تحت السّيطرة

حجم الخط
3

لشدة ما أعجبت بمسلسل «تحت السّيطرة» الذي عرض في رمضان الماضي أعدت مشاهدته للمرة الثانية، وقد اكتشفت من خلاله أن الدراما يمكنها أن تكون مدرسة في حياة الفرد.
كاتبة السيناريو مريم نعوم والمخرج تامر محسن كوّنا ثنائيا قويا لإيصال رسالة مهمة للمجتمع، ولا أدري إن وصلت بكاملها أم أن المشاهد العربي اكتفى باكتشاف حياة المدمنين دون التّوغل في أعماق رسالة عميقة تتعدى ما رأيناه.
«تحت السيطرة» مسلسل يجب إعادة مشاهدته، لنتعلّم كيف نسيطر على أنفسنا. فكلنا مدمنون على شيء ما يسيطر علينا ويفقدنا السيطرة على أنفسنا ويفسد حياتنا كلها.
الإدمان على الأكل مشكلة، كل شخص يردد يوميا :»لماذا لا أستطيع السيطرة على نفسي؟» وهو يحتاج لطرق سهلة وبسيطة يوقظها في نفسه ليسيطر بنفسه على نفسه.
المدمنون على الانترنت والتلفزيون والألعاب الالكترونية التي تستهلك الوقت وتجعل أصحابها لا ينتجون شيئا فيما أيام عمرهم تمضي سدًى كثيرون جدا، وهم فاقدون للسيطرة تماما على أنفسهم، وفيما يحاولون مرات ومرات التّخلّص من إدمانهم، ينشغل من حولهم بطعنهم والإستخفاف بهم وتلك النّميمة في حدّ ذاتها تدمّرهم وتدفعهم للمزيد من الإنطواء والإبتعاد عن محيطهم والإرتماء في أحضان هواية تلتهمهم دون رحمة.
لا يجب أن ننسى أننا مجتمعات محرومة ومكبوتة وبالتالي نحن أكثر عرضة للإدمان وفقدان السيطرة على الذات، ونحن دون غيرنا نشجع على فقدان السيطرة على الذات دون أن ننتبه. حين تصبح العائلة هي من تقرر ما نريد، وتنهرنا عند كل تصرُّف نقوم به وتوجهنا لما تريد فهي تغرس فينا نوعا من الإتكالية على الآخر في كل شيء.
في أغلب عائلاتنا نجد أن الأبناء ليس لهم حتى حق أن يأكلوا ما يريدون، هؤلاء ينتهي بهم الأمر إلى أكل أي شيء بحثا عن الشبع الذي لن يجدوه أبدا، وبالتالي يصبحون مدمنين على الأكل. وهذا ما لا يحتاج لذكاء حين ننتبه أننا مجتمعات تحتفي بالأكل، نلتقي لنأكل، نقوم برحلات لنأكل، نسافر من بلد لبلد لنأكل، وحين نتعب نقرر أنه «ما فيه مثل أكل البيت» فنبقى في بيوتنا لنأكل.
يشجعنا محيطنا على الإنغماس في أنواع من الإدمان دون أن يدرك ذلك. الفتاة التي نكافئها بالكلام الجميل والمديح الذي لا نهاية له لأنها عاقلة وبنت بيت، بنت نقضي على كل قدراتها للإبداع، نرمي بها بين أربعة جدران وننتظر منها أن تتحول إلى سوبروومن، فيما الطبيعة البشرية كالنهر إن أغلقنا عليها المنافذ من جهة ستجد جهة أخرى لتجري نحو وجهة ما.
أمام هذه البنت هناك التلفزيون، والانترنت والهاتف، ويا ويل التي تختار الهاتف لتعرف أخبار فلانة وعلاّنة. هذا هو الإدمان بعينه، حين يتحول الهاتف إلى محور أساسي في حياة الشخص وما أكثرنا نحن المدمنون على الهاتف خاصة أننا في زمن الفايبر والواتسآب والإيمو وغيرها من البرامج التي سهّلت الإتصال بين الناس وفتحت باب فقدان السيطرة على النفس.
تمر مريم نعوم في مسلسلها الرائع «تحت السيطرة» على البدائل التي قد تعوّض المدمن بإدمان آخر، ولكنها كلها بدائل فاشلة لأن الإدمان مرض لا يمكن التّخلص منه إلا بالسيطرة على النفس والإعتماد عليها، واستغلال الطاقة الشخصية لإستعادة ما فقدناه أثناء رحلة بحث عن الذات تمت بطريقة خطأ وانتهت إلى محطات خطأ أيضا.
رافقنا الفنانة المبدعة نيللي كريم من حلقة إلى حلقة وهي تقوم وتنهض، وكيف تستعيد طرفا من قدراتها وكيف يكسرها الآخر، ولعلّنا أدركنا أن للآخر دورا فعّالا لتحطيم عزيمة أي شخص يريد أن يقف على قدميه ويتخلّص من إدمانه، ذلك أن المحيط قد يكون حجر عثرة أمامه وليس العكس، كل حسب حضوره الإيجابي أو السلبي في حياة الفرد. لهذا توجّب علينا أيضا أن نفهم أن مسيرة هذا الشخص في حياته تتوقف على إخلاصه لذاته وإرضاء طموحه قبل التفكير في إرضاء غيره.
نوبات الخوف التي يتعرّض لها كثيرون سرا ويعيشونها معاناة مستمرة بينهم وبين أنفسهم سببها الأول المحيط الذي يدمر هذا الفرد ويعرضه لمزيد من الفشل أمام نفسه.
نوبات الخوف هي أول عارض يخبرك أنك لست بخير، وعليك أن تنقذ نفسك بإمساك زمام أمورك بالسيطرة على نفسك، مع اتخاذ قرار نهائي أنك أنت أهم شخص بين كل الذين تعيش معهم وبينهم وليسوا هم.
نوبات الخوف قد تكون أوجاعا مفاجئة، قد تكون إنقطاعا في النّفس وتعرّقا وضربات سريعة للقلب وهلم جرا، وهي للأسف عوارض يعاني منها مبدعون كثر من بينهم الكُتّاب أنفسهم، لهذا في الغالب تجدهم أكثر الناس لجوءا للمشروبات الروحية، والتدخين وتدخين الحشيش وتجربة مسكرات أخرى. أقولها بصراحة لأني أعرف الوسط جيدا، وأعرف أن لا أحد يسعى لتغيير نفسه حين يبلغ هذه المرحلة، ولكنّه ينقل مرضه لأجيال أخرى…ما يختصر وضعنا كمثقفين غلبهم المجتمع بعقباته، فأصبحنا اليوم نقاوم من داخل قوقعتنا ولسنا في مقدمة حراك التغيير…
نعم لقد بدأت موضوعي من بعيد، وأوصلتكم إلى هنا، وهذه إحدى «خدعاتي» في الكتابة وجر قارئي ليشاركني الرأي ويناقش معي موضوعات حساسة لا نناقشها بالرغم من أنّها مصيرية بالنسبة لنا.
استعادة السيطرة على النّفس يجب أن تعتمد على كل قدراتنا المتوفرة لدينا. اللجوء لطبيب نفسي خطوة ناجحة حين تنبع من الذات. الإحتكاك بمن عاشوا التجربة وخرجوا منها أقوياء خطوة أخرى تقودنا نحو النجاح. الإحتكاك بالناجحين والناس الإيجابيين دافع قوي لنتغير نحو الأفضل …ثم ليس غلطا أن نصادف من يقول لنا «قم بما تراه يناسبك» فليس من الجيد أن ندور في متاهة العائلة التي كوّنت كل عقدنا الإتكالية والسلبية منذ نعومة أظافرنا.
من أجمل الكتب التي قرأتها هذا الصيف كتاب لجوزيف مسنجر، يعطينا أهم الخطوات للسيطرة على النفس وتغيير حياتنا تماما نحو الأفضل. وهذا ليس بالكتاب الفريد من نوعه بل هو واحد من آلاف الكتب التي تزخر بها المكتبة الغربية. عندنا قد نجد كتبا قليلة، بعضها ترجمات سيئة لموضوعات مهمة كموضوعنا اليوم، لكن أظن أن الأمر بدأ يتغير بوجود نافذة كبيرة على العالم إسمها الانترنت، ومن خلالها يمكن إيجاد كل ما نريده باللغات التي نريد.
لكن الحقيقة أن أجمل ما سمعته هو أن بعض الأطباء في لبنان يهتمون بتنمية الشخصية ومعالجة الأمراض النفسية بجلسات التحليل النفسي بدأوا فعلا المعالجة عن طريق سكايب، ووجدوا حلاًّ مثاليا للأخذ بيد المريض، والإبقاء على سرية وضعه أمام مجتمع شغله الشاغل مراقبة الناس وتدميرهم بملاحظات وثرثرة أقل ما يقال عنها أنها مثل لسعات البرغش المزعجة، يمكننا القضاء عليها في حينها بالسيطرة على النفس وإلاّ فستصبح قاتلة، فمرض الملاريا سببه وسط مليء بالبعوض إن نسيتم.

شاعرة وإعلامية من البحرين

بروين حبيب

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية