بنات قوس قزح

(إلى س)

ابن مكّة والذئب
ذكرى نمر بوذا

في جبال الغرانيتِ.. تلك التي تتحدّرُ
من طائفِ الورْدِ والكرْمِ.. أو سفحِها
حيثُ لا عشبَ.. لا زرْعَ..
كانَ ابنُ مكّةَ يُقبلُ منْ شرْقها.. الذئبُ منْ غرْبها..
فإذا التقيَا.. هكذا.. صدفةً.. أوْ
تقاطعَ ظلاّهُما، تحتَ وابلِ شمس الظهيرةِ أوْ
عند ناشئةِ الليلِ؛ مثلَ نسيجِ الفراشاتِ..
ينتصبُ الذئبُ .. عينانِ نافذتانِ كما الأوْسُ.. ينظرُ في دَعَجِ العيْنِ..
حيثُ جديدٌ من الحزنِ ـ ما التقيَا ـ كان يبسطُ كفّيهِ فيها..
وينصبُ أذْنَيْهِ منْ دهشةٍ، ويَصُرّهما..

أَتُرى كان يُصغي لهذا الكلامِ المنزّلِ كالماءِ في بَرّهِ؟
المنزّلِ كالماءِ مِنْ ربّهِ؟

السماءُ هنالكَ مثلُ الهواءِ المُحَمَّضِ، موحِشةٌ أبدًا..
والكلامُ يجفُّ ويَعْرَى.. الكلامُ يسِفُّ ويَدْمَى
ـ أَأطعمَ ذئبًا كَمِثْلِيَ مِن جُوعهِ؟
أمْ تُرى كان آمَنَ ذئبًا كَمِثْلِيَ مِن خَوفِهِ؟
وابنُ مكّةَ يسألُ: هلْ هُوَ ذئبُ الخرافةِ ذَا؟
ذئبُ يوسُفَ.. ذاك الذي لم يكنْ ؟

وَقُرَيشٌ تُسائِلُ في دَارِ ندْوتِها:
أَتُرَى كان يُصْغِي إليهِ ويفهمهُ؟
كيفَ يفهمُ ذئبٌ كلامَ ابنِ مكّةَ؟ هذا الذي ليسَ يُفْهَمُ؟ بلْ
كيفَ كان ابنُ مكّةَ يفهمُ لغْوَ الذئابِ؟
ومنذُ متى؟

في جبال الغرانيتِ.. تلك التي تتحدّرُ
من طائفِ الورْدِ والكرْمِ.. أو سفحِها
يحدثُ الآنَ أنْ يقبِلَ الذئبُ من شرْقها..
وابنُ مكّةَ منْ غرْبها..

يحدثُ الآنَ ـ حيثُ الرصاصُ يُوَلْوِلُ
في لَيْلِ صنعاءَ أو عدنٍ..
في دمشقَ وبغدادَ..
يثقبُ نومِي ونومَكَ ـ
أن يتقاطعُ ذئبان.. ظلّانِ.. مثلَ نسيجِ العناكبِ..
يحدثُ لي الآنَ.. يحدثُ لَكْ
أنْ أُفتَّحَ كالكلبِ عيْنِي.. صباحًا/ تُفتّحَ..
أنظرُ/ تنظرُ.. فيهمْ..
تُرَى أيُّ ذئبٍ تسلّلَ منهمْ
إلى حُلُمِي؟ حُلُمِكْ؟
تتلَمَّسُني.. بيدِي.. وأنا بِيدِكْ
وهْوَ يَجْتَرُّنَا في دمِي.. وَدَمِكْ
وبرُ الذئبِ ذا؟ خَطْمُهُ؟ نابُهُ؟ فكّهُ؟
أيُّ ذئبٍ تلبّسَ بي؟
أيُّ ذئبٍ تلبّسَ بِكْ؟

الثالث المرفوع

كنتُ قابيلَ وهابيلَ، وكلٌّ كان وَسْواسي
وكلٌّ كان خنّاسِي..
وكلٌّ كانَ يُغويني «أنا ذئبكَ.. دَعْني.. لا تحلْ بيْني وبيْني»..
كنْتُ ذئبَيْنِ.. ولا أعرفُ حتّى الآنَ منذُ اقتتلاَ؛ أيَّهُما كان القتيلْ
كلُّ ما أذكرهُ هَمْسُهُما إذْ أخذتني سِنةٌ « فرصتُنا ذِي.. لا نضَيِّعْها «
وصوتٌ منهما إذْ شخصَتْ عيْنِي بعيدًا.. كالعويلْ

طواف

كانت تدورُ بنا عند الطوافِ يدٌ
ونحنُ سيّدتي في كفّها
سُفُنٌ تجرِي بِما تشتهِي حينًا
وحينًا بِما لا تشتهِي السفُنُ
كنّا طواحينَ ريحٍ عندها
بل جرارًا
في يدِ اللاعب الخزّافِ دائرةً..
ماذا إذنْ رابَنِي منهمْ وأوقفني؟
أكانَ بي زجَلُ الفَخّارِ سيّدتي
أمْ كان ينقصني
ملْحُ الأساطيرِ؟ أمْ ريشُ العصافيرِ؟ أمْ …؟
فَلَمْ يَلُحْ عَلَمُ الفردوْسِ لي
ولَمْ تلُحْ عَدَنُ

***

في الطريقِ إلى ليْلِ مكّةَ،
أذكرُ جِبْسَ الضبابْ
يتَهاوَى على جنباتِ الطريقِ،
وأنت إلى جانبي
ثمّ بردٌ قديمٌ تسلّلَ من أنجُمٍ غائراتٍ..
أنا كنتُ مشتغِلاً أتعهّدُ غرْسي..
وَمَا لمْ أكنْ قد غرسْتُ.. ولكنْ جَنيْتُ
وأسألُ هل هيَ أعيُنُنا عشِيَتْ
أمْ تُرى هيَ أوجهُنا تمّحِى في الضبابْ؟

***

كانَ صوتُ المؤذّنِ في ليلِ مكّةَ، يبْنِي سلالمَ؛
حتّى إذا بلغتْ عتباتِ السماءِ، تهاوتْ إلى الأرضِ..
ناشئةَ الفجرِ أسمعُ في طائفِ الوردِ والكرْمِ صوتًا
أصوْتِيَ أمْ هو صوتُكِ هذا؟
أكان نشيجَ ملاكٍ؟
أنا؟
لا أظنُّ فقد صِرْتُ أوقنُ منذُ بنيْتُ سلالمَ في القيروانِ،
بأنّ السماءَ التي شِمْتُ زُرْقتَها؛ لم يحِنْ وقتها بعدُ..
أنتِ إذًا؟
ربّما أنتِ أيّتها التونسيّةُ بنتُ الأمازيغِ والعرب الفاتحينْ

***

ليستْ إثاكا.. ولا أنت أوليس

هذه التونسيّةُ مثْلُ جزيرتِها هِيَ أوْ
مثْلُ عزلتِها
كيفَ تنفذ منها إليها؟
وتنفذ منكَ إليْكَ؟
وجربةُ ليستْ إثاكا.. ولا أنت أوليسُ..
تعرفُ أنّك يومًا ستبلغها
وترى ظلّ نجمتها يترَجّحُ وَسْطَ المياهِ..
أتسمعُها وهي تقرعُ أجراسها؟
وتنادي عليكَ.. وأنتَ تنادي عليها..
ولا شيءَ غيرُ صدَى حرْفِ مدٍّ ولينٍ..
إذنْ
سمّها الوردةَ التونسيّةَ.. تلكَ التي ليسَ تُقطفُ..
أو سمّها عشبةَ المستحيلْ

هل كان بابًا؟

هل كان بابًا من زجاجٍ، مغلقًا بيني وبينكِ؟ ربّما
وأنا أحاولُ أنْ أشقّ سدًى طريقي..
غير أنّي كلّما حاولتُ..
لاحَ هناكَ ظلٌّ.. حارسٌ.. شبَحٌ..
تُرى لبَسَ الطريق عليَّ أمْ
لبسَ الزجاجَ عليكِ أنتِ؟
أكنتُ أحلمُ؟ ربّما..

درس في الحساب

لابدّ إذن من سيّدةٍ مثلك
ترسم بورتريهات الأسلاف البحّارةِ..
من عرب وأمازيغَ وأيموهاغ
ترسم لي أسراب خيولٍ.. ورِعالَ نعامٍ..
إذ تصغي في الليل لطقطقة الأخشابِ على طرق الرومانْ

لكْنتها عطر الضوءِ
ويكفيني منها
أنْ أتعلّمَ كيفَ أعُدُّ من الواحِدِ حتّى الاثنيْنِ: «أنا.. أنتِ»..
وتكفيني منها ذكرى لطخات الحبرٍ
على أبواب مَدارِسِنا
إذ نجري تحت سماءٍ يغسلها البحرُ.. حُفاةً..
تحتَ سقوفٍ من ريش نوارسَ..
في شهر جُوَانْ

إيثاكا «بني باندو».. صباحا

ذيلُ قطّ على السطحِ
يكنس ظلَّ الهواءِ،
وسيّدةٌ ربّما هي وردتكَ التونسيّةُ تجمَعُ
في أزرقِ الصوفِ
شمْل سطوحِ منازلِها
مثلما يجمعُ الأزرقُ المرمريُّ رؤوسَ النخيلِ،
وتنزلُ.. يسبقُها عطرُها

يسألُ القطّ:
كيف إذن لم تطرْ هذه السيّدةْ
هذه النخلةُ المفردةْ؟

***

كان يكفي إذنْ
أن تسمّيَ وردتُكَ التونسيّةُ لونًا لأيّ مساء
ـ أيَّ لونٍ ـ
ليُقبِلَ سرْبُ فَراشٍ
وَيمْلأَ حجرتكِ الناصلةْ

***

كان يكفي إذنْ
أن تقول السماء
وتبكي قليلا على كتفيْكَ
لِيرْتَسِمَ الأفْقُ قوْسَ قزحْ

***

جنوة[جينوفا] الأحد 14 جوان 2015 صباحا: لها عطر اسمه»اتبعني»

الله هندسةٌ، ووجهُ التونسيّةِ وجههُ..
الأزرقُ الجَنَوِيُّ.. هذا الأزرقُ الصوفيُّ أزرقُها..
وأبعدَ في «بني باندو» تلوّحُ وردةٌ لسمائها..
وتكونُ لي الماغْنولِيا، منها؛ مطوّقةً بأنفاسِ الضبابِ.. الطقسُ هذا اليومَ أجملُ..
غير أنّ سماء جينوفا تكادُ..
محارةٌ منحوتةٌ لحسائنا هيَ.. فجأة يأتي أفارقةٌ بأخشابِ القباقبِ.. والمظلاّت الرخيصةِ..(كلّ شيءٍ صالحٌ للبيعِ..حتّى الناسَ.. بائعةَ الزهورِ.. هنا.. كمنجةَ باغنيني.. بيتَ كُولمْبُوسَ..)
والماغنُولِيا كانت بوجهِ المومياءِ.. يُمسّدونَ قرونهمْ مثل الحلازينِ..السماءُ تكادُ….
ـ مااسمُ العطرٍ سيّدتي؟
تقولُ: اِسْمُهُ:»اِتبَعْني»..
وأتبعُها.. رذاذٌ.. ثمّ ريحٌ.. ثم نوءٌ..
وهْي تُشرعُ لي مظلّتها.. ونحنُ معًا..
هنالك ..في شظايا الأزرقِ الجَنَوِيِّ.. هذا الأزرقِ الصوفيِّ.. أزرقِها.. يدًا بيدِ..

«بنات قوس قزح»: ديوان قيد الطبع/ دار آفاق ـ تونس

* كاتب وناقد تونسي

منصف الوهايبي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية