تابع العالم عن كثب حملة الانتخابات الرئاسيّة في أمريكا، وقد أفضت اليوم إلى هذه النتيجة التي فاجأت الجميع عامّة وخاصّة: فوز دونالد ترامب، بالرغم من أنّ الفرق بينه وبين هيلاري كلينتون؛ هو كالفرق بين الكوكا كولا والبيبسي كولا، كما قال بعض الفرنسيّين. وقد بدأ البعض يصرّح بأنّ تصويت المواطنين السياسي لم يناسب انتظارات الطبقة السياسيّة وتوقّعاتها، لا في أمريكا، ولا حتّى في بلدان أخرى كثيرة. ولا يتردّد آخرون في القول إنّ الأغلبيّة لم تحسن الاختيار، أو هي كانت ضحيّة خداع شعبويّ، وأنّ هذه الشعبويّة بدأت تجتاح العالم. وهذا سجال سياسي قد يتطوّر مع الزمن، وقد يفضي إلى التشكيك في جدوى الاقتراع أو الانتخاب المباشر؛ أو ربّما إلى التشكيك في الديمقراطيّة نفسها.
على أنّ ما يعنينا هنا هو الخطاب السياسي «المبتذل» الذي ميّز هذه الحملة؛ ولقد نزل بالسياسة إلى الحضيض، على نحو لم تعهده أمريكا بشهادة الأمريكان أنفسهم.
والخطاب السياسي هو بالمعنى الحصري خطاب حجاجيّ، هدفه الفوز بالسلطة. ومن الصعوبة بمكان أن نتصوّر صراعا سياسيّا دون خطاب سياسيّ. ولكن من منظور أوسع، يمكن القول إنّه مجرد خطاب علنيّ جماهيريّ في الشؤون العامة. وكلّ شكل من أشكال التعبير موضوعه طريقة ما في إدارة المؤسّسات العموميّة، والبحث في الشخصيّات السياسيّة، وسلطة الدولة، والقضايا الاجتماعيّة، إنّما مردّه إلى الخطاب السياسيّ. والسّياسة في أشمل معانيها هي علاقة الفرد بالمجتمع من ناحية وعلاقته بالسّلطة من ناحية أخرى.
ولعلّ الخطاب السياسي بالمعنى الذي سقناه، هو الذي «يبشّر» بقيام الدول وتماسك المجتمعات أو «ينذر» بسقوطها وانحلالها. على أنّه اليوم، صورة منعكسة من حاضر قلق مَجهُود، قد تضرب فيه الفوضى ويستحكم الاضطراب. ولذلك هو يختلف عن الخطاب الذي يمكن أن يسود في عصور الرخاء والاستقرار.
هو إذن باختصار مخلّ خطاب ينمّ عن اهتمام الإنسان بإدارة الدولة. ومن الطبيعي أن نرى فيه خطابا تأثيريّا من أهدافه دفع الآخرين إلى التفكير في أمر ما والاعتقاد فيه، وحثّهم على النهوض به. وهو يتمثّل مجال صراع بين المواطن والدولة، وبين القوى السياسيّة، وبين هذه والدولة. وبواسطته يمكن للمواطن أن يتعرّف إلى الوضع الاجتماعي والسياسي، وأن يعيد تعيينه وتحديده. أمّا من منظور تاريخيّ فإنّ هذا الخطاب يدين بنشأته إلى قدماء اليونان، وإن كان شهد انطلاقته في روما الشيشرونيّة (نسبة إلى شيشرون الخطيب الروماني المشهور) في فترة كان فيها هذا الخطاب أداة في الحِجاج والإقناع القانوني والسياسي.
بيْد أنّ هذا الخطاب من حيث هو نوع أو نظام لغويّ، لا ينطوي على بنية تركيبيّة خاصّة؛ وكلّ ما في الأمر أنّ انغراسه في الاجتماعي هو الذي يجعلنا نأخذه بالاعتبار كما هو. وربّما وقع في الظنّ أنّ التلقائيّة أو العفويّة هي القاعدة التي تنظّم هذا الخطاب أو هي التي تقوده وتوجّهه؛ أو هي نقطة انتشاره. ولا نخال الأمر بهذه البساطة، فالرواسم أو الكليشيهات أو الكلام المعاد والأفكار العامّة المبتذلة، والرموز المتعارَفةُ، وسياسة أو استراتيجيا استجلاب الأنظار واستهواء الجمهور، أو إغرائه وإغوائه وتجنيده؛ والمواقف المحرّضة المتواطئة، هي سرّ هذا الخطاب ومظهر قوّته. ولئن تعذّر جرد خصائص الخطاب السياسي كلّها، فإنّه يظلّ بالإمكان أن نذكر ملامحه الأساسيّة التي تجعل منه خطابا فريدا: فهو مسرحيّ ومشهديّ وطريقة مخصوصة في الإخراج. وهو استيهاميّ، بل فيه جانب «أسطوريّ» إذ يكاد لا يسود إلاّ بتزوير الواقع أو الحقيقة، ونشر الأوهام والوعود التي لا تتحقّق غالبا. على أنّه من شأن هذه المشهديّة أو «المسرحيّة» أن تتيح للسياسي أن يوسّع المسافة بينه وبين خطابه أو أن يضيّقها؛ على مقتضى استراتيجيا مخصوصة؛ وهو يجعل خطابه أشدّ تراخيا في الاستقبال (تبشير بأمريكا أخرى)، وأشدّ تراخيا في القدم (تذكير بأمريكا الماضي)، في آن.
هو خطاب يقوم على إدارة معجم سياسي عنصريّ حاقد، في هيئة مسرحيّة «خالصة»، ويتأدّى في سياق إنشائه لحظة بلحظة حيث الكلمة لا تقوم بذاتها قطّ، فهي تشتمل على تنغيم ما، وقد تكون ثائرة أو هادئة، أو ساخطة، والرجل(ترامب) اشتغل في تلفزيون الواقع، وربّما كان السياسي فيه ـ بسبب من ذلك ـ أشبه بمسترق السّمع أو بالمستمع المستخفي، أو هكذا كان يتخيّل نفسه؛ وهو يربط الكلمة بمعناها العامّي، على قدر ما يجلوها في قيمتها التـّصويريّة؛ حيث يجد ضالّته في فاعليّة «الكلام الوحشيّ» و»الحوشي» الذي لم يُروّض ولم يستحكم، حتّى يتصرّف في الخطاب وبه، وفق مشيئته. ونقدّر أنّه كان يفعل ذلك قاصدا متقصّدا. وممّا يعزّز من وجاهة هذا الطرح الخطاب «الرصين» الذي ألقاه بعد فوزه.
إنّ في تحريض ترامب مواطنيه البيض على أبناء وطنهم من مهاجرين وسود ومسلمين، والوعد بنقل سفارة أمريكا في إسرائيل إلى القدس المحتلّة؛ وقد يفعلها، ما ينمّ على أنّه قاد حملته بمكر ودهاء كبيرين، وهو يقرأ نوايا طوائف من الجمهور، ومشاغلهم، ليجعل من الخطاب السياسي الشعبوي أداة من أدوات إخضاعهم لقوانين وقواعد بعينها، أودفعهم إلى الامتثال لأصول من الحكم من شأنها أن تعيد إدماجهم في نمط من الحياة الاجتماعيّة والاقتصاديّة، قبل محوهم وتجريدهم من قيمتهم الفرديّة، بما يلائم فروضه ويساوق رؤاه.
غير أنّنا نشير إلى أنّ الاقتراب من الكلام المبتذل، ليس ابتعادا عن السياسيّة أو ضآلة حظّ من البراغماتيّة. فالكلام العاديّ أو المشاع أو المبتذل في السياق الذي نحن به، يتقصّده صاحبه، وهو يتوسّل بالعبارة العاميّة، وحتّى الرطانة، للسخرية من خصمه أو التهكّم عليه والاستخفاف أو الاستهزاء به؛ بل تصنُّع الجهل وإلقاء أسئلة مشكِّكة تُوقع الخصم في التناقض.
هذه الظّاهرة التي نسمّيها بـ «الكلام المبذول» أو «كثير الاستعمال»- على قلق التّسمية ـ إذ لا نملك مصطلحا آخر يفي بالمرام، قد تكون من أهمّ الظّواهر الي تسترعي النّظر في هذه الحملة التي ليس لها سابق في تاريخ أمريكا. خطاب يستلهم الكلام المألوف، مثلما هو يستلهم أيضا «الشّعبيّ» وهو ليس اللّغة المحكيّة، وإنّما مستوى أدنى بما يدلّ على أنّه خطاب يجري في الكلام الشّعبي الذي هو أقلّ صحّة وضبطا من «المألوف»، إذ يدور عادة على ألسنة العوّام الذين لم يُرزقوا حظّا وافرا من المعرفة.
وواضح أنّ ترامب كان يتّخذ ذلك وسيلة للنّيل من الخصم والغضّ من شأنه وإذاعة مثالبه؛ حتّى عندما يرد اللّفظ عامّا فضفاضا، ويجري مجرى «بديل انفعاليّ» ذي ميزة شفهيّة.
وربّما لا مناص هاهنا من التّسليم بالتّفسير الذي يقدّمه البعض من أنّ العوّام يأنفون من التّعبير عن المشاعر النّزيهة المترفّعة، ومن إظهارها، إذ يرون فيها علامة أنوثة وصبيانيّة، ويتّقون انفعالهم بأنواع من العنف والفحش يعتاضون بها عن شعور بالضّعف…والميزة الأسمى لديهم هي أن تكون فظّا.
وهذه إشارة يمكن أن نستثمرها في تعليل هذا النّوع من «التّهجين» المحكوم بانفعال المخاطب. فكلّما كان انفعاله أشدّ، تمحَّضت التّعبيريّة لديه باستجلاب الشّفهيّ القائم على نوع من التّنسيق «الاستطراديّ» الذي يحلّ محلّ التّنظيم الكلامي المحكم. ونقدّر أنّ هذا النوع من الخطاب هو شكل وراثيّ «تأسّليّ» أي عودة إلى طباع الأسلاف، والتّشبّه بهم في الأخلاق أو هو نوع من وراثة الأفكار والتّصرّفات المتحدّرة منهم.
ومن ثمّ تنوب الكلمات «الشّعبية» أو»السّوقيّة» مناب الكلمات «المألوفة»، وتردّ عليها قيمة الشّفهيّ التّعبيريّة. ونحن نؤثر أن نسمّي الأولى الكلمات الشّفهيّة، فهذا اصطلاح جامع مانع يجنّبنا الوقوع في أحابيل ثنائيّة ضدّية لا سند لها، من وجهة نظر لغويّة علميّة. ونعني «شرافة» الألفاظ و»وضاعتها»، إذ لا امتياز لكلمة على أخرى. ومن البديهيّ أن تنهض العلامة اللغويّة في هذا الخطاب، بنوع من الاستبدال الذي يتحصّل من محاكاة الشّفهيّ؛ بما يمكن أن يمثّل قطيعة وفسخ عقد وفصم رباط وتصدّعا في عالم السجال السياسي، وأسلوبا «خلاسيّا» في الخطاب حيث سجّل الكلام المتّسّق نسبيّا، يقاطعه سجلّ الشّفهيّ «الفجّ» ويخترقه. فإذا الخطاب منتظِم في أسلوبين جدّ مختلفين جدّ متعارضين. ولكلّ منهما قوانينه الخاصّة، وإذا الكلمة وقد لابسها الشّفهيّ أشبه بـ»صوت متقطّع» تشرخه «تأثّريّة» حادّة وقد لا نعدو الصّواب إذا اعتبرنا ذلك نوعا من إنزلاق السياسي، أو من جنوحه إلى الشّفهيّ الشعبوي حيث ينعطف الكلام، وينثني ويرتدّ بعضه على بعض، أو عدولا خطابيّا وانعطافا أسلوبيّا يتنكّب السّبل المطروقة المعهودة.
ولكنّه ينزع دون لبس إلى مناسبة «أفق التّوقع» لدى المتلقّي (الجمهور) فيلبّى حاجاته، أو يمالق تطلّعه. ولا غرابة أن ينحدر به ذلك إلى التكلّف والحذلقة، ويجرّده من قيمته الأخلاقيّة.
كاتب من تونس
منصف الوهايبي