رام الله ـ «القدس العربي»: كثيرة هي التوقعات التي تخرج عن المؤسسات العسكرية الإسرائيلية ومراكز أبحاث أمريكية وأخرى محلية. لكن الجديد كان توقعات الجيش الإسرائيلي التصعيد في الضفة الغربية. وتقرير أمريكي انتشر في الصحف يحذر من حمام دم ما بعد الرئيس عباس بخصوص خلافته. فيما الشارع الفلسطيني خائف من المستقبل المجهول الذي ينتظره رغم أنه عاش الكثير من الأحداث وبات يعتقد أن لا أسوأ من ذلك.
فبعد أربعة أشهر على الهبة الشعبية نشرت تقييمات جديدة لجيش الاحتلال الإسرائيلي تشير إلى اعتقاده بوجود محفزات كبيرة للتصعيد في الضفة الغربية إذا لم يتم القيام بخطوات لتهدئة الأوضاع عبر إجراءات اقتصادية أو التعاون الوثيق مع أجهزة الأمن الفلسطينية. هذه السنة ستحتم على الجيش الاستعداد بشكل أكبر للحرب وهذا لا يعني ازدياد محفزات الحرب وانما لأن في ظل أوضاع معينة يمكن وقوع الحرب. هذا هو السطر الأخير للتقييمات العسكرية الأخيرة.
ويعتقد جيش الاحتلال أنه على الرغم من حدوث انخفاض في عدد العمليات الفدائية حتى تلك التي تعتبر قاسية وكذلك في عدد التظاهرات التي تحدث في مراكز النشاط في الضفة إلا ان العمليات الأخيرة ـ في مستوطنات عتنئيل وتقوع وعناتوت وبيت حورون تشير إلى تغيير في التوجه، حيث بدأ «الفدائيون» بتنفيذ عملياتهم داخل المستوطنات. ويواصل الجيش الاعتقاد أن المقصود ليس عمليات منظمة وانما شبان ينشطون بشكل غير ممأسس بحيث يتم استلهام العمليات من سابقاتها. لكن سلسلة العمليات التي وقعت في المستوطنات تثير مخاوف في الجهاز الأمني من محاولة المقلدين تنفيذ عمليات مشابهة. وحسب التقييمات التي نشرتها الصحف العبرية فإن الحرب ستختلف عما تم تنفيذه خلال العقدين أو الثلاثة الأخيرة. ففي هذه الحرب قد تتم إصابة السفن واسقاط طائرات وربما اغلاق مطار اللد الدولي «بن غوريون». ويوضح الجيش أنه يتمتع بقوة «توجيه ضربة قوية» لكل من يمس بإسرائيل لكنه يحظر الاعتقاد أنه يمكن انهاء الحرب خلال 48 ساعة فقط.
وحسب الرأي السائد في الجيش فإن العوامل الخمسة التي تبلور الأمور بشكل رئيسي في الشرق الأوسط خلال العام الجاري هي التدخل الروسي في سوريا والاتفاق النووي مع إيران وتنظيم الدولة والمتغيرات في السعودية والتوتر على الحلبة الفلسطينية «التي لا تؤثر بشكل جوهري على الشرق الأوسط رغم أهمية الموضوع بالنسبة لإسرائيل».
ويتساءل الشارع الفلسطيني بشكل دائم حول إصرار القيادة الفلسطينية على المضي قدماً في موضوع «التنسيق الأمني» مع سلطات الاحتلال خاصة وأن هناك قرارا من المجلس المركزي الفلسطيني بوقف التنسيق الأمني وإعادة صياغة العلاقة مع إسرائيل منذ شهر آذار/مارس الماضي.
ويسود اعتقاد أن التنسيق الأمني مستمر مع الاحتلال ليس لأجل إسرائيل وحسب وإنما بسبب الخوف من انهيار السلطة وإمكانية تولي حماس سدة الحكم في الضفة الغربية. وقناعة القيادة الفلسطينية أن حماس واحدة في غزة تكفي.
من جهتها نشرت صحيفة «نيويورك بوست» تقريراً مفصلاً تناول قضية خلافة الرئيس عباس. وجاء فيه أن الخريف الماضي حمل تجاهل المسؤولين الأمريكيين والإسرائيليين لتحذيرات الرئيس عباس أنه سيحل السلطة الفلسطينية التي يرأسها. فقد كان في الماضي يطلق تهديدات مماثلة حالت دون أخذ تصريحاته على محمل الجد.
