بعد مرور عام على حكم السيسي لا تزال العدالة الإجتماعية غائبة والفساد سائدا

حجم الخط
1

القاهرة ـ «القدس العربي» : واصلت الصحف الصادرة أمس الثلاثاء 9 يونيو/حزيران الاهتمام بمرور عام على تولي الرئيس السيسي الحكم، وذلك في صورة تحقيقات وأحاديث ومقالات، وما الذي حققه وما لم يتمكن من إتمامه، ونسبة الرضا الشعبي عنه، ورغم الخلافات في الآراء فقد لوحظ الإجماع على النجاح في مجالات الكهرباء ورغيف الخبز واستقرار الأمن إلى حد بعيد، والسياسة الخارجية بينما تركزت الخلافات في عدم القدرة على مقاومة الفساد أو وضع حد له، وعدم تحقيق قدر كاف في مجال الحريات والسيطرة على الارتفاعات المستمرة في أسعار السلع الغذائية.
واستقبل الرئيس السيسي الشركة الروسية لبناء المفاعلات النووية لتوليد الكهرباء لبحث الاتفاق على بنائها أربعة مفاعلات في الضبعة، وإحالة جامعة القاهرة كلا من الدكتور الشيخ حسن الشافعي رئيس مجمع اللغة العربية ونائبه الدكتور محمد حماسة عبد اللطيف إلى التحقيق، ووقفهما عن العمل لقيامهما بالجمع بين وظيفتين، من دون الحصول على موافقة الجامعة على تولي منصبيهما في المجمع، ومطالبتهما برد كل ما حصلوا عليه من رواتب وبدلات. كما بدأت وزارة العدل في تنفيذ خطة إخراج الإخوان المسلمين من مصلحة الطب الشرعي ونقلهم لوظائف أخرى.
ومن القضايا المهمة تلك التي فجرتها جريدة «الوطن» الأزمة بين شركة إعمار الإماراتية وصاحبها محمد العبار، الذي اتفقت معه الحكومة على تمويل إنشاء العاصمة الجديدة وأن تكون لها نسبة أربعة وعشرين في المئة قيمة الأرض، وقال رئيس تحريرها زميلنا وصديقنا مجدي الجلاد في برنامجه على قناة «سي. بي. سي أكسترا» مساء الاثنين، إن المعلومات التي حصلوا عليها من داخل الوزارة تؤكد أن الاتفاق لن يستمر، لأن العبار أخل بالشروط في الاتفاق المبدئي، لأنه طلب من الحكومة ألا تكون لها حصة ملكية، وإنما نسبة أرباح، وأن تمويل المشروع بالكامل سيعتمد على أخذه قروضا من البنوك المصرية، وهو ما رفضته الحكومة، ولكن وزير الإسكان نفى ذلك، وذكر في صحف أمس تعثر المفاوضات وأنه لا مساس بحصة الدولة في المشروع، وأن العبار ملتزم بما جاء في الاتفاق المبدئي. والملاحظ أن الصحف لم تهتم كثيرا بنتائج الانتخابات التركية، وأن الاهتمام الأكبر كان موجها لامتحانات الثانوية العامة. لدرجة أن زميلنا الرسام في جريدة «الأخبار» هاني شمس أخبرنا أمس انه كان في زيارة قريب له سمعه يقول لزوجته هامسا بينما ابنه في الثانوية العامة يذاكر:
– خايف الواد يعرف أن أردوغان دخل البرلمان التركي بـ41 ٪ يشبط في حكاية الجامعة الخاصة.
كما لا يزال الاهتمام أيضا موجها إلى مسلسلات وبرامج شهر رمضان والتخفيضات التي تجريها الحكومة على أسعار بعض السلع. وإلى بعض مما عندنا….

حكم الفرد هو بداية صناعة الاستبداد

ونبدأ بأبرز ما نشر عن العام الأول للرئيس السيسي في منصبه وقول زميلنا في «التحرير» أحمد الصاوي يوم الاثنين في عموده اليومي «عابر سبيل»: «عندما تتابع كلماته وخطاباته تجد فيها إدانة واضحة لحكم الفرد، في وصفه لعهد مبارك، وحكم الفرد هو بداية صناعة الاستبداد، فماذا فعل لتجنب هذا المرض وما خطته للعلاج منه إذا كان عام كامل قد مر يبدو فيه كرئيس محور كل شيء، واللاعب الأوحد بلا برلمان ولا رقابة، ووسط حشد إعلامي مؤيد ودعم من مؤسسات الدولة لتجفيف المجال العام، وحالة حقوقية لا تسر عدوا ولا حبيبا ولا يمكن مكافحة خطر الفساد. ومن دون الخروج من أفكار حكم الفرد لا يمكن مواجهة توحش الاستبداد، ومن دون تشخيص سياسي أمين وبرنامج علاجي يتصدى لهذين الخطرين لن يتعافى المريض وسيبقى أسير أوجاعه».

الرشوة أصبحت «عيني عينك»

أما زميله وصديقنا رئيس التحرير إبراهيم منصور فإنه في عموده اليومي «أقول لكم» قال لنا وللسيسي طبعا على طريقة «إياك أعني واسمعي يا جارة»: «أمر حسن أن يطالب الرئيس المواطنين بمحاسبته واستعداده لذلك، والواقع أن كل القوى السياسية وقبلها المواطنين وقفت خلف السيسي، ودعمته آملة في دولة جديدة تحقق أهداف ثورتين شعبيتين، فقد خلالها الشعب ولا يزال الآلاف من الشهداء، ضد قوى استبدادية وفاشية أرادت أن تحول البلاد إلى عزبة خاصة، فأهانت الوطن وأهانت المواطنين. أراد الناس الحرية والكرامة الإنسانية والعدالة الاجتماعية، لكن ما جرى خلال العام من حكم الرئيس لم يحقق لهم أيا من ذلك، فما زال الفساد سائدا بل ويزيد، وأصبح أي مواطن لا يستطيع أن يقضي أي مصلحة له إلا بدفع الرشوة التي أصبحت «عيني عينك» ولا أحد يحاسب أحدا ولم يستطع أي من أجهزة الدولة أو مسؤوليها استعادة جنيه واحد من الأموال المنهوبة، سواء التي استطاع رموز نظام مبارك تهريبها إلى الخارج واعترفت دول غربية بأن لهم حسابات خاصة في عدد من بنوكها أو غيرها، وحدث ولا حرج عن غياب العدالة الاجتماعية، فما زال الأثرياء يزدادون ثراء والفقراء ينحدرون إلى الفقر المعدم، ثم أين وعود السيد الرئيس بالإفراج عن شباب الثورة المظلومين المحبوسين لقد بات واضحا للجميع حجم الاهانات التي تعرض لها المصريون، كأنه لم تقم ثورة على تلك الإهانات، وكأن هناك انتقاما من المصريين الذين خرجوا من أجل الكرامة ضد أنظمة استبدادية استخدمت الشرطة والعنف من أجل البقاء، لقد وثق الشعب بالرئيس عبد الفتاح السيسي ولكن ما يحدث الآن يجعل تلك الثقة مهزوزة، فهل الرئيس مستعد فعلا لمحاسبة المواطنين له بعد عام من الحكم».

لا نحتاج لرئيس يحكي لنا عن مشكلاتنا

ومن «التحرير» إلى «المقال» ورئيس تحريرها زميلنا وصديقنا إبراهيم عيسى وقوله عن الرئيس: «والله ما نافعة كده، الإخلاص والحماس لا يساويان مثقال حبة من خردل أمام الكفاءة، لا نحتاج لرئيس يحكي لنا عن مشكلاتنا، فليدع هذه المهمة لنا، صحافيين ومفكرين، ولا نحتاج لرئيس حكومة شكاء من الأوضاع السيئة لأجهزة ومؤسسات الدولة. مشكلتنا مع الرئيس أنه قرر في عامه الأول أن يرمم لا أن يهد ويبني، أن يوادع الدولة ونظامها البيروقراطي الذي يجره إلى الزمن القديم، وأن يعتمد على أجهزة متهرئة عفنة يقودها موظفون موضع ثقة في إخلاصهم وشك عميق في كفاءتهم. الرئيس الذي يحدثنا عن أفكار خارج الصندوق لم يخرج من الصندوق، لا يزال رئيسنا يعترف ويتعامل ويتحالف مع السلفيين ويعترف ويتوافق مع الأحزاب الدينية، لا يزال ينقذ حكومته بالاعتذارات عن أخطاء ليست بسببه ولكنها مسؤوليته، فقد اختارهم ولم يغير لا في فكرهم ولا سياستهم ولا غيرهم شخصيا. طبعا نشكر رئيسنا على أدبه الجم ودماثته الرائعة وشجاعته في الاعتذار، لكن هذا كثير جدا سيدي الرئيس، لست ولي أمر هذه الأجهزة لتعتذر عن خطأ ابنك، بل أنت رئيسها الذي يجب أن يحاسب ويغير وإلا فلن تكف عن الاعتذار. كل ما رأيناه في العام الأول للرئيس تلخص في اليوم الأول لعامه الثاني، إخلاص بلا حدود شعبية هائلة رغبة كبيرة في التغيير إرادة ضعيفة في التثوير عزم جاد للتقدم تردد مذهل في الإقدام حكومة متوسطة الموهبة سلفية الهوى بلا وعي سياسي ولا مشروع استراتيجي».

ضرب رؤوس الفساد
مقدمة للقضاء على الذيول

ونغادر «المقال» وعيسى إلى «الوفد» عدد يوم الاثنين أيضا وزميلنا محمود غلاب وقوله في عموده «الطريق الوحيد»: «اليوم يمر العام الأول من حكم الرئيس السيسي، وغدًا نستقبل الساعات الأولى من العام الثاني من فترة الحكم المقدرة دستوريًا بأربع سنوات، ويجوز له التقدم لفترة رئاسة أخرى لمرة واحدة وقدرها أربع سنوات جديدة….
الشعب لا ينتظر كشف حساب من السيسي عن أول سنة حكم، لأنه هو شخصيًا لا يرى أنه قدم شيئًا مما يريده لهذا البلد، وكما يقول أولاد البلد إننا لم نفعل غير الواجب، فإن السيسي لا يتعامل في حكمه على أنه رئيس ولا زعيم ولا قائد، هو مواطن مصري مفوض من الشعب في تولي المهمة في وقت صعب ومازال الأصعب قادمًا، السيسي يرى أن الحلم لن يتحقق إلا بمشاركة الجميع فيه، إذا أردنا أن يكون لنا وطن حر مستقر آمن من كيد الخونة الذين يتربصون به لإسقاطه بعد أن كشفهم الشعب وأحبط مخططهم، فلابد أن يضع الشعب يده في يد الرئيس ويقف إلى جوار جيشه وشرطته في مواجهة الإرهاب الذي يتربص بلقمة العيش، ويسعى إلى أبعد من ذلك ليجعل مصيرنا مثل دول عربية مجاورة لنا سقطت في قاع التاريخ.
لن نحاسب الرئيس على مطالب فئوية وعلى مكاسب فردية، رغم الظروف الصعبة التي يمر بها قطاع لا بأس به من المجتمع من شظف العيش، في ظل ارتفاع مستمر في الأسعار وانخفاض الدخل… غدًا يبدأ السيسي عامه الثاني في الحكم، ويجب أن يكون عنوان هذا العام وأول صفحة فيه تخصص لمحاربة الفساد الذي أصبح ينخر في أجهزة الدولة، والسبب في استفحال الفساد هو أن محاربته لم تتم من فوق، السلم ينظف من فوق إلى تحت، ضرب رؤوس الفساد هو المقدمة للقضاء على الذيول، الفساد فوق ومعروف وواضح ولا يحتاج إلى جهد لكشفه ووقفه عند حده، الفاسدون ظهروا على السطح واطمأنوا، بعضهم يتظاهر أنه يجامل الدولة والنظام لإخفاء سرقاته. أضرب يا سيسي هؤلاء الفاسدين ولا تعط لهم الفرصة بأن يسجلوا فواتير عليك، وانت الذي قلت ليس عليّ فواتير لأحد، ونرجو أن تستمر صفحة حكمك بيضاء لا يلوثها أحد من هؤلاء»./

قرصة الجوع باتت تدمي الجسد والفؤاد

وننزل من سلم غلاب لنصل إلى عمود زميله عصام العبيدي «إشراقات» في العدد نفسه من «الوفد»، حيث ذكرنا بالذي كان يا ما كان من عهد خالد الذكر في سالف العصر والأوان بأن قال وهو يتنهد ترحما عليه: «كان عبد الناصر في أوائل الستينيات يقود سيارته بنفسه، وبجواره عبد الحكيم عامر، وما أن هما بدخول نفق العباسية في اتجاه جامعة عين شمس حتى لاحظ الاثنان مواطنا صعيديا بسيط الهيئة والمنظر يحمل في يده منديلا محلاويا قديما، ثم جلس على الأرض وفتح منديله وأخرج منه كسرة خبز ناشفة وأمسك ببصلة وشجها نصفين وفتح كيسا ورقيا به قليل من الملح وأخذ يغمس بالملح ويبلع اللقمة بورقة بصلة هنا نظر ناصر لعامر وقال له شوف يا حكيم طالما فيه ناس عايشه بالشكل ده، تبقى الثورة ما نجحتش، أظن أن عبد الناصر لو امتد به العمر ورأى أناسا يأكلون من أكياس الزبالة ويتقاسمون لقمتهم مع القطط والكلاب الضالة لأقدم على الانتحار. الفقر زاد والفقراء تضاعفوا عن أيام ناصر، بل أن وجع الفقر أصبح أكثر إيلاما وقرصة الجوع باتت تدمي الجسد والفؤاد، هؤلاء يا سادة هم التحدي الأكبر أمام السيسي ونظامه، فحتى يخلد اسمه في التاريخ فلابد أن ينحاز لهؤلاء ويعتبرهم بوصلته وهدفه الأسمى، لأن هؤلاء هم الأولى بالرعاية والأولى بالاهتمام، كالابن المريض، فكل قرار يصدر لابد أن يحسب ألف حساب لهؤلاء، هل سيؤثر عليهم هل سيمسهم من قريب أو من بعيد، هل سيؤدي لإسعادهم، أم مزيد من فقرهم وبؤسهم، هؤلاء فعلا هم التحدي الأكبر للسيسي وحكومته، حتى نستطيع أن نقول بالفم المليان إن الثورة نجحت كما قال ناصر لصديقه عبد الحكيم عامر مش كده ولا أيه».

أين سيادة القانون
والقائمون على تنفيذه؟

وهل هذا سؤال؟ طبعا كده وأبو كده كمان فإذا لم تكن كل الجهود متجهة للأغلبية الساحقة الفقيرة والمتوسطة فإن ثورتهم، التي لن تبقي ولن تذر هذه المرة، ستنفجر. تعلق هذه الأغلبية الساحقة بذكرى خالد الذكر، رغم وفاته منذ خمسة وأربعين سنة ليست من فراغ.. ومنه إلى «جمهورية» اليوم نفسه وزميلتنا الجميلة سوزان زكي التي ابتسمت ابتسامة حلوة كما في صورتها المنشورة وقولها وهي في غاية الدهشة: «في سابقة هي الأولى من نوعها، حكومتنا الرشيدة تطالب رئيس الجمهورية بتوجيه إنذار شديد اللهجة إلى المخالفين والفاسدين، وتطالبهم بسرعة تسديد مستحقات الدولة وتسوية مخالفاتهم وإلا سيتم فضحهم في وسائل الإعلام، وكأننا نعيش في مجتمع قبلي وليس في دولة يحكمها قانون، ليعودوا بنا إلى الثلاثينيات من القرن الماضي عندما كانت هناك عقوبة التجريس التي يمارسها العمد والمشايخ في الريف المصري. هذا الطلب المخزي تقدمت به بالفعل وزارة الزراعة إلى رئاسة الجمهورية كي تقوم بإنذار المخالفين في الطرق الصحراوية من أصحاب المنتجعات السياحية، الذين حصلوا على الأراضي بأسعار رمزية من أجل استصلاحها، ثم قاموا بخداع الحكومة ومخالفة شروط عقد البيع، وتحويل أراضي الاستصلاح الزراعي إلى فيلات ومنتجعات سياحية، وكأن هذه الفئة الفاسدة التي اعتادت على اختراق القانون ونهب قوت وأموال الشعب تخشى على نفسها من الفضيحة في وسائل الإعلام، فتضطر لدفع المليارات للدولة، هل يمكن أن نعتبر هذا التوجه استخفافا بعقول وحقوق الشعب، أم أنه تستر مفضوح من الحكومة على فئة فاسدة من رجال الأعمال، خاصة أنه تم منح هؤلاء المخالفين أكثر من فرصة لتسوية أوضاعهم وتسديد مستحقات الدولة ولم يستجيبوا، رغم العجز الشديد في الموازنة العامة للدولة. لا أدري ما الذي جري في بلدنا! أين قبضة الدولة أين سيادة القانون والقائمون على تنفيذه؟».

«شفيق رئيسي»

ومن السيسي والعام الأول من حكمه إلى المرشح الرئاسي السابق ورئيس حزب الجبهة الوطنية أحمد شفيق، وظهور بوسترات من بعض أنصاره مع صوره مكتوب عليها «شفيق رئيسي»، وتطالب بعودته من الإمارات واتهام النظام بأنه يمنع مجيئه. ونبدأ من يوم الثلاثاء قبل الماضي مع زميلنا في «الوطن» محمود الكردوسي «ناصري» وقوله مواصلا إبداء حماسته لشفيق: «بما ان الرئيس «مؤدب» ولا يميل بطبعه إلى الحلول التصادمية، فعليه أن يختار جهازا تنفيذيا صارما في تعامله مع مسؤوليه ومع المواطن في الوقت نفسه وبالقانون، ليس عيبا أن يمثل الرئيس معسكر «الحمائم»، لكن إدارة مصر، وما أدراك ما مشاكل مصر تحتم عليه أن يستعين بمعسكر «صقور»، ومصر ولادة على ذكر الحمائم والصقور لماذا لا يجيب الرئيس «صراحة» عن سؤال الفريق أحمد شفيق؟ إن كان لابد من «صقر» في دولاب حكم السنة الثانية فليس أفضل من أن يكون شفيق رئيسا للحكومة، وكفى المصريين شر «محلب» وطاقمه الفاشل. إذا كان الرئيس قد نجح أثناء توليه حقيبة «الدفاع» في إعادة الروح إلى قواتنا المسلحة، فلماذا لا يولي اهتماما كافيا بـ»الداخلية»، وقد بدأت المسافة بينها وبين الشارع المصري تتسع في الأشهر الأخيرة؟ هناك شكاوى لمواطنين غلابة، هناك تجاوزات، هناك استهتار من قبل ضباط صغار وكبار أحيانا، هناك مافيا أمناء الشرطة، وهناك دماء شهداء تملأ المسافة بين الحق والواجب، متى يحسم الرئيس معاركه في الداخل؟ متى يكسر أعناق رجال الأعمال؟ متى يطهر الإعلام؟ متى يقول للمسؤول في جهازه الإداري «كن.. فيكون» متى يصدق الرئيس أنه «رئيس»، وأن له ربا يحميه وشعبا يراهن عليه ويبلع له الزلط ولن يسمح للمرتزقة والهتيفة وتجار الثورات أن يدوسوا على طرف ثوبه؟ متى يدرك أن «الخارج» ليس طرفا ولن يكون طرفا في معادلة الحكم حتى إذا سبح بحمده؟ متى ومتى ومتى.. إنا لمنتظرون».

عودة أحمد شفيق ستحرك المياه
الراكدة وتنشط الحياة الحزبية

وفي اليوم التالي الأربعاء الماضي قال زميلنا وصديقنا نقيب الصحافيين الأسبق مكرم محمد أحمد في عموده اليومي «نقطة نور» في «الأهرام، عن شفيق: «لقيت أحمد شفيق في دبي خلال زيارة أخيرة لدولة الإمارات، وتحدثنا طويلا في الشأن المصري، ما فهمته من حديث الرجل أنه كان على وشك أن يعود إلى مصر قبل شهرين ليرى شقيقه الأكبر الذي كان يعاني مرضا عضالا، وعندما اتصل بوزير الداخلية السابق اللواء محمد إبراهيم، أكد له الرجل أنه ليس صحيحا بالمرة أن اسمه على قائمة الترقب والانتظار في مطارات مصر وموانئها، وأنه يستطيع أن يأتي إلى مصر ليزور شقيقه، من دون أن يقع له أي مكروه، لكن ما حدث أن شقيقه نقل إلى ألمانيا للعلاج، وسافر أحمد شفيق ليراه هناك ولا أظن أن المطلوب إعفاء أحمد شفيق من قضية تنظرها المحاكم، ولكن أكثر ما يخشاه الرجل أن تكون القضية مسمار جحا لبهدلة لا مبرر لها، تبدأ بإلقاء القبض عليه في مطار القاهرة وإيداعه في الحجز، من دون مسوغ صحيح، لأن أحمد شفيق لن يتهرب من المحاكمة، وأظن أن من واجب الحكومة المصرية أن تكفل له القدر الواجب من الاحترام، الذي يحفظ للرجل كرامته عند عودته، لأنه خدم وطنه على نحو متميز. ولا أظن أن عودة احمد شفيق سوف تقلل من شعبية الرئيس السيسي، أو تهيئ بديلا آخر، لأن الرئيس السيسي لا يزال موضع ثقة غالبية الشعب، ولا يزال الشخص الوحيد الذي تجمع عليه معظم فئات الشعب المصري والقوات المسلحة وغالبية مؤسسات المجتمع المدني، بل لعل السيسي يكون المستفيد الأول من عودة أحمد شفيق إن استطاعت عودته تحريك المياه الراكدة وتنشيط الحياة الحزبية المصرية بعض الشيء، التي يحاصرها الفشل والخلافات الشخصية والشللية».

حزب الحركة «الوطنية المصرية» داعم للرئيس

ويوم الخميس الماضي نشرت جريدة «الفجر» الأسبوعية المستقلة حديثا مع يحيى قدري رئيس حزب الجبهة الوطنية والقائم بأعمال رئاسته أجراه معه زميلنا أحمد عبد الجليل ومما قاله عن شفيق: «إحدى الصحف نشرت أن الفريق أحمد شفيق يلتقي مسؤولين أمريكيين ورجل أعمال مصري أمريكي، بهدف التخطيط لتدشين تشكيل حزبي آخر بعيدا عن حزب الحركة الوطنية، بهدف توجيه بعض الشباب لهز القيادة السياسية المصرية وتغيير نظام الحكم، ما يعني الانقلاب على الطرق الديمقراطية، ما يعد جريمة تستوجب الحبس، وبالتالي كان لازما أن ألجأ إلى القضاء ولو أن هذه المعلومات التي ادعت الصحيفة أنها حصلت عليها من جهة عليا، ما كنت دعيت للقاء الرئيس السيسي مع الأحزاب، الذي عقد خلال الأيام القليلة الماضية، أعتقد أن هناك محاولات حاليا من أشخاص بعينها لإرباك المشهد السياسي المصري، واستخدام بعض الشباب غير المسيس وغير المدرك بالقانون، كأولئك الذين يطالبون بعودة الفريق شفيق، رغم أن اسمه مدرج على قوائم الترقب. إذن فالتعامل تعامل قضائي في ما بيننا وبين النائب العام، ولن يغير النائب العام موقفه سلبا أو إيجابا عن طريق التظاهر أو اللافتات، وإنما يغير قراره نتيجة للمذكرات والمستندات التي تقدمها هيئة الدفاع عن شفيق، وبالتالي فإن كان الشباب يطالبون بعودة الفريق شفيق فنحن من قبلهم نطالب بذلك، وإنما ما اكرهه هو دخول بعض الأفراد في تلك القصة والقيام بأفعال غير مرغوب فيها. وحزب الحركة الوطنية المصرية حزب داعم للرئيس منذ اليوم الأول، وأفعالنا واضحة منذ 30 يونيو/حزيران، الفريق أحمد شفيق يتابع كافة شؤون الحزب من خلال الاتصالات التي تدور بيني وبينه، حيث أقوم بإبلاغه بما يدور بالحزب وكل ما يتعلق بالأحداث الجارية فيه».

«الشروق» تنشر تسريبات ضد شفيق

والملاحظ هنا التناقض بين كلام مكرم عن أن وزير الداخلية السابق اللواء محمد إبراهيم أكد لشفيق أنه ليس صحيحا بالمرة أن اسمه على قائمة الترقب والانتظار في مطارات مصر وموانئها، وأنه يستطيع أن يأتي إلى مصر ليزور شقيقه، وبين كلام المستشار يحيى، الذي أكد أن اسم شفيق مدرج على قوائم الترقب وهو ما يعني إما أن اللواء محمد إبراهيم كان يعد له فخا بأن يأتي ثم يتم القبض عليه، أو أن اسم شفيق وقتها لم يكن مدرجا على قوائم الترقب والوصول، وأن قرار النائب العام صدر بعد هذه المحادثة. أما القضية التي قال إنه رفعها فهي ضد صحيفة «الشروق» التي نشرت تسريبات ضد شفيق واتصالاته وكنا قد أشرنا إليها. لكن جريدة «الشروق» واصلت تحديها لقدري بأن نشرت يوم السبت، أي بعد صدور «الفجر» بيومين تحقيقا آخر لزميلتنا الجميلة دينا عزت وأحمد البرديني جاء فيه: «علمت الشروق أن رئيس أحد الأجهزة السيادية زار أبو ظبي قبل أيام، للبحث والتنسيق في ملفات عديدة، منها إقناع مسؤولي الإمارات بالحد مما تعتبره تحركات غير مقبولة من جانب المرشح الرئاسي السابق أحمد شفيق، المقيم في إمارة دبي، وبحسب المصدر الذي تحدث إلى الشروق قبل يومين فإن هذا المبعوث ليس الأول الذي يذهب إلى الإمارات لبحث هذا الملف، كما أنها ليست المرة الأولى التي تثير فيها هذا الأمر، ولكن الأمور تأخذ منحى غير مقبول، لأن شفيق يتحرك الآن كما لو كان سياسيا في المنفى، وهذا غير مقبول. ويقول مصدر رسمي مصري آخر إن القاهرة لا تمانع في بقاء شفيق في الإمارات، وهو في كل الأحوال أسمه على قوائم الترقب والوصول عكس ما يروج له، ولكن هناك أمورا غير مقبولة ويجب ألا تسمح بها الإمارات التي بالتأكيد لا تريد أن تبدو كما لو كانت تحتفظ بورقة ضد نظام الحكم الحالي في القاهرة».

مليونية «بوس جماعي» لأرض مصر

ولا تزال المعارك مستمرة حول الإعلام وتعكس حالة عدم الرضا عنه وبدأها يوم الأربعاء الماضي زميلنا في «الجمهورية» السيد البابلي بقوله ساخرا من أحد زملائنا:
«تأتينا الآن دعوة أخرى من أحد الإعلاميين في الفضائيات وما أكثر ما يأتينا الآن من عجائب وغرائب منها، والدعوة تطالبنا بأن نذهب في 30 يونيو/حزيران إلى ميدان التحرير في مليونية «بوس جماعي» لأرض مصر تأكيدا على حب الوطن والانتماء للأرض وردا على «الواد» اللي خرج من مصر لأمريكا بعد الإفراج عنه، وقام بتقبيل أرض المطار الأمريكي فور وصوله لماما أمريكا، وبدلا من ضياع الوقت في مليونيات من هذا النوع أو في إثبات حب الوطن بتقبيل الأرض، لتكن هناك دعوات جادة إعلامية أهم لإعادة بناء مصر.. دعوات تبرز وتحيي. وننوه بكل الجهود التي تبذل لعلاج المشكلات المزمنة والمستعصية، ودعوات لاحتواء وتشجيع الشباب على أن يكون حجر الزاوية في عملية البناء، وأن يتحمل الطريق الصعب في مرحلة التحول الانتقالية التي تتطلب قدرات وعزيمة مختلفة، إن مصر تنهض من الداخل ولكن المواطن العادي لا يشعر بذلك، لأنه ببساطة لا يوجد إعلام حقيقي يشرح له ماذا يتم وماذا يجري من مشروعات وما هو العائد الذي سيحصل عليه منها».

الحريات العامة قضية العام الجديد

وننهي الجولة في «الشروق» عدد أمس الثلاثاء وبعض ما جاء في مقال الكاتب فهمي هويدي الذي عنونه بـ«الحريات العامة قضية العام الجديد» يقول: « حين اعتدى ضابط شرطة «فارسكور» بحذائه على محامي النقض فإن الحادث كان صادما لا ريب، لكنك إذا دققت في سياقه فستدرك أنه ليس مفاجئا تماما. وإذا ذهبت إلى أبعد وتحريت ملابساته وخلفياته في الإطار العام، فقد تجد وجاهة في اعتبار الحادث عنوانا لمرحلة مصرية جديرة بالرصد والإثبات. ذلك أننا إذا اعتبرنا أن الضابط رفيع الرتبة ممثلا لسلطة الجهاز الأمني، وأن المحامي المجني عليه رمز لرجل القانون، فسنجد أن الحادث كان، في حقيقة الأمر، تعبيرا رمزيا للمدى الذي وصلت إليه العلاقة بين الطرفين. ذلك أن الممارسات التي شهدناها خلال العام الأخير بوجه أخص كشفت عن ان الشرطة باتت تتصرف باعتبارها سلطة فوق القانون، حيث لم تحاسب على كل ما اقترفته من تعذيب أو قتل أو قنص. ولديها من الحيل والنفوذ ما يمكنها من الإفلات من أي عقاب. وهو ما أقنعنا بأن التصرف الذي لجأ إليه ضابط الشرطة هو نتاج ثقافة شائعة تعتبر أن ذلك الأسلوب هو الأصل في علاقة الشرطة بالمواطن العادي الذى قد يعد ضربه بالحذاء من قبيل التسخين الذي يسبق تأديبه وإعطاءه ما يستحق. وقد شاء حظ ضابط فارسكور أن المواطن الذي وقع بين يديه هذه المرة كان محاميا كبيرا، كتبت له الحياة (آخرون قتلوا بسبب التعذيب ولم يتمكنوا من الدفاع عن أنفسهم)، ثم أن الأمر أثار غضب زملائه المحامين. واستنفر النقابة والنقيب، الذي لم يتردد في إدانة ما جرى واعتباره عودة إلى أساليب الدولة البوليسية قبل يناير/كانون الثاني 2011.
حادث الاعتداء على محامي فارسكور مجرد صفحة في سجل حافل بالانتهاكات متعددة المظاهر التي سجلتها تقارير المنظمات الحقوقية، وأحدث تلك المظاهر تمثلت في حملة الاختفاء القسري الذي جرى التوسع فيه خلال الأسابيع الأخيرة. إذ فجر الحادث الأزمة مع المحامين، فإن ذلك تزامن مع أزمة أخرى للداخلية مع أساتذة الجامعات الذين استفزتهم انتهاكات الشرطة لحرمها والضغوط التي يتعرضون لها وأحدثها اشتراط موافقة الأمن على المشاركة في المهام العلمية في الخارج. ثمة أزمة ثالثة مع المنظمات الحقوقية التي جرى التنكيل بأعضائها فمنعوا من السفر واحتجزوا في المطارات وجرى التحقيق مع إحداها لأنها تجرأت واقترحت مشروعا لمنع التعذيب. ذلك غير الأزمة مع نقابة الصحافيين جراء اعتقال 62 من أعضائها لأول مرة فى تاريخ النقابة. ثم هناك أزمة الداخلية مع ناشطي 6 أبريل وغيرهم من شباب ثورة يناير الذين اعترضوا على قانون التظاهر أو المحاكم العسكرية. ولا ننسى في هذا السياق التدخلات والضغوط الأمنية على مقدمي البرامج التلفزيونية، الأمر الذي أدى إلى وقف بعض البرامج (باسم يوسف، مريم ماجد ويسري فودة مثلا)، وانتهى باستقالة مدير قناة «أون تي في» ألبرت شفيق… إلخ».

حسنين كروم

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية