«بن قنة» محاربة أمازونية تقطع ثديها… وسهير القيسي عراقية بلا عراق

الحمد لله حمدا كثيرا، أن الكاميرا لم تكن جزءا من المشهد التاريخي والديني الذي تم نقله إلينا بالتواتر أو عبر الآيات القرآنية الكريمة أوالكتب التاريخية التي قصت علينا قصص الأولين، وأخص بالذكر ملحمة هدم الأصنام منذ سيدنا إبراهيم عليه السلام وحتى فتح مكة، ومدعى الحمد كامن بإسقاط المشهد الداعشي المصور على المشاهد التاريخية المكممة، والذي دفع كثيرا من الخلق للتعاطف مع الحجارة والاستبسال بالدفاع عن هذه الكائنات الصنمية على اعتبارها ذخرا أثريا لا تجب محاربته!
داعش برعت في استغلال فلسفة الفتح الإسلامي من خلال التمثيل الصوري وترجمة المشهد التاريخي كاميراتيا، مثيرة التعاطف الشعبي عبر مواقع التواصل الاجتماعي مع منهجها التدميري، فالتمثيلية الملحمية لم تكن سوى دغدغة لعواطف المسلمين الذين تعاملوا مع الصورة بحنين ساذج لقصص الأنبياء، وهنا تكمن المعضلة، فالأنبياء حاربوا الوعي المتسطح الذي أخطأ فطرته باختيار ربه، ولم يكن الإسلام قد انتشر أو عرف بعد ولهذا جاء الرسل، بينما نحن الآن نعيش في مجتمع إسلامي يؤمن بأن محمد عليه السلام خاتم المرسلين، فلماذا نرى في صورة هدم الأصنام فتحا جديدا؟
سهير القيسي في نشرة مساء الإثنين على الإم بي سي، كانت تتلو الخبر المصور وعينها على بلادها، التي تتعرض للغزو لا للفتح، وقد اقتحمت الجماعات الإرهابية متحفا يضم آثارا تاريخية، لغرض سياحي بحت، لم تكن هذه الإثار مرصوصة في معبد يؤمه أهل العراق لأداء مناسك العبادة والتذلل إلى الحجارة، لأن في العراق مساجد وكنائس ودور صلاة تؤدي هذا الغرض، والمتحف لا يتعدى دوره التوثيقي، فهو للفرجة تماما كألبوم الصور سواء كانت الصور للحجر أو البشر، تظل مجرد صور!
لم يكن يلزم سهير القيسي وهي تتحول من دور المذيعة إلى دور المشاهدة سوى أن تترحم على التاريخ، وتجري تعديلا بسيطا لبيت السياب الشعري: المتحف أجمل في بلادي من سواها والأصنام، حتى الأصنام هناك أجمل فهي تحتضن العراق، الذي لم يعد موجودا سوى على خارطة المتاحف الآيلة للسقوط في دكة الذبح!
بريق حنون، وآسر كان ينبعث من عيني هذه الإعلامية وهي «تصفن» في الكاميرا تستجمع قواها أمام مشهد مشروخ بالمهنية!
هؤلاء نحن وهذه بلادنا يا أيها الإعلام، فهل المطلوب منا الاكتفاء بالحيادية، والتأرجح فوق منطقة وسطى بين الدم والدم لا نستطيع بها حتى التبرع بحقيبة إسعافات أولية لمن يكتوون بجهنم الصورة!

خطأ في تأويل الصورة
عيب، ثم عيب أن نتهم الفاتحين الإسلاميين بالجهل، كي نبرر تمثيلية داعش، فأجدادنا وصلوا إلى جنوب فرنسا وبلغوا البندقية وإيطاليا على البحر الأدرياتيكي وبلاد السند وسط آسيا وما وراء بحري سيحون وجيحون ثم إفريقيا لا بل إن العرب أول من غزوا الفضاء وقد استندت العلوم الغربية الحديثة على نظريات علماء المسلمين الذين استمدوها من تفسـيرات الآيات القرآنية التي بلغت بروج السماء، ودونوا علم الخرائط والجغرافيا والـفلك، على يد ابن حـوقل وياقوت الحموي والإدريسي وغيرهم، لا بل إن التفسـيرات الكـونية للهنـدسة الكروية ودائرة الساعة كانت اكتشافا إسلاميا بحتا استدعته حاجة المسلمين لمعرفة اتجاه القبلة، فكيف لم يهتد المسلمون لأبي الهول وأهرامات الفراعنة يا منطق البلهاء؟
لم يستطع هارون الرشيد هدم إيوان كسرى والمسلمون كانوا يخترقون القلاع والحصون بالمنجنيقات وراية الله أكبر وحدها، فهل هذا هو الجهل المقدس أقبح أنواع الاستبداد في التاريخ الذي يقع في فخ الصورة، وهو يسحج للفتح الجديد الذي يهدم صنما من حجر ليستبدله بأصنام بشر، فأصنام تكسر أصناما، هذه هي اللعبة الآن، في زمن منكوس يرفع الفؤوس ويخفض الرؤوس، لم يخطئ نجيب محفوظ إذن حينما تنبأ بزمن يأتي على أمته يصبح فيه التخلف مدعاة لجلب السياح أكثر من الآثار، إن كان الدواعش يتنكرون بالملحمة التاريخية ليجملوا الصورة، فبماذا نتنكر نحن؟ هل نتنكر بداعش لنبرر خطأنا بتأويل القرآن أم هوسنا بتأليه الصورة؟
لم يتبق علينا سوى استذكار قصة الحمار الذي تنكر ليوقع غزالة في حبه، فلما تغيب عنها فترة مرضت، ولما سألها عن علتها قالت :غاب عني من أحبه، ذهب لصاحبه البغل كي يستشيره في أمرها، فنصحه بنسيان من تنشغل عنه بغيره، وبعد أن عاد لهيئته الحماراتية التقاها وقد اعترفت له بحب صورته المتنكرة وهي تشمئز من صورته الحقيقية، فهل كان يتوقع مثلا أن تقول له على طريقة سعد الصغير: بحبك يا حمار؟ رحم الله المثل المغربي الذي قال: «هبيل تزوج هبيلة وتهنات القبيلة، فبالرفاه والبنين يا عبدة الصورة!

ثرمومتر مغشوش
الفارق بين بن قنة والشاذلي، أن الأولى كانت تتعامل مع الحكام والرؤساء بمنطق صحافي يحاكم الضيف بالسؤال أو الاستنكار ومجابهة الموقف بما وراء الحقيقة، بينما الثانية كانت تعمل في جهاز استخبارات إعلامي أو ورشة ورنيش على طريقة عبد السميع اللميع، في مسرحية الأستاذ مزيكا، ولم يكن المايكروفون بالنسبة إليها سوى زامور خطر أو جرس إنذار مكسور لا يصدر رنينا حسب المثل الأمريكي، وبين هذه وتلك حلبة تنافس نصبها موقع السي إن إن العربي على فيسبوك للاستفتاء الجماهيري حول المرأة الأكثر تأثيرا، لتتصدر بن قنة القائمة بفارق كبير على الشاذلي حتى تخلخل ميزان الاستفتاء وطارت الشاذلي فجأة بفارق زئبقي بالثرمومتر الفيسبوكي، ثم أقفل التصويت لخلل في الوعي!
في يوم المرأة، التي تهز مهد طفلها بساعد، وبالساعد الآخر تهز العالم، يصعب علينا أن نتقبل فكرة استفتاء مشوه، نحزن فيه على الثورة التي أسقطت السيد وأبقت على خادمه، فالفوز بالتأثير قوامه إيجابية الأثر للشخصية المتنافسة، فأي أثر تتركه الجواري في بلاط الإعلام؟
يا جماعة هناك فرق بين من تسخر رسالتها لخدمة الحقيقة، وتصبح سادنة للحرية وبين من تخرج من غرف التحقيق وزنازين الصحون الطائرة على هيئة كائن حراسة، واللبيب من الإشارة!

هل سمعتم بالمحاربات الأمازونيات؟
قد لا أجد من يعبر عن بطولات بن قنة الإعلامية سوى أولاء المحاربات اللاتي كن يقطع أحد أثدائهن كي لا يعيقهن عن الرماية بالقوس، وقد انتصرن للغواية بالفروسية لا للعبة المرايا في حكاية بياض الثلج والأقزام السبعة!
قد نحتاج في هذا الزمن المنكوس إلى شعب من الأمازونيات الإعلاميات اللاتي برعن في خلق تناغم وانسجام فانتازي بين إله الحرب وربة الألحان، لنبرهن أن المرأة العربية ليست بضاعة بخسة في حقل الموضة والدعاية الرخيصة وليست جارية في قصص شهرزاد ولوحات المستشرقين الاستعمارية، إنما هي فارسة تحتفظ بثدي الحياة لأطفالها وتجز الآخر لتحمل قوسها وتسدد السهام إلى صدر عدوها، نحتاج إلى استفتاء يليق بشيرين العيساوي الأسيرة الفلسطينية التي قادت أكبر حملة للحرية على مواقع التواصل الاجتماعي فأيقظت الوعي العربي الغارق في سبات الكهوف اتجاه أشرف قضية على وجه البسـيطة : الحرية المصادرة في باستيلات العدو الصهيوني!
فلسفة قطع الثدي هذه مجازية، ولكنها تصبح ضرورة ملحة حين يصاب المايكروفون بحشرجة تقتضي استبداله بالقوس، بوركت الأثداء المقطوعة إذن، وتحيا ثم تحيا الأمازونيات، ربات الوعي وسادنات الحكمة.
فهل أكتفي أم أكتفي أم أزيد؟!

شط بحر العرب في غزة
آه منك يا تامر، جعلتني أحب حزن غزة في صوتك يا مسحال، سامحك الله، فالكهرباء التي تنقطع في القطاع تضيء في أحبالك الصوتية وأنت تتلو تقريرك من هناك، فكيف أعاقب صوتك وأغفر حزني؟
غزة التي تنام وتصحو في الظلمة، لم تكن فقط بطلة الخبر عند المسـحال، إنما هي بطلة متوجة في برنامج « بحر شط الهوى » الذي تبثه قناة الإم بي سي كل جمعة، حيث خصصت حلقة الأسبوع الماضي لجمع تبرعات لأهل غزة بعد العـدوان الصهيوني الأخير، وقد أدهشتنا بروح الانتماء الوطنية للمهاجرين العرب على متن سفينة كان أجدر بالبرنامج أن يطلق عليها اسم « بحر شط العرب »، وقد تظافرت العروبة فيها بروح قومية وإنسانية عالية ممثلة بالـغزي عصام شلطف والدكتور وائل والسيد إبراهيم وأيمن زبيب وغيرهم من الذين تسابقوا لبذل عرقهم في سبيل المساهمة بإعادة إعمار غزة، تحية للبرنامج وللمساهمين بهذه الفكرة الأخلاقية الكريمة، وللإعلام السياحي الذي يفكر بغيره!

كاتبة فلسطينية تقيم في بريطانيا

لينا أبو بكر

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية