بيت دجن: من كنعان وحتى التهويد

حجم الخط
0

يسعى هذا الكتاب إلى إحياء ذكرى بلدة بيت دجن الفلسطينية، التي تضرب بجذورها في التاريخ القديم، لكي تبقى مثالاً حياً على عشرات القرى والبلدات التي سعى الصهاينة إلى محوها من الوجود قبل النكبة وبعدها. وفصول العمل تتناول جذور البلدة في التاريخ (من الكنعانيين، إلى التاريخ القديم، فالعهود الإسلامية، والحروب الصليبية، والعهد العثماني، والانتداب البريطاني، وصولاً إلى تهويد فلسطين). ثمّ يبحث الكتاب في جغرافية البلدة، والسكان، والاقتصاد، والصناعة، والتعليم والثقافة، والمرأة، والأزياء الشعبية، والعادات والطقوس، ومقاومة الاحتلال، ونماذج من رجالات البلدة.
والمؤلف، أيمن جابر حمودة، ليس مؤرخاً ولا جغرافياً ولا أنثروبولوجياً، بل هو طبيب أخصائي بأمراض القلب والشرايين. ومع ذلك، فإنّ جهده المميز ينمّ عن سيطرة لافتة على عدد من مناهج البحث والتأليف، بينها اعتماد الوصف، وتحليل الوثيقة، وتدوين المرويات، واستقراء الصورة، وربط العادات والتقاليد بوقائع تاريخية وسياسية نظيرة، وما إلى ذلك.
وبهذا فإنّ العمل لا ينطلق من اختصاص محدد، وهذا بعض أبرز فضائله في الواقع، لأنه يشمل أنظمة بحثية متعددة. وأهميته الأبرز تكمن في استعادة تاريخ فلسطين المعاصرة، عبر التفحص الدقيق والمتأني لتاريخ بلدة بيت دجن، من أعمال يافا المحتلة، منذ الكنعانيين وحتى الساعة. ومن جانب آخر، لغة العرض مبسطة دون ركاكة، تتوخى إيصال المعنى وليس التفخيم والزخرف؛ والعرض ميسّر، يساعد في سلاسته حسن التبويب وتقسيم الموضوعات؛ والمصطلح يتحلى بدرجة عالية من الدقة لأنه مبسط بدوره وغير متكلف.
ومن الواضح أنّ المؤلف يصدر عن طموح علمي متعدد الأغراض، وطني وتاريخي وجغرافي وأنثروبولوجي وإثنولوجي، يسعى إلى إعادة تدوين التاريخ الفلسطيني الذي هدف الصهاينة إلى طمسه أو تشويهه أو اختزاله. وهو طموح يسهم، كثيراً، في تنمية إحساس المواطن الفلسطيني بتاريخه، القديم والحاضر. والأرجح أنّ هذا العمل الفريد سوف يفسح للمؤلف مجالات أرحب لإنجاز المزيد، وتشجيع سواه على الاقتداء به في تحقيق هذا الطراز الضروري من التأليف متعدد الأغراض.
ولم يكن مفاجئاً أن يصرّح حمودة، في ضوء الترحيب الواسع الذي قوبل به كتابه هذا، أنه يعكف على ترتيب موادّ جديدة حول البلدة، تتضمن التالي: المزيد من الوثائق، منذ أيام الكنعانيين وحتى النكبة؛ حاضر بيت دجن، من النكبة إلى أيامنا الحالية؛ عائلات البلدة، وصور الهويات وشهادات الميلاد؛ صور وخرائط لبيت دجن وما حولها، أيام الحربين العالميتين الأولى والثانية وفي العصر الراهن؛ تراث أثواب البلدة، ومحاولات الإسرائيليين نسبه زوراً إلى انفسهم؛ انطباعات فلسطينيين، من غير أهل بيت دجن، عنها؛ معالم تاريخية وحضارية مجاورة، مثل مطار اللد وموسم روبين؛ الطرق الصوفية في بيت دجن…
جدير بالذكر أنّ مصادر الكتاب وافرة، لا تقتصر على المراجع باللغتين العربية والإنكليزية، بل تقرأ الصورة والخارطة والوثيقة والمرويات الشفهية والأشعار الشعبية والأغاني والأهازيج. وثمة توظيف مدروس للمراجع الاجنبية، دون إفراط. لكن أصالة العمل تنبثق من تنقيبه العميق في باطن تاريخ البلدة، وربط مختلف الجوانب التي اكتنفت ذلك التاريخ، وتحليل ما ينتهي منها إلى تشكيل ظواهر عامة يمكن أن تنطبق على تاريخ فلسطين الشامل. وبهذا المعنى فإن مقدار الإبداع في الدراسة كبير ومتميز، والاقتباس أمين، والتوثيق جيد التوظيف.
هذه، إذاً، خطوة رائدة تشق الطريق أمام دراسات اخرى متعددة الأنظمة، حول تاريخ فلسطين عموماً، وتاريخ البلدات والقرى الكثيرة التي حاول المشروع الصهيوني محوها من الذاكرة المعاصرة، خصوصاً. وهي مساهمة جدية في إضاءة التراث الفلسطيني بجميع مكوناته، وجهد متميز في البحث، وأمانة في استخدام الوثيقة والمرجع، وبراعة في توظيف المصادر، وإخلاص في مخاطبة القارىء، واحترام للتاريخ دون تغليب العاطفة.
(٭) د. أيمن جابر حمودة: «لكي لا ننسى بيت دجن». دار ورد الأردنية للنشر والتوزيع، عمّان 2011، 348 صفحة.

صبحي حديدي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية