لم يمض على مراسم جنازة البطل التاريخي محمد علي ثمان وأربعون ساعة حتى قام شاب أمريكي من أصل أفغاني بدخول نادٍ ليلي للمثليين في أورلاندو بولاية فلوريدا فأفرغ مخزن بندقيته الآلية عدة مرات مخلفا 49 قتيلا و55 جريحا، قبل أن يقتل برصاص رجال الأمن.
ومع أنه من المبكر أن توضع الحقيقة كاملة حول ما إذا كان هذا العمل الوحشي جريمة نابعة من كراهية الشخص للمثليين فقط؟ أم أنه جزء من معركة تنظيم الدولة الذي سارع بتبني الجريمة كي لا يفوته عمل شائن في هذا الكون، بدون أن يكون له فيه نصيب.
لقد صوبت جنازة محمد علي كثيرا من الخطاب المغرض ضد الإسلام والمسلمين، وكانت فرصة لطرح بعض الأفكار التصحيحية من قبل العديد من المتكلمين من مسلمين وغير مسلمين، بل جاءت بعض الكلمات الأجمل من غير المسلمين، خاصة كلمة الحبر اليهودي مايكل ليرنر، الذي استغل المناسبة وذكّر الآلاف من الحضور والملايين من المتابعين بمأساة فلسطين، مطالبا نتنياهو بوقف قتل الشعب الفلسطيني. هذا الجو الإيجابي كان يمكن أن يستمر لعدة أيام، بل أسابيع، ويأتي بحصاد وفير لأن المتوفى ليس شخصا عاديا، بل بطل شعبي يحتل موقعا في قلب كل أمريكي من كل الأديان والاتجاهات والخلفيات.
جاءت الطامة الكبرى لتغلق الحديث فورا عن محمد علي وليحل محله الحديث عن الإرهاب والإسلام والكراهية والمثليين وسهولة التسلح وإرهاب تنظيم الدولة، الذي تمدد من أوروبا ووصل قلب الدولة الأقوى. هل ذلك صدفة؟ ليس من مهمتي أن أجيب عن السؤال بل من واجبي أن أطرح الأسئلة فقط.
كيف لنا نحن معشر العرب والمسلمين في الولايات المتحدة أن نعزز الخطاب الإيجابي الذي مثله إسلام محمد علي في حياته ومماته ضد النموذج الإجرامي الذي مثله إسلام عمر متين، والذي تلقفه المتطرفون الأمريكيون من أنصار دونالد ترامب وراحوا يوظفونه لشيطنة كل ما هو عربي أو إسلامي فلا فرق عندهم بين الاثنين.
محمد علي والنموذج المشرف للإسلام في العصر الحديث
ستبقى ذكرى محمد علي خالدة على مر السنين ليس لأنه فقط فاز بلقب بطل العالم في الملاكمة للوزن الثقيل ثلاث مرات، بل لأنه نموذج للإنسان المتمسك بمبادئه وقناعاته التي أخذها بكل بساطة وعفوية من الدين الإسلامي الذي انتمى إليه اختيارا وليس وراثة. إذن هو ليس من الذين وصفهم القرآن: «نتبع ما وجدنا عليه آباءنا» كما هو حال غالبية المسلمين اليوم الذين يأخذون الدين وراثة بدون تفكير أو تمحيص أو قناعة بل يتركون أمور التفسير للإمام أو الفقيه أو المفتي أو الخطيب أو أمير الجماعة. وأود أن أختار ثلاثة مفاهيم اقتنع بها محمد علي وطبقها عمليا في حياته ليكون نموذجا للمسلم الحقيقي في العصر الحديث.
الإسلام موقف شجاع
بالنسة لمحمد علي الإسلام الذي اختاره طوعا، يعني قبل كل شيء موقفا صحيحا شجاعا مبدئيا ليس خاضعا للمساومة أو انحيازا للشر ضد الخير. إنه الوقوف ضد الظلم حتى لو كان الظالم يتمتع بقوة خارقة وقادرة على العقاب. اعتبر أن الإسلام وقفة عز وكرامة لا مساومة فيها، حتى لو خسر اللقب الكبير والأضواء والمال ورغد العيش، وحتى لو انتهى به الأمر إلى أن يفقد حريته ويدخل السجن. كان يرى أن معركته الحقيقية ليست في فيتنام ضد ثوار الفيتكونغ، بل ضد العنصرية والتمييز والفقر والتهميش، الذي تعاني منه الغالبية الساحقة من السود في بلاده. لو كان محمد علي في بلد عربي وأخذ هذا الموقف لجز عنقه بالسيف في مكان عام، كما يفعل بعض من يحكمون ظلما وقهرا باسم الإسلام المحرف على مقاسهم ومقاس أولادهم، أو لقضى عمره في زنزانة موحشة أو ذوّب بالأسيد، كما يفعل بعض الطغاة أو أرسل إليه من يحسن استخدام كاتم الصوت أو طلب منه أن يعلن على الملأ أنه فاز بالبطولة بفضل توجيهات صاحب السمو أو السعادة أو الجلالة أو السيادة.
لقد كانت قوته الروحية أصلب من قبضة يده الحديدية. قرر أن يقف في وجه الرجل الأبيض فرفض التجنيد الإجباري عندما دعي للخدمة عام 1967 وهذه كانت نقطة التحول بالنسبة للملاكم الشاب عندما قال «إن عقيدتي تمنعني أن أقاتل من ليس بيني وبينه عداوة، ولا عداوة بيني وبين الفيتكونغ». فردت عليه المؤسسة البيضاء «ومنذ متى كان للفرد خيار من أمره في زمن الحرب – بلدك تناديك فلا بد أن تستجيب للنداء»، لكنه لم يستجب وقرر أن يخوض المواجهة إلى النهاية، رغم علمه بالثمن.
إن رفضه للخوف وقراره أن يواجه المؤسسة القوية منح السود طاقة مضاعفة ليخرجوا إلى الشوارع ويطالبوا بحقوقهم فكان جزءا مهما، ورمزا لحركة المطالبة بالحقوق المدنية التي قادها مارتن لوثر كينغ ومالكوم إكس وغيرهما، والتي أدت إلى إلغاء التمييز العنصري رسميا وإجراء أول انتخابات يشارك فيها الجميع بدون استثناء عام 1968. وسيذكر التاريخ أن محمد علي هو أول من حوّل الرياضة إلى سلاح ضد الحروب والتمييز والعبودية والتهميش وقوة تغيير إيجابية نحو العدالة والمساواة والتحرر.
الإسلام عطاء متواصل
الإسلام بالنسبة لمحمد علي كان بكل بساطة عملا ومساعدات ومشاريع، وانتصارا للمظلومين وليس طقوسا. كان يعرف أن المسلم الحقيقي ليس بمقدار ما يسبح ويحمدل ويطيل مدة السجدة ويدخل باليمين أو يطلق لحيته ويحف شاربيه، بل بمقدار ما يبني مشاريع يستفيد منها الناس. كان يبني المدارس والمساجد والجمعيات الخيرية والمراكز المجتمعية والمشاريع الإنسانية داخل بلاده وخارجها.وأود أن أذكر غيضا من فيض تلك المشاريع.
كانت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونسيف) من بين المنظمات التي تلقت مساعدات من محمد علي، ثم أنشا جمعية باسمه تدعى «برنامج علي للرعاية»، و»مركز محمد علي» في بلده لويسفيل في ولاية كنتاكي، و»مركز محمد علي لمرض الرعاش»، وجمعية «رياضيون من أجل الأمل» ومنظمة «هيلب يو إس أيه» ومنظمة «مشروع ميامي الخيرية»، وغيرها الكثير. كما أيد أو دعم ماليا ومعنويا جمعيات أو مؤسسات تعمل في مجالات عديدة مثل مرض الأيدز والنسيان والسرطان وأمراض الأطفال، ومراكز دعم العائلة والأمومة والمراكز الصحية ومراكز إيواء المشردين وجمعيات حقوق الإنسان ومحاربة الجوع ودعم التعليم وبرامج التغلب على الإعاقات العقلية ومحاربة الاتجار بالبشر ومكافحة العبودية.
وقد كان أحد «رسل السلام» لدى الأمم المتحدة حيث تم تقليده هذا الموقع الفخري عام 1998 ليعطي جهود السلام في العالم جزءا من وقته ووزنه وإمكانياته. وكنا نسلم عليه آنذاك ونلاحظ ارتعاشا في يديه وضياعا في نور عينيه، فلا يثبت نظراته في من يقف أمامه بسبب المرض، لكن حديثه القصير كان ما زال موزونا.
الإسلام تسامح ومساواة
كان محمد علي مواطنا ينتمي للعالم بأسره، لكنه ظل فخورا بأصوله الأفريقية وبعقيدته الإسلامية السمحة. باعد نفسه عن تعاليم الإيجا محمد ليقترب من الإسلام النقي في أواسط السبعينيات، عندما بدأ يدرس القرآن. أصبح وجهه مألوفا أينما حل وأينما ارتحل. دائرة أصدقائه كانت تشمل اليهودي والمسيحي والمسلم والبوذي واللاعقائدي. لم يكن يتدخل في خصوصيات أحد أو يسأل عن دينه أو عقيدته، وما إذا كان ملتزما بالصلاة أو الصيام؟ فهذه أمور كانت تقع ضمن دائرة الخصوصية الفردية. يتعامل مع الناس انطلاقا من أخلاقهم وسلوكهم لا بناء على عقائدهم. ولعل معركته الطويلة والأقسى مع المرض زادت نفسه تهذيبا وصبرا وسعة صدر وتحمل.
وافضل ما يصور تسامح محمد علي ما قاله عنه صديقه اليهودي لأكثر من خمسين سنة جيري أيزنبيرغ، الصحافي المتخصص بتغطية أخبار الرياضة في جريدة «ستار ليجر»: «الناس أهم ما في حياة محمد علي- ليس مهما إن كان الإنسان غنيا أو فقيرا، أبيض أو أسود، نجما مشهورا أو فقيرا يعيش على الرعاية الحكومية- لا يهمه اللغة التي يتحدث بها أو الإله الذي يعبد أو الجنس الذي ينتمي إليه». وليس غريبا أن نشاهد هذا العدد من الذين ألقوا كلمات الرثاء في جنازته من كل الأديان والخلفيات والأعراق. جنازته كانت صورة عن حياته، بل إنه خطط للجنازة وكانت كما أراد. أليس ذلك تجسيدا لقوله تعالى «يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا أن أكرمكم عند الله أتقاكم».
عمر متين والنموذج المشوه لكل ما يمثله الإسلام
أما النموذج الذي قدمه القاتل عمر متين فهو أسوأ ما يمكن أن يجسده أحد من بني البشر. فكيف يمكن أن يحسب على الإسلام والمسلمين من يرتكب مذبحة بهذه الوحشية؟ إنه قاتل ومدمن على تعاطي المخدرات والمشروبات الكحولية، وفوق هذا هو أحد المثليين الذين يخبئون طبيعتهم أو طبعهم وراء زواج فاشل فيتبعه بزواج ثانٍ فيصبح ممزقا بين صورة يريد أن يظهرها لأهله ولمجتمعه المسلم المحافظ، وصورة حقيقية أخرى يعيشها داخليا. تتصادم الشخصيتان كل يوم وكل ساعة. يذهب إلى نوادي المثليين ثم لا يريد أن يشاهده أحد. ثم يعود إلى الصورة الأخرى مختبئا وراء زوجته كي يعتقد أهله أنه إنسان عادي. وعندما وصلت الشخصيتان المتناقضتان حد التصادم لم يستطع أن يغلب واحدة على الأخرى فانهزم داخليا وأرادت الشخصية الظاهرة أن تنتقم من الشخصية الباطنة، فترجمت حقدا وغضبا على المثليين الذين يشدون جزءا من شخصيته إليهم، فكانت الجريمة النكراء. ويبدو أن فكرة إعلان انتمائه لتنظيم الدولة (إن صح الخبر) خطرت له وهو في طريقه لارتكاب الجريمة كي يعطي لموته معنى آخر، ويصنف جريمته تحت راية إسلام أبي بكر البغدادي فبئس النموذج وبئس الانتماء.
مسؤولية الخطباء
كلمة أخيرة أتمنى أن تصل مسامع خطباء المساجد في هذه البلاد. أتمنى عليهم أن يتذكروا أننا نعيش في عالم متشابك متغير متحرك لا مكان فيه لابن تيمية ولا ابن قيم الجوزية ولا أبي حامد الغزالي ولا محمد بن عبد الوهاب ولا سيد قطب ولا أبي العلاء المودودي. أمامكم جيل ولد هنا ويعيش في مجتمع مفتوح ومترابط. إنه جيل الإنترنت والتكنولوجيا. المطلوب أن يكون التركيز على خطاب التسامح وقبول الآخر والتعامل مع كل الأديان والأعراق والخلفيات. يجب ألا يحاسب الشخص على مظهره أو انتمائه أو طريقة تفكيره. لا أحد يحاسب الفرد إلا خالقه. يجب أن يكون التركيز على الإبداع في المدرسة والجامعة. نريد مزيدا من الكتاب والمحامين والصحافيين والسياسيين والمهندسين والمرشدين الاجتماعيين والرياضيين. فبدل تشجيعهم لأداء العمرة قبل سن السادسة عشرة شجعوهم على أخذ دورات صيفية في اللغات والمعلوماتية والرياضة وغيرها. شجعوهم على العمل التطوعي في الأحياء والمدارس والمستشفيات ودور المسنين والبلديات ومراكز الشرطة والحملات الانتخابية. بهذا الأسلوب التفاعلي الإيجابي نستطيع تغيير الصورة النمطية السلبية التي ندفع جميعا ثمنها، وإلا سنبقى بين فترة وأخرى نصطدم بعمر متين آخر يساهم في التطرف المضاد الذي أصبح له من يمثله حتى على مستوى الانتخابات الرئاسية.
* محاضر في مركز دراسات الشرق الأوسط بجامعة رتغرز
د. عبد الحميد صيام