بلقنة العولمة

حجم الخط
2

انه من السابق للأوان الاعلان عن انتهاء عصر العولمة، إلا انه اضحى يواجه موجات مضادة؛ بحيث أن عملية التكامل التي اتجهت لها دول العالم، طوعا او كرها، خلال السبعين عاما الماضية؛ والتي كانت تجري على نحو مركزي وتروج لمزاعم السلام والازدهار الاقتصادي والديمقراطية؛ صارت تتراجع على العديد من المستويات.
ومن المعلوم ان العولمة المعاصرة شهدت حقبتين مركزيتين اساسيتين: الاولى، التي امتدت من نهاية القرن التاسع عشر حتى بداية القرن العشرين، والتي انتهت بحلول الحرب العالمية الأولى. فيما بدأت الحقبة الثانية خلال الفترة التي تلت الحرب العالمية الثانية، وساهمت الأنظمة التجارية التي كانت تزداد انفتاحا، واللوجستيات والاتصالات عالية السرعة، خاصة الإنترنت، وخدمات الطيران الأرخص ثمنا، وحرية الحركة المتزايدة للبشر، وكذلك اتساع الديمقراطية في العالم، في إضفاء تسارع الاندماج العالمي وهيمنة مؤسسات العولمة، وبالتالي شيوع ما بات يعرف بعصر العولمة. وهو عصر اقترن باتساع حرية الاسواق العالمية التي بدأت تكرس نفسها بمدد كبير في بداية الثمانينيات من القرن الماضي مسنودة بالعقيدة الليبرالية الانكلوسكسونية الجديدة، التي صاغها كل من مستشار الرئيس ريغان الاقتصادي، ملثون فريدمان، ومستشار رئيسة الوزراء البريطانية السابقة مارغريت ثاتشر، فريدريش فون هايك واستطاعت حتى بداية التسعينيات من القرن الماضي ان تؤسس مركزيتها العالمية. هذه المركزية قوامها ان 500 شركة من 30000 شركة متعددة الجنسيات صارت تسيطر على 80٪ من انتاج العالم و75٪ من حركة تجارته. وقد ساعدها على انشاء مركزيتها وتعزيزها عدة عوامل في مقدمتها اولا، سقوط جدار برلين عام 1989، وأهمية هذا السقوط لا تكمن فقط في تحرير الشعوب الاسرى في الامبراطورية السوفييتية، ولكنها تبرز أكثر في انه رجح كفة ميزان القوى في كافة انحاء العالم نحو اولئك الذين يدعون الى الحكم الديمقراطي والتوافقي الموجه نحو الاسواق الحرة. ثانيا، في عام 1991 مع استنفاد الهند العملة الصعبة، قرر منموهان سينغ وزير مالية الهند انذاك ورئيس وزرائها فيما بعد فتح الاقتصاد الهندي، وبحسب تارون داس رئيس اتحاد الصناعة الهندية آنذاك، قفز النمو في الاقتصاد الهندي – الذي ظل يراوح لعدة سنوات عند حدود 3٪ الى 7٪ بعد ثلاث سنوات من قرارات الغاء الضوابط التجارية. ثالثا، فتح سقوط جدار برلين الطريق امام تشكيل الاتحاد الاوروبي وتوسعه من 15 بلدا الى 27 بلدا، وحلول اليورو كعملة مشتركة لمعظم بلدانه. رابعا، في 22/5 /1990 صدر (ويندوز 3.0) الذي حقق الاختراق الاول في عالم الحاسوب الشخصي، اذ سهل استعماله، وصار بالامكان وصل الحواسيب الشخصية بالهواتف وارسال البريد الالكتروني عبر مقدمي خدمة الانترنت، القفزة الاخرى تحققت عام 1995 باطلاق (ويندوز 95) المجهز بدعم مبيت للانترنت وتوفرت برامج التصفح ليس فقط بأمر الانترنت، ولكن عبر تطبيقات الحاسوب الشخصي ايضا. هذا التطور اطلق العنان للثورة الرقمية ولربط ملايين البشر مع بعضهم بعضا، والمهم بالنسبة للمركزية الناشئة المزيد من القوة وعلى عدة مستويات فقد رفع اسهم الدوت كوم بطريقة صاروخية، وفتح الباب على مصراعيه للاستثمار الهائل في اسلاك الالياف الضوئية على الارض وتحت المحيطات، ما خفض فيما بعد بشكل دراماتيكي كلفة الاتصال وارسال البيانات الى اي مكان في العالم. وساعد ذلك كله في تحطيم الاقاليم واستحدث شبكة تجارة عالمية مفتوحة بمعنى الكلمة وجعلها اكثر سلاسة، وصار من السهل وشبه المجاني نقل الاعمال المحولة الى ارقام وتحويلها الى اعمال المعرفة في البلدان المنخفضة التكاليف. هذا التطور زاد من قدرات مركزية الاسواق، من خلال التوسع في التجارة الالكترونية وسهولة التحويل المالي عبر الاعمال المصرفية. وقد فتح ذلك كله المجال لتلزيم الاعمال ليس فقط الصناعية في مناطق ذات ايدي عاملة رخيصة، ولكن ايضا الاعمال الخدمية الاخرى. فالآن شركات المحاسبة الامريكية في فـــلوريدا وواشنطن ونيويورك تتعاقد مع عدة محاسبين هنود يعملون في منازلهم بالهند لاعداد الاقرارات الضريبية لزبائن شركات المحاسبة في المدن والولايات الامريكية، وانجز في عام 2005 وحده زهاء 400 الف اقرار ضريبي من قبل محاسبين هنود يعيشون في مدنهم بالهند. ان التلزيم والأتمته والثورة الرقمية وعالم الروبوتات كلها سمحت بتنوع انتاج السلع والخدمات ووفرتها بكلف اقل وانتشار اوسع وتوزيع اكفأ وبالتالي استهلاك اعلى.
هذه التطورات رسخت مركزية الاسواق ووسعت قوتها عموديا وافقيا لتشمل العالم كله، لاسيما بعد انشاء منظمة التجارة العالمية (الجات) التي تتولى توقيع العقوبات على من لا يذعن لسياسة حرية التجارة، وبعد ان اضحى البنك الدولي وصندوق النقد الدولي IMF الادوات التي تستخدمها المركزية العالمية لتفرض على الحكومات الآليات الخاصة بتحرير رأس المال، وتحرير الاسواق المالية والنقدية، بالتخلي عن معظم الضوابط التقليدية التي كانت تسير العمل المصرفي والنظم النقدية لعهود طويلة،.
ان ضحايا مركزية الاسواق ليس فقط تلك الدول والمجتمعات التي تعاني الضعف في اقتصادياتها وسياساتها، ولكن ضحاياها الملايين التي ألقت بهم مركزية الاسواق في فرنسا والمانيا والنمسا وبريطانيا وايطاليا والولايات المتحدة الى قارعة البطالة.
كل ذلك دفع شعوب هذه البلدان الى استهلاك رأسمالها الاجتماعي لتتفاقم الجرائم، ومن هنا فليس غريبا ان ينفق المواطنون الامريكيون على حراسهم المسلحين ضعف ما تنفقه الدولة على الشرطة. وهكذا أضحت المركزية العالمية للاسواق تعيد تقسيم المجتمعات الى قلة قليلة من الرابحين وأغلبية ساحقة من الخاسرين المهمشين.
كل ذلك دفع بتعاظم النزعات العنصرية والقومية والاقليمية، وبالتالي البلقنة والتفتت عبر انفراط عقد الصلة بين الثقافات، وانقسام العالم إلى أحياء مغلقة على نفسها. وهبت عاصفة التمايز التي فجّرت الهويات، وأججت خلافات روحية تتعلق بالذاكرة الجمعية والهوية والتاريخ ؛ مما حفز الفوارق الإثنية والدينية للصعود، فأنشئت الحواجز بين المجموعات البشرية وهذا ما لم يتوقعه أنبياء الليبرالية، ثم جاءت الأزمة المالية العالمية عام 2008 التي قامت بفرض تدابير الحماية مثل: الحواجز التجارية، وتدابير حماية الأصول، وردود الفعل المضادة للاستثمار المباشر الأجنبي، والسياسات التي تحابي العمال المحليين والشركات المحلية، والتدابير المناهضة للهجرة، وفي بعض الحالات الصعود الصريح للأحزاب العنصرية.
وقد خلفت كل هذه المتغيرات وراءها أزمة سياسية مزمنة في انظمة الحكم الغربية. ففي الولايات المتحدة، ساهمت هذه الحقائق الاقتصادية الصعبة والقاسية في إحياء الانقسامات الأيديولوجية والحزبية، حتى إن الكابيتول هيل أضحى الآن يخلو إلى حد كبير من الوسطيين أو مؤيدي الحزبين معاً؛ ويعمل الاستقطاب الناجم عن ذلك على وضع البلاد في عقدة متشابكة تشل النظام السياسي عبر المواجهة المستفحلة بين الحزبين. وفي الوقت نفسه، تأخذ أزمة الحكم في أوروبا شكل إعادة تأميم سياساتها. وتثور الجماهير هناك ضد الاضطرابات المزدوجة الناجمة عن التكامل الأوروبي ومركزية السوق العالمية معاً. وكما هو الحال في الولايات المتحدة، فإن الظروف الاقتصادية هي السبب الجذري للمشكلة، مما ادى الى تقلص الطبقة المتوسطة بنسبة 13٪ بين عامي 2000 و2008. وتفاقمت الامور بشكل أسوأ بعد تقليص أنظمة الرفاهية الاجتماعية المريحة في أوروبا، ومن جانبها، ظلت اليابان تسير سياسياً على غير هدى منذ تنحى جونيتشيرو كويزومي عن رئاسة الوزراء عام 2006.
ان البلقنة التي يشهدها العالم على عدة مستويات لم تستثن عالم العولمة الافتراضي الذي يمثله الانترنت، فقد تزايدت المخاوف بسرعة حول الخصوصية والتجسس الحكومي والقرصنة، وأصبح هناك تحد قد لا يمكن إيقافه مكون من تحالف كل من أصدقاء أمريكا ومنافسيها. فالمعركة المقبلة سيتم خوضها في بوسان، كوريا، في غضون بضعة أسابيع، خلال اجتماع الاتحاد الدولي للاتصالات. ففي هذا الاجتماع، سوف تحاول الدول المنافسة مرة أخرى انتزاع السيطرة على الإنترنت، بموجب عقد مع حكومة الولايات المتحدة، وهو ما حاولت هذه الدول فعله في ديسمبر الماضي في دبي. وإذا نجحوا في ذلك، فإن هذا قد يؤدي إلى نهاية العالم كما نعرفه. لن يكون هناك إنترنت. سيكون هناك العديد من الشبكات الوطنية والمحلية فقط. تم إنشاء شبكة الإنترنت لتجاوز الحدود في الاتصالات الرقمية، سواء كانت تلك الحدود حدودا وطنية أو ثقافية، ومع بدء الحدود الرقمية في الارتفاع، سوف تبدأ تكلفة ممارسة كل شيء في النمو، وسوف تبدأ دول العالم مرة أخرى بالتباعد.
ان تفتيت الإنترنت بدافع الرغبة بالسيطرة الوطنية سيسرع في قدوم نهاية الحقبة الثانية من العولمة، وقبل ذلك من المرجح أن تنمو البلقنة على المستوى العالمي من جديد. وسنواجه عالما فيه احتكاك عالٍ بين الدول، وفرص متنامية بسرعة لحدوث الصراعات.

٭ كاتب وصحافي عراقي

عصام فاهم العامري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية