع هذا الشهر، المبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة، لدولتي السودان وجنوب السودان، نيكولاس هايسون، الذي التقى بالرئيس البشير ووزير الخارجية، ابراهيم غندور، وتناولت لقاءاته ضرورة إحلال السلام الشامل بين البلدين من أجل التنمية والاستقرار للشعبين.
ويقول الدكتور يوسف خميس، مدير مركز البحوث والدراسات الافريقية بجامعة افريقيا، ان التعاون في المجالات كافة بين الدولتين أصبح ضرورة ملحة، خاصة في مجال النفط، مشيرا إلى التشابه في المشاكل والصعوبات الاقتصادية، لكنه يؤكد في حديثه لـ «القدس العربي» أن حل المشاكل الأمنية هو الأساس لأي استقرار في المستقبل، ويرهن ذلك بالتخلص أو التخلي عن دعم الحركات المسلحة.
ويرى خميس أن الواقع الذي تعيشه الدولتان يحتم النظر في كل السبل التي تتيح لهما الاستفادة من موارد بعضهما، ويقول ان استعادة الثقة بين قادة الدولتين كفيل بضمان تنفيذ كل الاتفاقيات المبرمة والتي سوف تبرم في المستقبل.
ويتفق معه المحلل الاقتصادي الدكتور محمد الناير في الكثير من الجوانب، ويقول إن النفط كان السبب الأساسي لانفصال جنوب السودان، فهو سبب قوي جدا وداعم أساسي لوجود وحدة اقتصادية مثالية بين الدولتين، ويصف الاتفاق حوله بالمحرك الأساسي لاقتصاد الخرطوم وجوبا.
وقال الناير إن البترول المنتج في الجنوب تراجع من 530ألف برميل قبل الانفصال إلى 150ألف برميل الآن، مشيرا إلى توقف الإنتاج في حقول الوحدة والاكتفاء بحقول أعالي النيل، واعتبر أن التعاون في أعادة تشغيل حقول الوحدة، من خلال الاستفادة من الكوادر السودانية المدربة في هذا المجال، خطوة جيدة.
ويقول إن السودان سيستعيد 500 مليون دولار من عائدات نقل وتصدير النفط الجنوبي لم تدفع في عام 2016 إضافة لارتفاع العائدات لنحو مليار دولار إذا تم تشغيل كل حقول النفط بالجنوب، مشيرا إلى أن عائد النفط سوف يسهم في حل العديد من المشاكل الاقتصادية في دولة الجنوب.
ويطالب الناير بضرورة تفعيل التبادل التجاري بين البلدين من خلال معابر محددة وإنشاء قوات مشتركة أشبه بتجربة السودان وتشاد وفتح مصارف وإنشاء مناطق حرة على حدود الدولتين، خاصة وأن دولة الجنوب كانت تستورد أكثر من سبعين سلعة من الشمال وتوقع أن يرتفع حجم التبادل التجاري بينهما لأكثر من ملياري دولار.
ويرى محمد علي تورشين، المحاضر في مركز أبحاث دراسات السلام جامعة نيالا، أن مستقبل العلاقات بين الدولتين يقوم على المصالح الاقتصادية، ويعتبر أن الجوار يمثل نقطة قوة للتكامل الاقتصادي بعد الانفصال في 2011 وذلك بالاستفادة من وسائل النقل المحدودة التي تربط الدولتين منها أنابيب النفط والبواخر المحدودة التي تربط جوبا بكوستي بجانب بعض الطرق البرية.
لكنه يقطع بأن التعاون الاقتصادي يحتاج إلى إرادة سياسية وتسهيل الاتصال ويطالب بالاستفادة من الماضي المشترك وانسياب الأرض شمالاً والمزاج المشترك الذي صنعته سنوات التعايش مما يجعل البضائع السودانية معروفة ومرغوبة بين الجنوبيين الأمر الذي يمنحها ميزا تفصيلية.
ويعدد الباحث موسى محمد الدود جبارة، دور قبائل التماس في تحقيق التعايش السلمي في مرحلة ما بعد انفصال جنوب السودان، باعتبار أنها تعد من أهم مناطق السودان إنتاجاً للمحاصيل الغذائية والنقدية كالفول السوداني والسمسم والكركدي وحب البطيخ والدخن واللوبيا. ويقول إن هذه المناطق تنتج حوالي 60٪ من صادرات السودان من الصمغ العربي والثروة الحيوانية (الأبقار والأغنام).
ويقول إن الأهمية الاستراتيجية لمناطق التماس لا تنبع من موقعها الجغرافي فحسب، بل لما تلعبه هذه المناطق من دور اقتصادي واجتماعي في إطار تعزيز الحراك الاجتماعي وتحقيق الإندماج والتمازج بين سكان شمال وجنوب السودان، في رقعة جغرافية يقدر سكانها بثلث سكان السودان (13مليون نسمة).
صلاح الدين مصطفى