كانت العلاقة «شبه السرية» بين النائب الفلسطيني محمد دحلان والنظام المصري ضمن أكثر القضايا إثارة للجدل، وربما «الجاذبية فلسطينيا» بالنسبة إلى كثيرين، لم تخل من مبالغة إعلامية أو سياسية، وتكرست مؤخرا بعد قراره الإقامة في مصر، ما اثار تكهنات بأن القاهرة تعمل على تجهيزه خلفا للرئيس محمود عباس. بينما ذهبت مزاعم بعض وسائل الإعلام إلى ترك الامارات والتوجه إلى مصر بعد تورطه في الانقلاب الفاشل في تركيا (..). وكأنه بخبرته في رئاسة الامن الوقائي اعتبر انه سيكون هدفا أصعب لانتقام تركيا في مصر.
أما الواقع فإن كل هذه المزاعم التي تفتقر إلى دليل أو دقة، إفراز طبيعي لساحة فلسطينية تعاني من انسداد سياسي، ضمن فوضى وتدخلات إقليمية عديدة، وهذا امر ليس جديدا تماما، لكننا أمام حالة غير مسبوقة من تمزق عربي أسهم في تدهور فلسطيني ضمن تواصل الانقسام الداخلي بين حركتي فتح وحماس منذ عام 2007، للأسف الشديد. ولا ينفي هذا حقيقة تمسك الشعب الفلسطيني الصامد بحقوقه، وسط ظروف شديدة الصعوبة داخليا وإقليميا ودوليا. وكان طبيعيا أن تكون «الظاهرة» التي مثلها خروج دحلان من زعامة فتح عام 2011، بعد خلافه مع ابو مازن، ودوره المعروف في قطاع غزة الذي يمثل اهمية استراتيجية خاصة لمصر، سببا طبيعيا لنوع من العلاقات الامنية والسياسية الوثيقة مع القاهرة وعواصم عربية معروفة بينها ابوظبي. واستفادت تلك العلاقات من انقسام عربي مع أطراف أخرى، خاصة في أعقاب انهيار الإسلام السياسي عربيا عام 2013. واكتسبت قضية دحلان أهمية خاصة بينما اتسع الجدل الإعلامي حول احتمال حصول تغييرات في القيادة الفلسطينية لا تقتصر على حركة فتح، صاحبة الدور الأهم في الساحة الفلسطينية، بل قيادة السلطة الوطنية مع إعلان الرئيس الفلسطيني محمود عباس أكثر من مرة أنه لن يسعى للترشح في انتخابات رئاسية جديدة (في حال حصلت).
أما مصريا، فالحقيقة انه لا توجد خطة واقعية للوضع في فلسطين، حتى مع التصريحات التي صدرت عن الرئيس عبد الفتاح السيسي عن فلسطين، بدعوته للوساطة لتحقيق السلام، التي بدت كمبادرة بلا معنى، بل مجرد تبرير لتطبيع العلاقات مع اسرائيل، أو مكافأة مجانية باهظة إلى نتنياهو، وهو ما حصل بإرسال وزير خارجية مصر في زيارة كانت نتيجتها الوحيدة التقاط صور مع نتنياهو وزوجته وكأن العلاقات أصبحت (عائلية)، وهذا لم يحصل حتى في عهد المخلوع حسني مبارك الذي وصفته اسرائيل بـ(الكنز). وهنا يمكن التوقف عند هذه النقاط:
اولا: أن الملف الفلسطيني مازال محكوما بأجهزة أمنية مصرية تقيم حوارا مستمرا مع كافة الفصائل، وليست حركة حماس رغم الخلافات المريرة معها استثناء من ذلك. وهكذا فان القاهرة استقبلت محمد دحلان كقائد مخابرات فلسطيني وموظفيه وانصاره بعد إقالتهم من (فتح) قبل خمسة أعوام، وسمحت لهم بحق الإقامة تلقائيا. وحسب أحد هؤلاء فقد كانوا يواجهون ظروفا صعبة، إذ أن ابو مازن منع عنهم الرواتب ضمن الصراع السياسي مع دحلان. وهؤلاء يذكرون دائما كيف أن الزعيم الفلسطيني الشهيد ياسرعرفات لم يمنع الرواتب أبدا عن عائلات خصومه السياسيين، سواء من فتح أو أي فصيل آخر. ومن الواضح أن النائب دحلان نجح في تحسين معيشتهم بعد اقامتهم في مصر، ناهيك عن تقديمه لدعم واسع لكثيرين داخل فلسطين، بل وتحويله خصومته القديمة مع «حماس» إلى «تفاهم عمل براغماتي»، حسب أحد مساعديه، أتاح لأنصاره في مصر زيارة غزة بدون صعوبة، وهكذا تبدو إقامة دحلان في مصر مع باقي أنصاره أمرا طبيعيا بعد نجاحهم في توفير مقر للتواصل مع الداخل الفلسطيني.
ثانيا – إن القاهرة شعرت ببعض الحرج من الرئيس محمود عباس بعد توثيق علاقتها مع خصمه السياسي، لكنها أصرت دائما على رفض الجدال الاعلامي حول مستقبل الزعامة الفلسطينية، معتبرة أنه قرار لا يملكه الا الشعب الفلسطيني، كما أن علاقتها مع أبو مازن بقيت دائما في أفضل حالاتها، خاصة بعد تحالف مشترك ضد جماعة الاخوان وحركة حماس في 2013. وهكذا أقامت تحالفا موازيا للتعاون مع دحلان ضمن شراكة استراتيجية مع دولة الإمارات العربية المتحدة، تحول إلى «سر مكشوف»، خاصة مع نشر صور جمعت بين دحلان وقيادات أمنية مصرية وإثيوبية. ورغم أن كل هذا كان يفترض أن يكون سريا، فقد تحول إلى نكتة مصرية قديمة تقول إن الحكومة انشأت مطارا سريا اثناء الحرب مع اسرائيل، لكن موقعه اصبح بسرعة معروفا للناس جميعا لدرجة انه تحول إلى محطة يقف امامها الاتوبيس، وينادي السائق عندها لتذكير الركاب قائلا «محطة المطار السري يابهوات». وقد سمحت قناة مصرية مقربة من النظام مؤخرا بإذاعة حديث غير مسبوق مع أكاديمي فلسطيني مقرب من القاهرة وعمان أشار فيها بغير نفي للجدال حول عودة دحلان إلى رام الله بدعم مصري، ولابد أن اغلب المشاهدين المصريين استغربوا الترويج لهذا الموضوع، بينما تساءل اغلبهم حتما (ولكن من هو دحلان اصلا؟).
ثالثا- في رد لافت للاهتمام نقلت وكالة (آكي) الإيطالية للأنباء قبل عدة أيام عن مسؤول فلسطيني كبير أن «ما أعلنته اللجنة المركزية للحركة واضح، وهو انه إذا ما كان هناك لأحد تظلُّم، فإن بإمكانه اللجوء إلى مؤسسات الحركة وتقديم تظلمه، وقد قام بالفعل بعض الإخوة بذلك ويجري النظر في تظلماتهم حاليا». وأضاف «لا يدور الحديث عن أعداد كبيرة من الأشخاص، حيث لا يزيد العدد عن 20 قالوا إنه جرى طردهم من الحركة بدون وجه حق، وجار النظر في ملفاتهم».
ومن الواضح أن رسالة فتح انها مستعدة لانهاء طبيعي لملف دحلان، مع تذكير للجميع بانهم لا يحتاجون إلى المبالغة في تجاوز إرادة الشعب الفلسطيني وموازين القوى التقليدية داخل فلسطين. وربما يدرك كثيرون في القاهرة أكثر من غيرهم هذه الحساسية السياسية الفلسطينية عندما يتعلق الامر بحجم الزعامات الجديدة والقديمة. وحتى اذا كان للقاهرة أو غيرها ثمة مرشح مفضل اكثر من غيره، وهذا امر طبيعي، فانها لن تكون بالسذاجة التي تحرقه مبكرا. وبكلمات أخرى فإن أولئك الذين يبحثون عن مؤامرة لمبرر خارجي لرئاسة هذا المرشح أو ذاك أن ينزعوا اشواكهم بايديهم عبر صناديق الاقتراع، بدلا من إلقاء المسؤولية على أطراف لن تتردد في استغلال تحالفاتها في الخارج مهما كانت حقيقة حجمها أو قدراتها في الواقع.
٭كاتب مصري من أسرة «القدس العربي»
خالد الشامي