يقترح المعلق الإسرائيلي جدعون ليفي أن نتخيل منطق إعلان بلفور وقد تمّ عكسه، أو قُلب رأساً على عقب مثلاً؛ فتتلقى الأقلية الفلسطينية، التي تعيش اليوم في إسرائيل، وعداً بـ»وطن قومي» للفلسطينيين، لا يكون نصيب الإسرائيليين فيه سوى حفنة «حقوق مدنية ودينية» محدودة. وأمّا الفارق الآخر، في اقتراح ليفي المقلوب هذا، فإنه حقيقة أعداد الأقلية اليهودية في فلسطين ساعة سطّر آرثر جيمس بلفور الكلمات الـ 76 التي صاغت وعد حكومة صاحب الجلالة إلى اللورد ليونيل والتر روثشيلد بتسهيل إقامة وطن قومي لليهود؛ الذين كانوا أقلّ من عُشر عدد سكان فلسطين!
مشروع استعماري بريطاني كان يقترح استيلاد مشروع استعماري استيطاني صهيوني آخر، على أرض فلسطين، وتلك «الخطيئة الأولى» لم تكن الوحيدة التي اقترفتها بريطانيا بحقّ العرب، بما في ذلك «حلفاء» التاج من ملوك وسلاطين وأمراء. لكنها كانت الأخطر على مستقبل المنطقة، والأقبح ــ سياسياً في الواقع، وليس أخلاقياً فحسب ــ ضمن تراث استعماري حافل بالقبائح. لا يغيّر من هذا التشخيص أنّ منظمات صهيونية إرهابية، من طراز «أرغون» و»شتيرن» ردّت مكرمة الانتداب البريطاني على طريقتها: من نسف المعسكرات البريطانية في فلسطين، إلى اغتيال الوسيط السويدي الكونت برنادوت، ليس دون المرور بتفجير فندق الملك داود في القدس على سبيل استهداف قيادة الأركان البريطانية.
كذلك لن يمسّ حاضر إعلان بلفور، الذي تمثّل في احتفال رئيسة الوزراء البريطانية تريزا ماي بالذكرى، صحبة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو؛ أنّ اثنين من رؤساء إسرائيل السابقين، مناحيم بيغين وإسحق شامير، كانا على لوائح الإرهابيين المطلوبين من التاج البريطاني: الأول لأنه كان الآمر بتنفيذ عملية تفجير الفندق، والثاني لأنه كان خليفة أبراهام شتيرن قائد المنظمة المعتقل لدى البريطانيين بتهمة الإرهاب. أكثر من هذا، في عام 2006 كان نتنياهو، ضيف ماي في مئوية إعلان بلفور، أحد كبار المشاركين في الاحتفال بذكرى تفجير الفندق، وإزهاق أرواح 91 شخصاً، بينهم 28 من الرعايا البريطانيين.
على المستوى العقائدي، كان صهيوني عتيد مثل أبا أخيمئير، أحد كبار رجالات الحزب العنصري الذي أسسه زئيف جابوتنسكي، لا يتماهى مع فلسفة التاج البريطاني وأمثال بلفور أو لويد جورج، بقدر ولعه بالفلسفة الفاشية وشخصية بنيتو موسوليني؛ إلى درجة أنه أطلق على جابوتنسكي صفة «دوتشي يهودا والسامرة»! كذلك اعتبر أنّ صعود أدولف هتلر يسدي خدمة «خماسية» للحركة الصهيونية: تخليصها من «ميوعة» الصهاينة الإنسانيين، أمثال آحاد هاعام؛ والبرهنة على أن انتهاك «روح الأمة» سوف يطلق أفضل ما فيها، أي أبطالها الأشبه بالأنبياء؛ وإثبات إفلاس الذين يفضّلون تحسين أوضاع اليهود في الشتات، بدل نقلهم إلى فلسطين؛ وتقديم دليل جديد على استحالة اندماج اليهود في مجتمعاتهم «المضيفة»؛ وإضعاف الشيوعية السوفييتية عبر تطهير ألمانيا، أعظم الأمم في عالم «الأغيار»، من شبح الشيوعية الذي تنبأ به «اليهودي العاقّ كارل ماركس»…
وإذا صحّ أنّ حدود سايكس ـ بيكو إرث استعماري بامتياز، أو هكذا ابتدأ على الأقلّ؛ فالصحيح، في المقابل، أنّ أنظمة الفساد والاستبداد العربية هي التي استأنفت ذلك الإرث، بل جعلته معاصراً على نحو أكثر انحطاطاً، وأضافت إليه ترسيمات حدود طائفية ومذهبية أبشع عواقبَ ممّا تخيّل مارك سايكس وفرنسوا بيكو؛ وجرى كلّ هذا بمساندة مباشرة من القوى الاستعمارية الكبرى. والصحيح أيضاً، وقبلئذ، أنّ مساحة الذاكرة الاستعمارية حافلة بوعود بريطانية قُطعت للعرب ولم توفَ قطّ؛ فكان أبرز مآلاتها تحوّل الملك أو الأمير، إلى جنرال انقلابي أو دكتاتور مستبدّ.
إعلان بلفور كان «خطيئة أصلية» كما يُقال، حقاً؛ ولهذا لا يتجاسر الخطاؤون الكثر على رجمها، بل بها يحتفلون!
صبحي حديدي