القاهرة ـ «القدس العربي» من كمال القاضي: منذ رحيله في الثامن والعشرين من سبتمبر/أيلول عام 1970 لم يتوقف الجدل، ولم ينقطع تيار الحديث عن الزعيم، الذي كان ومازال مثاراً لحراك سياسي متأجج، بين حب جارف وخلاف حاد، هكذا بدأت حياة جمال عبد الناصر منذ تأسيسه لتنظيم الضباط الأحرار، وكان ضابطا صغيرا برتبة بكباشي.
حزمة من مشكلات وتناقضات اجتماعية وسياسية وثقافية، فما بين التأييد والرفض استمرت المسيرة وتوالى الصعود لنجمه، وقد لعبت ظروف كثيرة في تألقه كسياسي وقيادي بارز، ثم سرعان ما تحول إلى كيان كبير التفت حوله الجماهير العربية، وإزاء هذا الحضور الطاغي للشخصية في ظل الصراعات الدائرة، أصبح الرجل موضع دراسات وتحليلات كثيرة لمن أيدوه ومن خاصموه، وبقي ناصر في حد ذاته مشروعاً إنسانياً ونضالياً واسع المجال، قابلا للتقييم سلباً وإيجاباً.
تجزأت مراحله التاريخية فباتت فصولاً متباينة في تنوعها السياسي، وبالتالي في تقييمها أيضاً، فمن يراه ديكتاتوراً ويتهمه بتغييب الديمقراطية خلال سنوات حكمه، لم ينكر علية وطنيته ولا سعيه الدائم لتحقيق العدالة الاجتماعية وللمساواة بين فئات الشعب على أسس إنسانية، يحكمها إطار قانوني يرفع المعاناة عن كاهل الكادحين والبؤساء، ممن افترستهم غطرسة الملكية واستبدادها واستحواذها، ومن يرى أنه الشخصية الاستثنائية في زعامتها ونبلها ووطنيتها، يطمئن في ذلك لما لمسة من إنجازات واقعية لصروح بنيت بالعرق والدموع وخطوات إصلاحية جرى اتخاذها على ضوء الاحتياجات والتحديات، وعاد نفعها على العامل والفلاح والموظف والمثقف، وظهرت آثارها النوعية في الحياة الاجتماعية عاجلها وآجلها وتبلورت في مشروعات ضخمة بقيت راسخة كالإصلاح الزراعي والسد العالي وتأميم قناة السويس.
وعلى المستوى السياسي كان النظر إلى التوافق العربي ـ العربي رؤية شاملة وملائمة لتقوية الجبهة الخارجية في مواجهة القوى الإمبريالية المتربصة، ليكون الاعتماد عربياً محضاً لضمان وحدة الأمة، وفي اتجاه آخر جرت محاولات مماثلة لتحقيق المد الإفريقي ودعم حركات التحرر الناشئة للتخلص من الفاشية الاستعمارية باستلهام الروح القتالية كسبيل وحيد لمواجهة المحتل الواقف على أعتاب البلاد منتظراً لحظة الانقضاض.
ولما كان هذا الطموح يستلزم تفعيل العقل الجمعي وخلق أفق متميز للفكر والثقافة والتنوير بدأت الجهود تصب في هذا الاتجاه فأنشأت المؤسسات الثقافية وبدأت استعداداتها، على قدم وساق فكان تشييد أكاديمية الفنون بتنوعها الإبداعي في مجالات شتى، السينما والمسرح والموسيقى والفن التشكيلي والنقد، كضرورة حتمية لتصويب حركة النشاط الثقافي الحي، وبالتوازي جاء بناء التلفزيون العربي عام 1960 ناقلاً لكل الثقافات والفنون، في استهداف مقصود لنشر الوعي العام، وربط القاهرة كعاصمة كبرى بكل العواصم العربية الشقيقة، كحلقة وصل منوط بها توطيد أواصر الإخوة والدم وسيادة الخطاب التوعوي الوحدوي، في ما هو متفق عليه من القضايا الكبرى والقضايا الفرعية، وقد تحقق الانسجام بين الشعوب العربية، في مناح كثيرة بفضل مد الروافد الثقافية والمعرفية واشتباكها مع الواقع الراهن، فتم إعداد المثقف العربي كمشروع حقيقي له كل الحق في إبداء الرأي وصناعة القرار كشريك متضامن ينحاز إلى الجماهير قبل انحيازه للسلطة.
وقد ظل المشروع القومي الناصري قائماً وفاعلاً بقوة الدفع الذاتي، حتى بعد رحيل عبد الناصر، يستمد قوته من الجماهير التي آمنت بالفكرة الرئيسية، بعيداً عن الشوائب التي علقت بها وحاول المغرضون استغلالها لتشويهها وتصويرها كفكرة قامت على الوصاية وفرض الزعامة، وهو ادعاء باطل اعتمدوه كذريعة لهدم المشروع وإسقاطه ليتسنى لهم فرض المشروع البديل، مشروع الهيمنة والسيطرة والتدمير.
تلك بعض معطيات المسيرة الناصرية نسوقها للأجيال التي لم تعاصر الرجل، ولم تعرفه ولم تعش أيامه وظروفه وتحدياته، ونحن إذ نحتفل بذكرى وفاته السابعة والأربعين، نعرج قليلاً على الكتاب الذي ألفة الرئيس السادات تحت عنوان «يا ولدي هذا عمك جمال» في إشارة إلى التناقض الذي حملته الرؤية الساداتية في تقييمها لتاريخ الزعيم الراحل، ما بين التأييد المطلق له والإشادة به في غضون السنوات الأولى لرحيله، وما بين الإنكار التام والهجوم المستعر بعد الانقلاب عليه في كتابة الشهير «البحث عن الذات» فمن يقرأ الكتابين لا يجد صعوبة في إدراك الفروق الجوهرية الدالة على عدم الموضوعية في الحالتين، حيث جاء الكتاب الأول عاطفياً ممالئاً للشعور الجماهيري العام الذي كان مشبعاً بالروح الناصرية، واقعاً تحت تأثير صدمة الرحيل المفاجئ. أما الكتاب الثاني فقد ظهرت فيه تأثيرات انتقامية بأثر رجعي، ولم يتحفظ السادات في خطابه ولم يتحرج من إعلان كراهيته المقيتة للمقارنة الدائمة بينة وبين ناصر. ورغم ما قيل وما يقال عن التجربة الستينية وصاحبها سيظل الوهج هو عنوانها الرئيسي، ولنا في يوم رحيل الزعيم المثال الأهم، حيث بكته الملايين في جميع الأقطار العربية، ونعته القارة الإفريقية قاطبة وشيعته الجماهير الغفيرة في موكب جنائزي مشهود لا يزال غير مسبوق.