باستثناء البعض في رام الله بدأ التفكير أنه ربما بعد العام العاشر للرئيس عباس المدخن الشره والبالغ من العمر ثمانين عاما والمستمر في الحكم لعامه العاشر على التوالي في منصب مدة ولايته أربع سنوات فإنه قد يتوفى أو يتقاعد أو أنه بحاجة إلى قليل من الراحة. الرئيس عباس أفشل دائما مثل هذه المفاهيم وسجن المشككين والمعارضين الفلسطينيين أو أرغمهم على الصمت. لكن الآن حتى رجالات عباس الذين لم يقولوا له إلا نعم في السابق بدأوا بالإدلاء بتصريحات عامة يمكن بسهولة أن تفسر على أنها تحد لقبضته على السلطة.
فقد تساءل جبريل الرجوب بصوت عال: إلى أين يقود الرئيس عباس الفلسطينيين. أما محمد دحلان الرجل القوي السابق في حركة فتح والذي يتخذ من دبي مقرا له والذي يسحب سلاسل الضفة الغربية من بعيد زاد من انتقاداته للرئيس عباس قليلا. حتى كبار الموالين له ولفترة طويلة مثل كبير المفاوضين الفلسطينيين صائب عريقات ومدير المخابرات ماجد فرج بدا وكأنهما يفكران في معركة القيادة. وعندما اعتقلت قوات الأمن الفلسطينية مديرا كبيرا في مكتب عريقات في وقت سابق من هذا الشهر واتهمته بالتجسس لصالح إسرائيل تكهن سكان الضفة الغربية أن الأمر مدبر من قبل منافسي عريقات وأن الأمر محاولة لجعل صورته تبدو سيئة.
ولكن كلما ازدادت الهمسات حول معركة خلافة الرئيس عباس أدرك عباس انه يخاطر بخسارة قبضته على زمام الأمور. في الأسابيع القليلة الماضية جمع الموالين له ليؤكد لهم انه لن يذهب إلى أي مكان. ثم بدأت حملة لكبح جماح الهبة الشعبية والتي كانت قد بدأت في ايلول/سبتمبر والتي لم يُطلقها لكن بدا واضحاً أنه فقد السيطرة عليها.
أما اللواء ماجد فرج رئيس جهاز المخابرات العامة والذي أعطى مقابلة نادرة إلى «ديفنس نيوز» ومقرها نيويورك وتفاخر أنه منع 200 «عملية فدائية» واعتقل 100 فلسطيني. وفي الوقت نفسه سرب مسؤولون في رام الله للصحافيين انهم على وشك إطلاق حملة في الأمم المتحدة لمحاربة إسرائيل دبلوماسيا. وهذه من الأساليب التكتيكية بعيدة المدى التي يتبعها الرئيس عباس ليوحي بأنه أمسك بزمام الأمور ثانية. ولكن شئنا أم أبينا فإن الرئيس عباس لن يحكم إلى الأبد. ثم ماذا؟ لقد تجنب الرئيس عباس لفترة طويلة تسمية نائب أو خلف له لتجنب المنافسة المزعجة. لكن من الذي يقرر من هو التالي؟
وفقا للقانون الفلسطيني فإن رئيس البرلمان «المجلس التشريعي الفلسطيني» يتولي الرئاسة إلى حين إجراء انتخابات جديدة. لكن البرلمان لم يعقد منذ سنوات. والرئيس الحالي هو عضو في حركة حماس خصوم عباس الإسلاميين.
ويعتقد غال بيرغر مراسل الشؤون الفلسطينية في «راديو إسرائيل» أنه «عندما يحين الوقت فإن رجال فتح والذين بدأ التنافس بينهم على المنصب في الأسابيع القليلة الماضية سوف يقتتلون فيما بينهم وهذا الاقتتال والذي غالباً ما يؤدي إلى فوضى سياسية سيقود إلى العنف. وعندما ينتهي العنف فإن الرجل القوي الجديد سيبدأ بالظهور. وحينها لن تكون الدولة في فلسطين دولة مسالمة وديمقراطية».
فادي أبو سعدى