بُرك سليمان نظام مائي فريد أنشأه الرومان في فلسطين

حجم الخط
5

رام الله- «القدس العربي»: في قرية أرطاس، التي تقع إلى الجنوب الغربي من مدينة بيت لحم، والتي تتبع إدارياً لبلدية بيت لحم، وهي على الطريق العام ما بين مدن القدس وبيت لحم والخليل، ما بين جبلين متقابلين، بينهما وادٍ خصيب غنيٍ بمختلف المزروعات والأشجار، تحيط بها قرية الخضر من الغرب، وعرب التعامرة من الشرق، وقرية الفواغرة من الجنوب، ومخيم الدهيشة من الشمال، في هذه القرية بُنيت بُرك سليمان.
أما عن اسم قرية أرطاس، التي اشتهرت بوجود «البُرك» فيها فهو مشتق من كلمة من أصل لاتيني يوناني Artasium  وتعني البستان أو الجنة المقفلة، وما زالت تحتفظ بهذا الاسم، منذ ذلك الحين.
 عرفت القرية منذ القدم، كونها قرية كنعانية قديمة، واشتهرت من خلال برك المياه الموجودة فيها، والتي تعرف باسم «برك سليمان» وكذلك بعض المعالم الأثرية الأخرى، لما عُرف عنها وفرة مصادر المياه، والتي تعد من أهـم الأنــظــمة الـــمائية الـقـــديمة في فلسطين، والتي كانت تزود مدينة القدس بالمياه، زمن الحقبة الرومانية.
 وقد تم إنشاء نظام مائي في القرية، في الفترة الرومانية المبكرة في وادي ارطاس، وتحديداً في الجزء العلوي منه، حيث عمل على تزويد مدينة القدس بالمياه، بدلا عن النظام المائي القديم. وتؤكد المصادر التاريخية أن البركتين الأولى والثانية، تم تشييدهما في تلك الفترة، بهدف تجميع المياه من الينابيع المجاورة ومياه الشتاء المنحدرة من السفوح المحيطة، ونقلها إلى مدينة القدس.

قناة السبل

ولتنفيذ ذلك تم إنشاء ما لا يقل عن ست قنوات ناقلة للمياه، كان من أشهرها قناة السبل «الدنيا» التي شيدها الحاكم الروماني بيلاطس في العام 35 ميلادية، والقناة «العليا» التي شيدها الإمبراطور البيزنطي سفيريوس في الفترة ما بين أعوام 193-211 للميلاد، والتي تنقل المياه من وادي البيار جنوب أرطاس، إلى برك سليمان ثم إلى القدس. أما هيردوس فقد بنى في وادي ارطاس حدائق، وحمامات، وقصورا، وأقنية، وما زالت بقايا القناة التي تنقل المياه من عين أرطاس، إلى قلعة هيروديوم، تظهر في عدة أماكن، ويبلغ طولها أكثر من ثمانية كيلومترات.
 وتوصف «برك سليمان» الثلاث في أرطاس بالرائعة على مختلف الأصعدة، كما أشار لها مركز حفظ التراث في بيت لحم، فهي رائعة بالطراز الهندسي في حد ذاته، وهي جزء من النظام المائي الفريد الذي يبين الشبكات المخبأة تحت الأرض، والتي تربط بين أجزاء مختلفة من فلسطين، وهي خزانات كبيرة مستخرجة من الصخور، حيث بلغت سعة هذه البرك 0.34 مليون متر مكعب، وعمرها أكثر من 2000 عام، وشكلت هذه البرك المصدر الرئيسي للمياه لمناطق القدس وبيت لحم والقرى المحيطة بها، وعمل نظام قنوات المياه وخطوط الأنابيب من الحجر، على حمل الماء إلى هيروديون، وكذلك إلى منطقة الحرم الشريف في القدس.
اثنتان من القنوات لا تزال قائمة من الآثار الرومانية على مشارف بيت لحم، الأكبر بنيت بإمرة بيلاطوس البنطي، بدءاً بالقرب من عين العروب «على مشارف الخليل» لأنها تمر بمحاذاة التلال وصولاً إلى برك سليمان، ثم إلي بيت لحم عبر نفق، ثم ترتفع إلى القدس إلى منطقة المسجد الأقصى، أما القناة الثانية فإنها مشكلة من مكعبات من كتل الحجر الجيري الأبيض، بنيت في نهاية القرن من الثاني.
 وكان يتم نقل المياه من مصدر دُعي بئر الدرجاني، وهو ليس بعيدا عن برك سليمان، وكانت تسير على مستوى الأرض في بعض المناطق، ووحدت بقايا هذه القناة، التي لا تبعد كثيراً عن قبة راحيل، أو محيط مسجد بلال بن رباح على المدخل الشمالي لمدينة بيت لحم، في المثلث بين مفترق الطريق المؤدية إلى شارع المهد، ورغم أن هذه البرك تعزى إلى سليمان القانوني، لكنه يعتقد أنها تعود إلى زمن هيرود العظيم.

فندق المسافرين

 في الجهة المقابلة لبرك سليمان تكمن قلعة مراد التي بنيت بناءً على طلب من سليمان القانوني لحماية البرك، وقد كانت بمثابة فندق للمسافرين على طريق الخليل، والثكنات، وملجأ لسكان قرية أرطاس خلال «مذابح أرطاس السبعة».
وفي زمن الانتداب البريطاني لفلسطين، أعيد ترميم البرك وضخت المياه بواسطة أنابيب فولاذية إلى مدينة القدس، وبعدها زرعت المنطقة الجنوبية والشرقية المحيطة بالبرك، بأشجار السرو والصنوبر، وتواصل الحفاظ على البرك والأقنية وضخ الماء إلى القدس كذلك في فترة الحكم الأردني لفلسطين.
 ومع بداية الاحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية وقطاع غزة والقدس في العام 1967، توقف ضخ المياه عن مدينة القدس، ونشأ نتيجة لذلك وضع خطير في المنطفة تمثل في تدمير تلك المعالم الحضارية والأثرية واجتثاث تلك الواحة الخضراء، وهكذا رغم اختزال المعلومات التاريخية والثقافية لهذا المعلم الحضاري.
وشهدت فترة الاحتلال الإسرائيلي قبيل تسلم السلطة الفلسطينية زمام الأمور في المدن الفلسطينية وحتى بعدها، غرق عدد كبير من الشباب الفلسطيني، وتحديداً من القرية داخل البرك، فجرى تجفيف المياه فيها قبل عدة سنوات لمنع المزيد من حوادث الغرق.
وجرى مؤخراً ترميم منطقة البرك، وإعادة افتتاحها كمعلم أثري مهم في فلسطين، لما فيها من جمال الهندسة المعمارية، والتاريخ، والآثار التي عاشت أكثر من حقبة، وبقيت كما هي.
كما جرى بناء مسرح خضم، والكثير من الأكشاك لبيع التحفيات والصناعات الفلسطينية، لجذب السياحة الداخلية الفلسطينية والأجنبية، وبدأت الاستثمارات تعود إلى المنطقة من قبل شركات سياحية فلسطينية.

 
جبل الجنة
 
ما أن تغادر مدينة القمر أريحا، باتجاه القدس المحتلة ثم بيت لحم، وعلى مشارف بيت لحم تحديداً من الجهة الشرقية، تظهر من بعيد قلعة كبيرة على رأس جبل ضخم، هو جبل هيرديون، وهي القلعة التي بناها هيرودس الكبير في العام 42 قبل الميلاد، وتقع في برية القدس، وعلى بعد ستة كيلومترات إلى الجنوب الشرقي من بيت لحم. 
الملك هيرودس والذي تم تخويله من قبل الرومان لحكم فلسطين كان بنى الحصن على مسافة تبعد خمسة عشر كيلومترا من القدس، وذلك كملجأ للحماية في حال تعرض الملك إلى ثورة، كما أن الجبل متصل بعدة قلاع وقصور رومانية في أريحا والقدس ومزود بشبكة مياه معقدة، فيما تم بناءه على الطراز المعماري الروماني، ومعظم الأبنية الموجودة في تلك المنطقة تعود إلى الحقبة الرومانية.
وفي زمن الصليبيين، سميت الجبال في المنطقة «جبال فرانكس» إلا أن السكان المحليين يطلقون عليها اسم»جبل الفرديس» أو «جبل الجنة». ووفقاً للمؤرخ الروماني جوزيفوس، فقد كانت هناك تلال مزدوجة مدورة في الموقع، وقد قام هيرودس بقطع واحدة منها إلى الأسفل، وقام بتكويمها على التلة الأخرى. 
 أما على التلة الكبيرة المنتجة على هذا النحو، فقد قام ببناء القصر، المزيّن بالأبراج، والتي يتم الوصول إليه عن طريق درج من الرخام، والتي لا تزال آثاره قائمة، وفي الأسفل، قام هيروديون بوضع وعاء كبير وقناة مياه، حيث كان يجلب الماء من برك سليمان.
 محيط الجبل، والجبل نفسه، عبارة عن ورشة عمل دائمة من قبل الآثار، وأعلن عن عدة اكتشافات خلال عمليات التنقيب، حيث اكتشفت بقايا ستائر حائط مزدوجة مع أربعة أبراج ومدخل من الشمال الشرقي، وقاعة الأعمدة وحمام، وآثار ثلاثة كنائس بيزنطية غنية بالزخرفة وطوابق الفسيفساء، فيما المنطقة الواقعة عند سفح الجبل إلى الشمال، فتضم بقايا قلعة، مخازن، ميدان الخيل وبركة، وقد دمرت القلعة من قبل الرومان بعد سقوط القدس في العام 70 ميلادي.

قصر هيروديون

قصر هيروديون، أقيم على تلة اصطناعية، وله تسميه أخرى هي «جبل الإفرنج» وهو مخروطي الشكل قطره 290 قدماً، وعند الوقوف عليه، يمكن رؤية مواقع في مدينة القدس، وغور الأردن، وجبال مؤاب الأردنية والبحر الميت، ومناطق مختلفة من بيت لحم والمدن والقرى المجاورة لها بالإضافة إلى قرى وخرب عرب التعامرة.
 في الموقع، ما زال ملاحظاً وجود بقايا غرف، وحمامات وأبراج مراقبة، لكن سلطات الاحتلال الإسرائيلي، عملت على إغلاقها، فيما كان الصليبيون في القرون الوسطى، قد حولوا هذا القصر إلى قلعة حصينة وحولوا قسما منه إلى كنيسة.
وبحسب التاريخ، أو حتى الكتب الدينية، فإن الاعتقاد السائد، هو أن الملك هيرودس، قام بقتل أطفال بيت لحم حين ولد السيد المسيح، ودفنهم في الجبل خوفاً على عرشه.
ورغم وجود الجبل في محافظة بيت لحم، إلا أن محيطه يتبع للسيادة الأمنية الإسرائيلية، كما يخضع الموقع لحراسة إسرائيلية، تقوم بتنظم دخول الزائرين إلى الموقع، والحراسة تقيم في معسكر للجيش الإسرائيلي في أسفل الجبل، بحجة الحماية.
 ويحيط بالقصر هذه الأيام عدة مستوطنات إسرائيلية، منها مستوطنة «آلدافيد» ويسكنها مهاجرون يهود من روسيا، ويواصل المستوطنون محاولة سرقة المزيد من الأرض الممتدة من القصر في بيت لحم وصولاً إلى منطقة البحر الميت في أريحا والأغوار، لما تتمتع به المنطقة من نقاط استراتيجية.
 كما أن هناك أماكن أثرية عدة بالقرب من قصر هيروديون، مثل مغارة خريطون الكبيرة والضخمة، والتي تقع في وادي يحمل اسم خريطون، وعثر في كهوف تلك المنطقة على آثار موغلة في القدم، اعتبر الباحثون أنها تعود إلى عصور ما قبل التاريخ، ويحيط في القصر عدد لا بأس به من الخرب الأثرية المهملة، والتي تعرضت للتنــقيــب مرات عدة من قبل سلطة الآثار الإسرائيلية، وقيل أنه وجدت فيها آثار رومانية وإسلامية وعربية.
وتتعرض السلطات الإسرائيلية لانتقادات مستمرة، بسبب إهمالها لقصر هيروديون، حيث يمكن أن يلاحظ الزائر للقصر الإهمال من حيث عدم الترميم وإغلاق أجزاء هامة منه مثل الحمامات الفريدة الساخنة والباردة، والتي حيرت الباحثين في كيفية إيصال المياه إليها من الأسفل، وهي تقع على مرتفع.
 ويعتقد الفلسطينيون أن سيطرة الاحتلال على الجبل وإهماله للمدينة الأثرية البيزنطية، تكشف بككل وضوح اعتبارات الاحتلال سواء السياسية منها أو الأيديولوجية، التي تستهدف استمرار السيطرة عليه، ليس فقط كمكان سياحي، بل كثكنة عسكرية قريبة من المستوطنات الإسرائيلية المقامة في المنطقة، رغم أن حصن هيروديون معروف كموقع أثري فلسطيني، ويقع في حدود السلطة الفلسطينية وداخل أراضي عام 1967 التي احتلتها إسرائيل.
 

فادي ابو سعدى

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية