لعلّ أكثر ما يحتاج إليه عرب اليوم هو إعادة وصف لغتهم وترتيب علاقتهم بها، على نحو ما فعل أسلافهم في القرنين الثاني والثالث للهجرة خاصّة. فقد انتقلت العربيّة، بعد وفاة الرّسول مباشرة، عن طريق الغزوات الكبرى، في العهد الإسلامي الأوّل، إلى خارج حدودها القديمة، في مواطن لغويّة أجنبيّة. وكان من نتائج هذه الهجرة اللّغوية ومن اختلاط العرب بغيرهم من الأقوام والأجناس أن نشأت إلى جانب الفصحي أو «عربيّة البدو» منذ الفتوحات الإسلامية الأولى، لغة دارجة هي لغة التّعبير اليوميّ واللّسان المتداول في أوساط الطّبقات الوسطى والدّنيا من سكّان المدن.
وقد أخذت هذه «العربيّة المولّدة»، من منظور التّاريخ اللّغوي، تكتسح مناطق جديدة بسبب التّغيرات السياسيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة النّاجمة عن سقوط الدّولة الأمويّة. بيد أنّنا نكاد لا نعرف شيئا عن هذه « العربيّة « التي كانت متداولة في هذه الأوساط.
ونكاد لا نملك إلاّ طوائف متفرّقة من الأخبار عن لغة اليهود والنّصارى، وعن ظاهرة اللّحن والدّخيل والأخطاء اللّغوية التي شاعت بنسبة أو بأخرى في بيئات العلماء والكتّاب والشّعراء؛ ويمكن أن نحملها على أنها من أثر العربيّة المولّدة فيهم.
أمّا القول إنّ هؤلاء اتّخذوا لأنفسهم لغة وسطا بين عربيّة القرآن وهذه العربيّة المولّدة، ففيه متّسع كبير للنّقد والمؤاخذة. والأمر على ما يبيّنه المستعرب الألماني يوهان فك، يتعلّق بظاهرة أسلوبيّة تحمل سمات مولّدة أو بصفة من صفات التّفاوت في الكتابة وعدم الاطّراد على نسق واحد. يقول فك: «وهذا التطّور في الأسلوب، الذي نستطيع ملاحظته عند ابن المقفّع وبشّار آذن بشروق عهد جديد في تاريخ اللّغة العربيّة، دعا إليه الانتقال من حياة البداوة إلى حضارة المدن». بل كان من أثر احتدام المعارك اللّغوية بين الشّعراء واللّغويّين، وبين اللّغويين أنفسهم، أن سيطر مبدأ «تهذيب اللّغة العربيّة» ممّا شابها من لحن ودخيل، على الحياة الأدبيّة منذ عهد هارون الرّشيد. وكان للعلماء فيه، أمثال الأصمعي وأبي عبيدة وأبي زيد والفرّاء والكسائي وغيرهم من اللاّحقين عليهم، منادح واسعة. فقد جمع الأصمعي الثّروة اللّغوية عند البدو ورتّبها. وخالفه ابن الأعرابي في كثير أو قليل منها. وأنحى البطليوسي باللاّئمة على ابن قتيبة، لأنّه أخذ بمذهب الأصعمي المتشدّد في «تهذيب اللّغة» ولم يعن بمذاهب علماء اللّغة الآخرين من الثّقات. وكان للكسائي موقف من نحو سيبويه والخليل، وهو الذي فسح في العربيّة للغات (اللّهجات) الشاذّة أو النّادرة، وتوسّع في قواعد النّحو والصّرف حتّى تشمل القراءات جميعها. فلعلّ دراسة المادّة اللّغويّة العربيّة دراسة وصفيّة تحليليّة شاملة، لم يكن بميسورها أن تصدر عن تمييز دقيق بين لغة حديثة ولغة قديمة أو بين لغة الشّعر ولغة النّثر، في تقعيد القواعد. فقد خلط اللّغويّون بينهما، وأدّى هذا الخلط إلى اضطراب غير يسير في أحكامهم.
أمّا أسباب هذا القصور، فتعزى إلى اتّساع الرّقعة المكانيّة وما أدّى إليه من اضطراب في تحديد اللّهجة الفصيحة، واختلاف المادّة اللّغويّة وتشعّبها وتشتّتها، وانصراف النّحاة عن العامل الزّمنيّ في تطّور اللّغة.
وربّما حجبت عنهم ما تعكسه لغة القرآن نفسها، من مراحل متفاوتة في تطوّر العربيّة اللّغويّ ومن فروق شتّى بين أداء شفهيّ وأداء كتابيّ، بل أنّ حرصهم على مبدأ « تهذيب اللّغة» وعلى عربيّة البدو كان من حرصهم على القرآن حتّى يظلّ مقروءا أبدا مفهوما أبدا. وكان من أثر ذلك « أن صارت عربيّة البدو تعدّ القدوة المثلى، والمثل الأعلى.
وعليه يكون من السّائغ أن نشاطر فك رأيه في أنّ الانتقال إلى حضارة المدن أثّر تأثيرا غير يسير في اللّغة وفي طوائف كثيرة من النّاس. على أنّنا، في ماعدا ظاهرة اللّحن اللّغويّ، نكاد لا نعثر في الشّعر، على الفرق الخاصّ الذي ميّز العربيّة المولّدة من الفصحى، وهو ترك التصرّف الإعرابيّ أو مخالفة الإعراب. وربّما استوقفتنا فيه سمات ترجع إلى المادّة الصّوتيّة وتركيب الجمل وطرائق التّعبير، مثل حذف الهمز أو النبر؛ فقد كانت تميم مثلا تنبر فتقول» كأْس» فيما قريش تقول»كاس»، أو استبدال الضّاد بالظاء أو السّين بالصّاد أو العكس. على أنّ هذه السّمات أو بعضها يمكن أن تعزى إلى»لغة العامّة» أو إلى الضّرورة الشّعريّة أو إلى ظاهرة التّصحيف أو إلى أسباب نطقيّة خالصة قد يكون الجاحظ أوّل من لفت الانتباه إليها. فقد عني باللّهجات واللّغات الخاصّة وألسنة الحرف والمهن، ولم يغفل عيوب اللّسان مثل اللّثغة واللّكنة والتّمتمة والفأفأة واللّفة واللّجلجلة والحبسة. بل تنبّه إلى بعض مظاهر العجز والعيّ عن البيان مثل النّحنحة والسّعلة والحكلة.
تسترعي انتباهنا من هذه المسألة التي دارت في فلكها وتخريجها تأويلات وتقديرات كثيرة وردود نحويّة ولغويّة مختلفة تنتصر لهذا الوجه أو ذاك، أو هي تبطله وتفسده، جملة أمور من أهمّها:
أنّ تصنيف الظّواهر اللغويّة في القرنين الثّاني والثّالث للهجرة كان أساسه المعياريّة وتقويم اللّسان والمحافظة على فصيح الكلام. ولم يكن الهدف منه وصف قدرة المتكلّم أو كفايته اللّغويّة، أو مجرّد الكشف عن مجاري الكلام وملاحظة ما يقال وما لا يقال، وإنّما صوغ الأحكام التقويميّة، وتحرّى الصّواب من الخطأ والموضوع من الصّحيح، وتسويغ ألفاظ وتراكيب والاعتراض على أخرى. ولم يكن بميسور الدّراسات اللّغويّة والنّحويّة في هذين القرنين أن تتخلّص من حبائل المعياريّة ولا هي كانت تنشد ذلك، وهي التي خضعت لمقتضيات استعمال لغويّ مخصوص كانت تحكمه قيود دينيّة وأوضاع اجتماعيّة وثقافيّة شتّى. وكان غرضها أوّل الأمر، خدمة التّفسير القرآنيّ، ثم جنحت عن هذا القصد إلى «التّهذيب اللّغويّ « والإسراف في تحصيل الغريب، وتعدّت الوصف والاستقراء والكشف عن القوانين والقواعد التي تحكم الكلام، إلى الجانب المعياريّ منها وإلى اطّراح ألفاظ وتراكيب لا توافق لغة القرآن وعربيّة البدو، فقد كانت عندهم من العربيّة المولّدة أو من الشّاذّ الذي «فارق ما عليه بقية بابه وانفرد عن ذلك غيره».
والكتب المؤلّفة في لحن العامّة تؤكد هذا المنحى، فقد كان غرضها إثبات الصّواب اللّغويّ وليس وصف لهجة البدو أو هذه العربيّة المولّدة. وربمّا زكّى هذا الوصف أنّ كثيرا من المصنّفات في اللّغة والنّحو والبلاغة خلال القرنين الثّاني والثاّلث للهجرة، كان دافعها نزعة تعليميّة واضحة تنشد من جملة ما تنشده، تمهيد طرائق تعليم الكتّاب أساليب الكتابة وتجويدها، أو تمكين الكاتب الناشئ من أسرار اللّغة وتطويعها له ومن الاقتدار على ضروب الكتابة ولتصّرف في فنونها.
– إنّ مبدأ «تهذيب اللّغة» ينمّ عن مشادّة ربّما كانت خفيّة بين الكلمة والكلام أو بين الأداء الشّفهيّ والأداء الكتابيّ، فقد وضع على أساس من مصدرين أثيرين في ثقافة العرب المسلمين هما القرآن والشّعر. والأوّل نصّ ّكتابيّ وإن لم تكن كتابته خالصة، والثّاني نصّ شفهيّ وإن لم تكن شفهيّته خالصة، أو هو نصّ قابل للكتابة والتّدوين.
ووضع هذا المبدأ أيضا في سياق مشادّة صريحة بين العربيّة الفصحى والعربيّة المولّدة. وإذا كانت الاولى قد تقلّبت في أدوار شتّى نكاد لا نعرف عنها إلاّ القليل النّادر قبل أن تصير لغة الأدب والكتابة، فمن الصّعوبة بمكان الإقرار بأنّ « العربيّة كما نعرفها من الشّعر القديم تساوي تماما في كلّ شيء لغة البدو على الإطلاق».
ولعلّ حديث اللّغويين عن «السّليقيّة» ممّا يؤكّد هذا الاختلاف الذي كان يضيق أو يتّسع بين الفصحى ولغة التّخاطب عند البدو. فإذا كانت الأولى معربة تكتسب بالدّربة والمراس والرويّة فإنّ الثّانية متحرّرة من علامات الإعراب وتصاريف القواعد جريا على السّليقة.وربّما كان هذا «التحرّر» القاسم المشترك المميّز بين العربيّة المولّدة ولغة التّخاطب عند البدو. وفي ما عداه احتفظت كلّ منهما بقواعدها وأعرافها وطرائق أدائها.
من البديهيّ إذن ان نعدّ مبدأ «تهذيب اللّغة « الذي أخذ به علماء اللّغة والنّحو منذ أواخر القرن الأوّل للهجرة ثمرة أوضاع لغويّة وتاريخيّة مخصوصة وأن نقف فيه على مشادّة بين أداء شفهيّ وآخر كتابيّ، تؤكّدها الأوضاع التي بنيت عليها مصنّفات اللّغة والنّحو. فهي تخرّج قارئها تصفّحا وقراءة على نحو ما تخرّجه البادية سماعا وتلقينا، وهي التي أخذ أصحابها في تدوين اللّغة وجمعها بأنواع وطرائق من التحمّل كالسّماع والعرض والإجازة والقراءة… تدين كلّها للأداء الشّفهيّ ويربطها به نسب لا يخفى. على أنّ هذا المبدأ»مبدأ تهذيب اللغة» يظلّ قرين لغة مكتوبة تتميّز عن الّلغة المنطوقة بعدد من الخصائص مثل استخدام قواعد النّحو ومفردا ت اللّغة استخداما محكما حتّى لا يعتورها اللّبس والغموض.
٭ كاتب تونسي
منصف الوهايبي