«بي بي سي» تشارك في معركة عفرين… حال الثقافة على «فرانس24»… و«داعش» عنوان جذاب في «العربية»

حجم الخط
3

في حلقة من برنامج «ثقافة» على قناة «فرانس24»، وكانت مقابلة مع النحات السوري علاء أبو شاهين، تقرأ مقدمة البرنامج ليانا صالح نصاً أدبياً للشاعر السوري جولان حاجي كتبَه في ضوء معرض الفنان في باريس. النص جاء تحت عنوان «ذكرى متخيلة» وفيه يعود الشاعر إلى شيء من يوميات ضيعته في الشمال السوري. لم يكن النص نقداً تشكيلياً يضيف أو يوضح للمتلقي/ المشاهد ما يضيء تجربة الفنان أبو شاهين، إنه مجرد نص موازٍ، حكاية مصاغة بشكل أدبي، كل علاقتها بالمعرض الباريسي أنه ساهم باستعادتها، وربما حفّز الشاعر لاستعادتها في نص حكائي. وهو في النهاية أمر وارد وليس بالمستغرب.
تصل المذيعة إلى عبارة في النص تصف آلة الطنبور الموسيقية التي تخص إحدى الشخصيات بالقول «لِطنبوره عين واحدة أسفل الأوتار، وحولها الخشب مخدوش كأهداب مرسومة بالفحم حول عين مُهَرِّج». المذيعة تقرأ الكلمة الأخيرة هكذا: «عين مَهْرِج»، وتسأل متوجهة إلى الفنان الضيف «ما بعرف إذا هذا مكان؟»، وحين لا تجد جواباً من ضيفها تتابع قراءة النص/ الحكاية، وتختم بأن تصفه «ذكرى متخيلة بلغة الشاعر الأنيقة».
يبدو أن كلمة «عين»، قبل «المهرّج» أوحت للمذيعة بأن الحديث هو عن مكان، حيث تحمل أمكنة كثيرة في العالم هذه الكلمة: «عين الحلوة»، «عين ديوار»، «عين منين»، «عين الصاحب».. فلم يخطر ببالها أن المقصود هو عين مهرّج ارتسمت حولها أهداب مرسومة بالفحم، بقلم الماكياج!
من المألوف أن يزلّ المرء أثناء القراءة، كثيراً ما يحدث ذلك لمذيعي الأخبار إذ يفاجأون بما لم يجر التحضير له، ولكننا هنا أمام نص المفروض أن مقدمة البرنامج اختارته بعد قراءة، وقررت أنه مكتوب «بلغة الشاعر الأنيقة»، وهي بالتأكيد لم تختره لبرنامجها إلا لاعتقادها بأنه سيكشف أو يضيف أو يوضح تجربة الفنان. فلماذا نشعر معها أنها تقرأه للمرة الأولى؟ وأي إضافة ممكنة إذا كانت مذيعة الثقافة نفسها لم تفهم أسهل عبارة في النص!
كان لا بدّ من سرد هذه الحادثة لنقول إنه إذا كان هذا هو مستوى فهم صنّاع الثقافة والإعلام، فأي عتب على المتلقي العابر؟ بل إذا كانت هذه هي حال مذيعي قناة تخص دولة كبرى كفرنسا، فلماذا نعتب على إعلام دول العالم الثالث؟!

معركة عفرين في الإعلام

حروب التسميات والمواصفات أمر شائع ومألوف بين المتحاربين. فالأسماء ليست سوى تلخيص لجوهر الحرب. أنظر مثلاً الحرب بين اسميْ «الخليج العربي»، و»الخليج الفارسي»، أو بين «النظام السوري»، الصفة التي تستعملها المعارضة السورية وأثارت حنق بشار الجعفري أخيراً إلى حدّ أنه قرر مطالبة الأمم المتحدة بفرض عدم استخدام هذا الاسم، و«الحكومة السورية» التي يصرّ عليها مؤيدو بشار الأسد.
لكن ليس من المألوف أن تدخل قنوات إعلامية عريقة في حروب تنحاز لاسم أو تعبير هو محل خصومة شرسة. وإذا كان للّسان أحياناً أن يزلّ باستخدام اسم متداول في الطريق، وقد يصعب عليه أن يفصل بين حديثه في الشارع وحديثه على الشاشة، فإن الـ «بي بي سي»راحت تطلق صفات بعينها وعبارات تهاجم تركيا و»الجيش السوري الحرّ».
هذا ما فعله طوني الخوري مذيع الـ «بي بي سي» العربية أخيراً في برنامج عالم الظهيرة، عندما راح يقرّع ضيفه بإلحاح «تركيا دولة احتلال.. أقولها للمرة الثالثة». وكلّما همّ الضيف، وقد بدا مسكيناً بالفعل، برفع يده ليردّ، ليقول بأن روسيا هي أيضاً تضرب في طول البلاد وعرضها، ضربه المذيع على يده مستأنفاً «روسيا دخلت بالتنسيق مع الحكومة السورية. طُلبَ منها أن تدخل وتساعد الجيش السوري في حربه على ما يوصف بالإرهاب، من هو قادم من تركيا، ومن درّب في تركيا. الحكومة السورية لم تطلب من الرئيس أردوغان إرسال جيشه إلى سوريا».
وحتى لو استخدم الخوري كلمات من قبيل «ما يوصف»، فقد بدت عبارة فائضة عن الحاجة، إذ إن أداءه كان قد قال كل شيء. غير أننا لسنا بحاجة لقراءة العلامات والدلالات، لقد استفاض مذيع الـ «بي بي سي» بالشرح: «الأمم المتحدة ما زالت تعترف بالحكومة السورية. الجيش الحرّ هو منظمة إرهابية بعرف الجميع إلا بعرف تركيا. الجيش الحرّ أداة تركية..».
لندع السياسة جانباً. ليست المسألة في أن الخوري على حق أم لا، إننا نتحدث في الإعلام لا في السياسة. هذا انحياز فاضح من مذيع القناة العريقة. ما بال «بي بي سي» ومذيعيها؟ لماذا يبدو الخوري وكأنه يتحدث من قلب المعركة، وما هو موقف المحطة التي لطالما عهدنا عنها وقوفها حتى ضد مصالحها في سبيل المهنية والحياد؟
الجواب لن يكون أقل من إقالة طوني الخوري، تمهيداً لإرساله إلى ساحة المعركة على الجبهات السورية.

«داعش» كالطب البديل!

استضاف برنامج «صباح العربية» على قناة «العربية» طبيباً مختصاً بالأمراض الباطنية للحديث عن الطب البديل. استنكر الرجل أيّما استنكار اللجوء إلى الطب البديل مستغرباً اقتصار مصطلح «البديل» على اختصاص الطب وحده، حسب اعتقاده، وتساءل لماذا لا نرى مصطلحاً كهذا في مجال القضاء أو الطبخ وسواهما.
شبّه الطبيب الطب البديل بـ «خلايا داعش» المتشبثة، حسب قوله، بأهداب التراث البالي في مواجهة الكيانات والمؤسسات القائمة!
أما بخصوص «البديل» كمصطلح فمعروف أنه يشمل اختصاصات لا حصر لها، فلكل نظام مكرس هناك مقابل آخر بديل، ينطبق الأمر على المطبخ، كما على المسرح، وغيرهما. أما عن الجدوى فهذا نقاش متروك للطب وتجارب العلم الحديث، ولو أنه من المعروف أن مؤسسات وأطباء واختصايين حول العالم ينحون أكثر فأكثر نحو الطب البديل. ولكن ماذا عن «داعش» كـ «تراث بال»! كأن الأمر مجرد فارق في السلوك بين الأقدمين والمعاصرين!
مشكلتنا مع تلك المقابلة، ليست تماماً مع حديث الطبيب العبقري، فلا شك أن القناة لا تستطيع أن تضع ضوابط على ما يمكن لضيوفها أن يهرفوا به، بل مع ذلك العنوان العريض التي استخدمته «العربية» على شاشتها، وما زال على موقع الانترنت الخاص بها: «الطب البديل هو داعش». فما هذه الرداءة في اختيار العناوين، وأي صيد ثمين وجدته القناة في تشبيه «داعش» بالطب البديل!

كاتب فلسطيني سوري

«بي بي سي» تشارك في معركة عفرين… حال الثقافة على «فرانس24»… و«داعش» عنوان جذاب في «العربية»راشد عيسى

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية