بين «البعبع» الإيراني… واعتراف «الإخوان» بالثلاثين من يونيو

حجم الخط
11

■ قررت دول عربية أن ترد بالتصعيد في ملفات إقليمية سعيا للحصول على مكاسب توازن توقيع اتفاق فيينا، فيما صورت وسائل إعلامها ايران على أنها «البعبع» الذي «سيدمر العالم»، رغم أن الاتفاق يمنع طهران من صنع قنبلة نووية، ويفرض قيودا صارمة على استيرادها للاسلحة بشكل عام، خاصة الصواريخ البالستية، كما يخضع كافة المنشآت الإيرانية لبرنامج تفتيش صارم.
أما اسرائيل التي تملك بالفعل ترسانة من الرؤوس النووية قادرة على تدمير العالم مرات عديدة، ولا تخضع لأي قيود أو تفتيش، فانها تبدو مستثناة من الانزعاج العربي (..).
ويجب هنا التمييز بين اهمية التعامل مع المعطيات الاستراتيجية الجديدة التي يفرضها الاتفاق، وتصوير إيران على انها «بعبع» أو «كائن وحشي» يعتزم التصرف مثل «ثور في محل للخزف». الواقع ، كما يعرف من درسوا علم الصراعات الدولية، أن هناك دائما حدودا لاستخدام القوة، وأن المبالغة في التصعيد قد تأتي بنتيجة عكسية. وبكلمات أخرى فإن التهويل من اثار الاتفاق النووي يجعل بعض العرب وكأنهم «الايتام» الذين تركهم «العراب الامريكي» يبيتون في الشارع بعد أن اتخذ حليفا جديدا.
وحتى اذا تقاطعت المصالح الإيرانية الغربية في بعض الملفات، لن يكون دقيقا القول إننا امام تحالف جديد، كما أن الولايات المتحدة واوروبا لا تستطيعان التطبيع مع طهران على حساب دول الخليج، التي لا يستطيع بعضها أن يجد بديلا عن العلاقات الخاصة مع الولايات المتحدة بشكل خاص.
أما الموقف الرسمي المصري من الاتفاق فكان مرتبكا بشكل خاص، إذ لم تستطع وزارة الخارجية أن تعلن ترحيبا أو حتى (نصف ترحيب) خشية اغضاب بعض الدول الخليجية، رغم أن الاتفاق يتسق مع احد الاعمدة الاساسية للسياسة الخارجية المصرية، ألا وهو اخلاء الشرق الاوسط من كافة الاسلحة النووية.
واكتفى المتحدث باسم الوزارة (كوفئ مؤخرا على سبه احد زملائه على الهواء مباشرة بتعيــينه سفيرا في المانيا) بكلام انشائي بلا معنى، فيما لم تتردد دول مثـــــل الكويت والامارات وقطر بالترحيب الصريح والشجاع بالاتفاق، وهكذا اصبح النظام المصري «ملكيا اكثر من الملوك».
وبينما يستعد كبار المسؤولين الاوروبيين للتوافد قريبا على طهران، يبدو النظام المصري مصرا على «التخندق» وراء هذا الموقف الملتبس من ايران، وهو الموقف نفسه الموروث من عهد مبارك. ولا تعني اقامة علاقات دبلوماسية مع طهران بالطبع تأييد كل السياسات الإيرانية، وإلا ما كانت لبريطانيا والإمارات والسعودية نفسها علاقات معها، بل العكس هو الصحيح، اي أن وجود علاقات مصرية مع ايران قد يفتح الباب امام امكانية التأثير في السياسات التي يراها العرب ضارة بمصالحهم.
وبسبب موقعها الجغرافي، فان لمصر مصالح عظمى في التعاون مع ايران ضمن مجموعة البريكس الاقتصادية التي تضم الصين وروسيا والهند وجنوب افريقيا والبرازيل، وهذه تخطط لمشرعات كبرى تصل بين الشرق والغرب.
اما اقليميا فانه من غير المتوقع أن تشهد الملفات الاساسية اي تقدم، باستثناء الحرب على الارهاب، التي تستطيع ايران أن تقدم فيها للغرب والعالم فائدة جديدة للاتفاق النووي.

قمع وإرهاب

على الرغم من الهجمات الإرهابية والقوانين المقيدة للحريات، كانت أبرز السمات المميزة لذكرى الثلاثين من يونيو هذا العام، ومهما اتسع الجدل واشتعلت الخلافات بين أصحاب المواقف السياسية المتضاربة أو الاجندات الجاهزة، أنه يبقى يوما فارقا في تاريخ مصر والاقليم. وللاسف فإن ما يحدث اليوم من انتكاسة حقوقية بشكل خاص، لم يكن يخطر ببال أحد من الذين شاركوا في تلك الموجة الثورية الصادقة.
ويجب التمييز بين الثلاثين من يونيو والثالث من يوليو. ولا يعني هذا أن المؤسسة العسكرية لم تساهم في الحشد والتحريض على الثلاثين من يونيو، لكن لا يمكن لمن يعرف مصر، أو كان شاهدا على ذلك الحدث التاريخي أن يزعم انها صنعته أو بالغت في تصويره باستخدام الفوتو شوب أو ما إلى ذلك من مزاعم مدفوعة بالانحياز وانكار الواقع. وليس دقيقا القول بأن «جبهة الثلاثين من يونيو» قد انقلبت عليه، وإن كان صحيحا أن كثيرين ممن شاركوا فيها يشعرون اليوم بالاحباط وخيبة الامل، بل والمرارة ايضا بسبب عدم تحقق اكثر اهدافها، التي هي نفسها اهداف ثورة يناير، وانقضاض الفلول على مكتسباته، وحتى بعض المؤيدين حاليا لجماعة «الإخوان» مثل حزب «مصر القوية» الاسلامي، وحزب «غد الثورة» وبعض الشباب الذين غيبوا وراء القضبان من المشاركين في تلك الموجة ـ الثورة الشعبية الصادقة التي شهدتها مصر قبل عامين، وأدت إلى تحولات تاريخية تخطت الحدود، مازالوا يفخرون بأنهم نزلوا في الثلاثين من يونيو مطالبين برحيل حكم الإخوان، وباستعادة الاستقلال الوطني.
وقد اجريت حوارا مسجلا مع احد قادة «الإخوان» في بريطانيا، أقر فيه بأن «الملايين نزلوا ضد مرسي والإخوان في الثلاثين من يونيو»، لكنه يصر ايضا على انهم «لم يطالبوا بالانقلاب العسكري ضده»، حسب تعبيره. ولا اعرف لماذا لا يعلن «الإخوان» هذا الموقف ليقدموا دليلا على انهم مستعدون لمراجعة صادقة مع انفسهم اولا، فضلا عن شـــعبهم، مع وقف كامل لاعمال العنف التي يقر بها بعضهم علنا، وهم يستطيعون إحراج النظام أو محاصرته بشأن ملفات صعبة مثل احكام الاعدام. اما الثلاثون من يونيو فيبقى جديرا بدراسة معمقة، ازعم انها حتمية لفهم ما اسفر عنه ذلك اليوم من تحول تاريخي تخطت آثاره الحدود المصرية، إلى الاقليم بعد أن وجه ضربة تبدو قاضية إلى نهج وليس مجرد تيار أو جماعة، يعتمد على «تديين السياسية، وتسييس الدين واستغلاله لتحقيق مكاسب سياسية». وأزعم ايضا أن ذلك الفهم سيكون ضروريا لصياغة الحل السياسي، إن كان مازالت هناك امكانية لحل سياسي، للمأزق الحالي في مصر.

٭ كاتب مصري من أسرة «القدس العربي»

خالد الشامي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية