«دافعوا عن وطن هيفاء وهبي». تحت هذا العنوان يجري حديثاً تداول مقال قديم للكاتبة الجزائرية أحلام مستغانمي، ويبدو أن المقال يستعاد بشكل متجدد في مواسم عديدة، استعادة دفعت بالكاتبة ذات مرة لأن توضح، في تغريدة، أن المقال يعود للعام 97، وأنه نشر حينها بعنوان «بلاد المطربين أوطاني».
مستغانمي تتحدث بحسرة عن الأوطان، التي باتت تكنّى بأسماء مطربين لا أبطال، فبعد ما كان يقال عن الجزائر «بلد الأمير عبد القادر»، أو «بلد المليون شهيد»، باتت تسمى «بلد الشاب خالد»، أو «بلد المشاركة الفلانية في برنامج ستار أكاديمي». لا تكتفي الأديبة النجمة بالتهكم من شخصية مواطنها الشاب خالد، بل تتعداه إلى أسماء أخرى. تكاد تغطي وجهها حين تذكر أسماء بعض المغنيات، خصوصاً عندما تنسب إلى ستالين نداء يوجهه للروس مستنهضاً إياهم للقتال ضد النازيين قائلاً «دافعوا عن وطن بوشكين وتولوستوي»، لكن الأديبة تتلفت حولها فلا تجد معادلاً للأديبين الشهيرين، تقول لنفسها لا يعقل أن ننادي بالقول «دافعوا عن وطن هيفاء وهبي وإليسا ونانسي عجرم ومروى وروبي وأخواتهن». ومن هنا استلّ ناشطو العالم الافتراضي العنوان الجديد لمقال مستغانمي.
لا ندري لماذا تصرّ الكاتبة على أن تكون الأوطان حكراً على بوشكين وتولستوي، فقد تكون هي بالذات أول المتضررين. ثم إن وطناً كل أبنائه «بوشكينات» سيكون وطناً لا يطاق، فلا بد من نانسي وأخواتها، من قال إن الوطن يجب أن تكون دعائمه الجماجم والدم، على ما يقول شاعر، ربما كان أفضل أن يكون وطن العاديين، من دون أي داع للقلق، فـ «في كل عصر هناك أناس من كل العصور»، ولا بدّ للوطن، إذا كان وطناً بحق، أن يكون للجميع، بمن فيهم المجرمون واللصوص والمجانين.
نعم، إنه وطن هيفاء وهبي، مثلما هو وطن أحلام مستغانمي، وسيبقى، مع ذلك، يستحق الدفاع عنه، حتى النفَس الأخير.
فتاة النابالم وعمران السوري
انتصرت «فتاة النابالم»، الصورة الصامدة من حرب فيتنام لطفلة في عمر التسع سنوات تهرب عارية من جحيم القصف، على شروط «فيسبوك»، حين عمد الأخير إلى حذف الصورة بحجة اختراق الصورة لقواعد الموقع الصارمة بخصوص العري. الأمر كان أثار جدلاً واعتراضاً، ولا سيما مع رئيسة وزراء النرويج إرنا سولبرج، التي انتقدت «فيسبوك»، وقالت إن ليس في إمكان الموقع الأزرق أن يغيّر التاريخ، أن يلغي هذه الوثيقة التاريخية.
انصاع «فيسبوك» وفكَّ الحظر عن الصورة، فمن الواضح تماماً أنها لا يمكن أن تندرج في إطار الصور الإباحية، كذلك لم يكن نشر الصورة ليسيء إلى مصير الطفلة، وبالعكس، يمكن القول إن مصيرها الشخصي تحوّل بشكل إيجابي، فعندما كبرت البنت كانت واحدة من سفراء الأمم المتحدة للسلام، أما على الصعيد العام فكان للصورة أن تغيّر مسار الحرب.
يبدو الأمر وكأنه استكمال لنقاش مماثل جرى على قناة «فرانس 24»، بمناسبة صورة عمران الطفل السوري، الذي تعرضت عائلته للقصف في مدينة حلب، ورفضت القناة عرض الصورة حفاظاً على خصوصية الضحايا. علماً أن الصورة، قياساً إلى «فتاة النابالم»، لا تثير أي حرج.
لا شك أننا مع احترام خصوصية الضحايا وكرامتهم، ولكن قوانين الإعلام لا يجب أن تكون متخشبة إلى هذا الحد، فليس كل عري هو خرق لقواعد الاحتشام. وليست كل صورة لطفل فيها انتهاك لخصوصية.
عاصفة في دهوك
عاصفة من الاستياء والغضب قوبل بها فيلم المخرج الكردي حسين حسن «العاصفة السوداء» لدى عرضه أخيراً في مهرجان دهوك للأفلام. اعترض جمهور وكتّاب وبرلمانيون ورجال دين من الأيزيديين على تصوير المخرج لقصة ناجية أيزيدية، حيث يسلط الفيلم الضوء (حسب ما روت تقارير إعلامية) على أحوال ما بعد النجاة، وصول البنت إلى ذويها والإحساس بالعار والرفض الذي تقابل به، وصولاً إلى التلميح بأن الأمر وصل إلى حد قتل البنت في النهاية.
أهم ما يقوله المعترضون إن المجتمع الأيزيدي عاملَ بناته الناجيات من قبضة «داعش» بكل الاحترام الذي يليق بهن، وبالتالي فإن الفيلم قد جانب الواقع. وغالباً ما يؤكد أصحاب هذه النظرة حجتهم بالقول إن المجلس الروحاني الأيزيدي وجّه بضرورة معاملة الناجيات بالاحترام والتقدير، ما يشي بأن قلقاً ما كان يساور قادة المجتمع الأيزيدي من تعامل غير لائق مع البنات الناجيات.
لم يقل أحد إن فيلم «العاصفة السوداء» وثائقي، فهو فيلم روائي، من الخيال، وليس مقياس قبوله ونجاحه مطابقته للواقع، وقد يكفي أيضاً أن يلحظ المبدع شعوراً صامتاً بالعار، أو رفضاً موارباً، كي يبني عليه قصته. لا شك أن جزءاً من مهمة الفن أن يضع المجهر فوق تلك الدقائق من حياة الناس، ولن يكون عرضها شكلاً من أشكال نشر الغسيل الوسخ، كما جرت العادة أن يسمى هذا النوع من الفن الكاشف لمصائبنا.
لقد سمعنا كثيراً من القصص، هنا أو هناك، في مجتمع الأيزيديين أو سواهم، عن الناجين والناجيات من «داعش» أو من النظام السوري، الكثير منها ما زال مخفياً بداعي الخوف من ذلك العار، ما يؤكد أن القتل، حقيقة أو مجازاً، متوفر بكثرة.
السينما ليست عاراً، هي تصبح كذلك حين تعمد إلى إخفاء ما لا ينبغي إخفاؤه. سينما الجريمة والقتل والمافيات والمخدرات والعنف لا تعني أنها تريد أن تذل كرامة مجتمعاتها.
هذه السينما أكثر صوناً لكرامة الأيزيديات من اعتراض يتخفى وراء ستار الكرامة والوطنية، وما إلى هنالك من ملاذات.
العطب في مكان آخر
تشارك الفنانة السورية ميسون أبو أسعد في عضوية لجنة تحكيم مسابقة الأفلام القصيرة في مهرجان الإسكندرية لدول حوض البحر المتوسط، كان بديهياً أن ذلك سيعرّض إدارة المهرجان لانتقادات كبيرة، فما هو رصيد البنت، سواء من الدراسة الأكاديمية، أو من الخبرة، هي التي لا تلوي سوى على بضعة أدوار في مسلسلات تلفزيونية مغمورة، مأمورة بأوامر النظام السوري. لكن هذا غيض من فيض مصائب المهرجانات الفنية والثقافية العربية. لقد اعتدنا هذا الهزل، ولم نعد نرجو إصلاح المهرجانات وإداراتها، فالعطب في مكان آخر تماماً. وفي مصر بالذات سيقال ليتها كانت أكبر المشاكل.
كاتب من أسرة «القدس العربي»
راشد عيسى