بيوت تسكننا: أقفال بلا مفاتيح/ مفاتيح بلا أقفال

أواخر الستينيات وأنا طالبٌ، نازل صاعد بين وسط مدينة تونس وكلية 9 أبريل أو من الحي الجامعي رأس الطابية إلى باب العسل؛ وكانت أياما عسلا على عسل، كنت أمر في غدوي ورواحي، بسوق سيدي عبد السلام؛ ولا أتصور أن في الدنيا، بشرقها وغربها، سوقًا أعجبَ من تلك السوق وأغرب؛ ففيها يعرض الباعة على الرصيف، وفي وسط الطريق بضاعة لا تخطر على بال المجانين: فوانيسُ كهربائية تالفة، وأقفال بدون مفاتيح، ومفاتيح بدون أقفال، وفردة حذاء يمين دون شمال، وشمال دون يمين. وأغرب ما في تلك السوق، أنْ تلقى تلك البضاعة رواجا، والناس يشترون ويبيعون؛ وصديقي «رينغو» يدلني إلى أقوم المسالك في البيع والشراء، وهو فتًى شهم نبيل، من حومة باب سويقة، وكان اسمه حمادي، ثم ذهب حمادي وبقي «رينغو»؛ حتى أطفاله صاروا ينادونه «بابا رينغو»؛ وهو يختار من كوْمة خردة مفتاحا، يقلبه ويفركه بين كفيه، ثم يشتريه ويضمه إلى حزمة المفاتيح التي تتدلى من حزامه؛ وأنا أرفع إليه بصري مستغربا، وألوذ بالصمت. ثم غادر «رينغو» إلى دولة الإمارات، في أواسط الثمانينيات من القرن الماضي، واستوطن هناك. ومنذ أيام هتف إليّ يسأل ويجيب، وقال لي وأنا أهم بقفل الخط: «يا منصف، هل مازلت تتذكر ذلك المفتاح في سوق سيدي عبد السلام؟ لقد وجدتُ له قُفْلا».
٭٭٭
قد تكون المدينة العربية الإسلامية من أقدم المدن التي جسدت مفهوم المدينة، من حيث هي مكان للقاء والتعارف. وهذا المفهوم ليس غريبا عن بنية المجتمع العربي قبل الإسلام، فقد عرف هذا المجتمع القبلي الأسواق الموسمية، التي يلتقي فيها أفراد من قبائل مختلفة، ليس لمجرد التبادل التجاري، كما قد يقع في الظن، وإنما للتبادل بمفهومه الأعمق الأشمل، أي التبادل الثقافي. ويكفي أن نذكر سوق عكاظ حيث كان يلتقي شعراء العرب، ويتناشدون أشعارهم، ويتغنون بأمجاد قبائلهم. ولعل هذا ما يفسر أن كلمة «سوق» تعني وظيفة التبادل التجاري ومكانه، كما جاء في دائرة المعارف الإسلامية. وتَسَوق القومُ إذا باعوا واشتَروا.
وفي الحديث «إذا جاءت سُوَيْقة أي تجارة، وهي تصغير السوق، سميت بها
لأن التجارة تجلب إليها وتُساق المَبيعات نحوَها. وقد حافظت حضارة الإسلام على هذه الخصوصية قرونا طوالا، أي على وظيفة السوق بعد أن وُضِعتْ لها شروطٌ وقوانين تنظمها. وبينما كان نظام المنافسة الحرة الذي يقضي ألا تقيد الدولة حرية الصناعة والتجارة، قائما في أوروبا، في اتحادات الحرفيين والسماسرة؛ أي في «الحرفية من حيث هي نظرية اقتصادية اجتماعية تقول بإيجاد مؤسسات حرفية نقابية تخول سلطات اقتصادية واجتماعية وسياسية؛ كانت حضارة الإسلام في الحقبة نفسها، قد ألغت ذلك من المدن؛ فمُنع الربا وحُددت شروط البيع والشراء.
إن وحدة المكان تفضي كما تقول زميلتنا أستاذة علم الاجتماع تراكي زناد، إلى وحدة المجموعة، وتحقق وحدة العقيدة. ولعل هذه الوحدة هي التي جعلت من المدينة في حضارة الإسلام مكان لقاء. وهو ما يسوغ إلى حد بعيد غياب الميادين والساحات العامة في هذا الصنف من المدن، بل إن هذه الكلمة لا وجود لها أصلا في العربية القديمة. وفي ما عرفت المدينة اليونانية مثلا ما يسمى Lagora أي مكان الاجتماع حيث يلتقي السكان في هذا الفضاء «الحر»، واحتفظت كل البلدان اللاتينية بهذا الفضاء الذي حمل أسماء مختلفة مثل: La plaza, La campo, La pizza, La grande place فإن المدينة العربية الإسلامية لم تستشعر حاجة ماسة إلى تحديد «فضاء فارغ» أو «بَراح» أو «خلاء» في صلبها؛ إذ كانت كل المؤسسات الحضرية تنهض بهذه الوظيفة، مكانا وموقعا. بيْد أنه كانت هناك ساحات تُسمى واحدتها «رحبة»، مخصصة للمبادلات الاقتصادية بين المدينة والريف؛ مثل «رحبة الخيول» و«رحبة الغنم» وما إليها. وفيما عرفت مدن الغرب التاريخية أماكن محددة خاصة باللعب واللهو وتزجية الفراغ، يلتجئ إليها السكان بعد العمل، أي اللعب الذي يجري على قواعد يضعها واضعوها بكامل حريتهم، ويمتثلون لها بكامل إرادتهم، بدون أن يسوق ذلك إلى القول بحرية مطلقة أو إرادة مرسلة مبرأة من كل إكراه أو من أي شرط خارجي.
وقد أفضى ذلك إلى جعل الفضاء المسرحي مجلى لمتعة اللقاءات، أو هو يعبّر بأدواته وأساليبه عن حدة المواجهة بين الأفراد، بسبب من التجمع الحضري وضغوطه. وهو ما يعني في جانب منه اقتران المتعة بالعدوانية، ويعزز الرأي القائل بأن اللهو والمشهد العموميين كانا تقليدا أو عرفا داخل التقاليد والأعراف، وأن المدينة الغربية كانت تحد بهذه الأماكن والفضاءات (أو «الأفضية» وهو الأصوب) من التوترات والمواجهات التي لا يخلو منها تجمع مديني أو حضري. وهي في كثير من الآداب الأوروبية صورة الزمن المكابد الذي يرتسم في صورة حسرة وحنين وذكرى متع مفقودة، وحضور امحى حيث تبتلى الذات وتعرب عن سريرتها، باعتبارها ذلك الجزء من الفرد الذي لا سلطان له عليه، والذي يَكِلُهُ إلى نفسه أعزل عاجزا.
ربما كانت المدينة العربية الإسلامية ـ على ضرورة تنسيب هذا الحكم ـ وهي التي تقيد نظام المزاحمة أو المنافسة الحرة، وتحتكمُ المعاملات فيها إلى منظومة من القيم الخلقية الدينية الصارمة؛ قد وفرت على الفرد مكابدة التناقضات والتوترات التي تسببها الحياة مع الجماعة عادة. وكان يستطيع من ثمة أن ينكب على حياته الخاصة، وسريرته أو عالمه الداخلي؛ فيضع فيه كل قواه وطاقاته وأحلامه. وهو ما يعني أن الفضاء الخاص يهيمن على الفضاء العام. وإذا أخذنا بالحسبان اقتران الزمني بالروحاني في حضارة الإسلام عامة، فإن المدينة هي الحيز الذي تتجسد فيه هذه الخصوصية، والفضاء الخاص هو الواصل بين الروحاني والاجتماعي. ومن هذا المنطلق فإن المسجد أو الجامع بما يحمل من معاني التجميع والضم والاحتواء والانعزال، بل الاحتشاد؛ يتمثل موضعا وفضاءً، وارتباطا بالأرض وخضوعا مطلقا للذات الإلهية؛ أي كل ما هو أفعال ومواقف محددة مثل التجمع والصلاة في هيئة خاصة وفي موضع بعينه. وفي هذا يقترن الحسي بالديني بالحيزي. أما المكان العمومي أو المقام أو الزاوية فيعني المكان المنعزل، مثلما يعني مكان التظاهرات الجماعية والاعتقادات التي يمتزج فيها عادة السحري بالروحاني، ولكن تبقى السوق كما سلفت الإشارة، دالة على وظيفة التبادل ومكانه.
إن كل فضاء عام في حضارة الإسلام، بما ينهض به من وظائف، ينشئ نفعية مخصوصة أساسها أن جمال الشكل هو محصلة توافق البناء أو الأثاث، وما يمكن أن يقدمه ذلك من نفع لمستعمليه، ويقوم به من تبادل في صلب الوحدة العمرانية؛ أي كل ما هو مشاركة ووحدة شعور وتقارب في هذه التجهيزات العمرانية المشتركة. على أننا نتحفظ على الرأي القائل إن هذا الفضاء العام ينطوي على «ديمقراطية» ينبغي أن تتحقق في صلب الجماعة، ذلك أن مَلْءَ الأرض أو شغلها أفقيا يمكن أن يرمز إلى فعل المساواة. فهذا رأي لا يقوم له سند في فضاءات أخرى، حتى ونحن نقر بأن مَلْءَ الزمن والفضاء بالممارسة، هو بالضرورة نتاج ثقافي؛ فالحمام مثلا وهو مرفق أساسي في المدينة العربية الإسلامية، يؤكد منزلة الجسد في حضارة الإسلام، و«يختزل» عبر الجدلية بين الحار والبارد، بين الجاف والبليل، بين العاري والمكسو، جدلية أعمق بين الحسي والمقدس، أو بين المادي والروحاني. أما الزاوية أو مقام الولي، فيجسد قطع الصلة بالفضاء الدنيوي، ويؤسس زمنه الخاص، بل هو زمن يضيق ويتجدد ويحيا ويموت. ولا ننسى أن لكل مقام يوما مخصصا في الأسبوع تتم فيه الزيارة؛ ففي تونس مثلا يزور الرجال مقام الولي بالحسن الشاذلي يوم الجمعة، ويزوره النساء يوم الخميس بعد الزوال.
إن هذه الفضاءات التي وسمت شتى رؤى العالم أو رؤى إدراكه عند سائر المسلمين، ولا تزال، تضفي من نفسها على الفروض الدينية وعلى العلاقات الاجتماعية بنية مخصوصة وكأنها مصدر الحقيقة المطلقة. على أنها اليوم، بما داخلها حتى في معمارها، من أوجه الحضارة الوافدة؛ بشتى مواثيقها واستعمالاتها، وقد طوتها هي وزمانها، وانتشر مكان وزمان جديدان على نحو ما تنتشر الصورة وتنفسح، وكأن انتشارها من ضيق فضاءاتنا على رحابتها، وانغلاقها على انفتاحها؛ ليست أكثر من مجلى الغياب الأقصى، بل غياب الذات نفسها؛ وهي تؤدي فعلا أشبه بفعل «التخالف» عند دريدا. على أنها ذات لا مكان لها و«لا مادة» فهي ليست مادة الكلام وإنما «اللامادة «الغيرية. وكأن هذه الفضاءات بيوت تسكننا بدل أن نسكنها، أو هي مفاتيح بلا أقفال، أو أقفال بلا مفاتيح. ولكن أين «رينغو» الذي وجد قفلا لمفتاحه؟ أين؟

٭ كاتب تونسي

بيوت تسكننا: أقفال بلا مفاتيح/ مفاتيح بلا أقفال

منصف الوهايبي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية