تحصيل السعادة باقتناء الفضائل

توزّع مبحث السياسة في مواضع كثيرة من أعمال أبي نصر الفارابي، وقد يغلب على الظن أنّ كتابه «آراء أهل المدينة الفاضلة» يفي بالحاجة لمن طلب دراسة فلسفته السياسية، ولكن الأمر قد يحتاج من جهة الإلمام إلى كتب ورسائل أخرى اهتمت بالمبحث نفسه وأولته الاهتمام قصدا وتبليغــــا.
هــذا ولم يكن الفارابي ممن تقلّبوا في المناصب السياسية وإنّما كان رجل فكر وتأمل والسياسة أهم ما في فلسفته غاية ونتيجة. وكانت غايته من وراء أبحاثه السياسية هي تحصيل السعادة باقتناء الفضائل التي تُمكّن من بلوغها. ففي رأيه لا ينال الإنسان الكمال إلاّ بالاجتماع والتعاون ليوفر لنفسه ما يحتاج إليه في قوامه وأسباب وجوده، ولهذا اُضطرّ الناس إلى الاجتماع والتعاون فحصلوا في المعمورة من الأرض وحدثت بذلك «الاجتماعات الإنسانية» .
وقــد توجّه الفارابي نحو فهم يرى الجماعة المدنية «جزءا للأمّة» وصوب مدينة هي أوّل مراتب الكمال، وهي مدينة فاضلة للخاصة، فلسفية ومثالية لا تُصادم نواميس الشريعة وتتجاوزها، وهو توجّه سيؤثّر بدرجات متفاوتة في خطابات فلسفية لاحقة وإن حاولت أن تجعل التفكير النظري المحض الذي مثّله الفارابي أعلق بكيفية الفعل والعمل إمكانا لتنظيم حياة الإنسان العملية في المدينة، ويُمثّله بدرجات متفاوتة إخوان الصفا، وابن سينا، وابن باجة، وابن رشد، وابن طفيل، وهو فهم قام على الترابط العضوي بين السّيرة الفلسفية بمناحيها العلمية من جهة والسّيرة الخُلقية الفاضلة من جهة ثانية .
ولكن الخطاب الفلسفي حول المدينة – الدولة بمختلف نماذجه ظلّ منحكما من جهة المنحى الغالب على طروحاته السياسية وما تضمّنه من قول اجتماعي بمرجعية الفلسفة الأفلاطونية المُحدثة وتشريعات أفلاطون السياسية وسيادة سلطتها العلمية في البيئة الثقافية العربية الإسلامية .
وقد قال أفلاطون في محاوراته بلسان سقراط : «أرى أنّ الدولة تنشأ عن عجز الفرد عن سدّ حاجاته بنفسه، وافتقاره إلى معونة الآخرين، ولمّا كان كلّ إنسان محتاجا إلى معونة أخيه، وكان لكلّ منّا حاجات كثيرة، لزم أن يتألّب عدد كبير منّا من صحب ومساعدين في مستقرّ واحد، فنطلق على ذلك المجتمع اسم مدينة أو دولة، فيتبادل أولئك الأشخاص سائر الحاجات» .
و يحرص الفارابي في مثل هذا السياق على شيوع التعاون بين أفراد المدينة كشرط لتحصيل السعادة، فالشرط الأوّل في المدينة الفاضلة كما في الأمّة الفاضلة والمعمورة الفاضلة بمجموع أممها هو التعاون على الأشياء التي تنال بها السعادة الحقيقية، وتعرف المدينة الفاضلة بآراء أهلها وأعمالهم، كما تعرف بنسبتها إلى المدن الضالّة، أمّا رئيس المدينة الفاضلة الحقيقي فهو رئيس الأمّة الفاضلة ورئيس المعمورة كلّها، ولا يجوز أن يكون فوقه رئيس أصلا، بل هو فوق الجميع في رأي الفارابي. وليس في وسع كلّ إنسان أن يكون رئيسا لأنّ للرئاسة صفات لا وجود لها في كلّ شخص، وإنّما يكون الرئيس إنسانا قد استكمل جميع الصفات الحسنة، فصار عقلا ومعقولا بالفعل، وتكون القوّة المتخيّلة قد استكملت عنده بالطبع حتى صارت قادرة في اليقظة، أو في وقت النوم أن تقبل الجزئيات عن العقل الفعّال، فالإنسان الذي حلّ فيه العقل الفعّال هو الذي يصلح للرئاسة فيفيض عليه ما يفيض من الله على العقل الفعال، ويكون حكيما وفيلسوفا، نبيّا منذرا بما سيكون ومخبرا بما هو الآن، ويكون في أكمل مراتب الإنسانية وأرقاها وفي أعلى درجات السعادة وأمكنها. ثمّ يكون له مع ذلك قدرة بلسانه على جودة القول والتخيّل، وقدرة على جودة الإرشاد إلى السعادة، ويكون له مع ذلك أيضا جودة ثبات ببدنه لمباشرة الأعمال.
ذاك شيء من فهم جعل الفارابي يشبّه مدينته الفاضلة ببدن تام صحيح تتكامل جميع أعضائه وتتعاون على تتميم حياة الحيوان وحفظها، وتترتب وظائف المدينة كما تترتب وظائف الجسم وهو لذلك يقابل بين العضو الرئيس في الجسم وهو القلب وبين رئيس المدينة الذي يسمو إلى درجة العقل الفعّال، وهو مصدر الحياة والنظام في المدينة .
ويثبت حرص الفارابي على الوحدة والترتيب بالبحث في مراتب المدينة التي تتفاضل في الرياسة والخدمة بحسب فطر أهلها وبحسب الآداب التي تأدّبوا بها، وهو فهم يفرق بين المدينة والبدن، فأعضاء المدينة أفراد يشعرون ويفكّرون ويفعلون أمّا أجزاء البدن فهي لا تفكّر ولا تريد بل تفعل بقوى طبيعية، وهو الفرق بين الطبيعي والإرادي. فأعضاء البدن طبيعية تسيّرها قوى طبيعية في حين أنّ الهيئات والملكات التي يعقلون بها أفعالهم للمدينة إنّما هي إرادية لا طبيعية، وتتفاوت في هذا السياق مراتب أجزاء المدينة من الأشرف إلى الأخسّ تماما كأعضاء الجسد وفق «جدل نازل»، فالأعضاء التي تقرب من العضو الرئيس تقوم من الأفعال الطبيعية التي هي على حسب غرض الرئيس الأول بالطبع بما هو أشرف، وما هو دونها من الأعضاء يقوم من الأفعال بما هو دون ذلك في الشرف إلى أن ينتهي إلى الأعضاء التي تقوم من الأفعال بأخسّها. وينضاف إلى جهد التقريب والمقايسة تطابق أجزاء المدينة وترتيب الموجودات .
يلوح لنا حينئذ أنّ أكمل مدينة هي المدينة الإلهية وما على المدينة الفاضلة إلاّ أن تحتذي في أجزائها ترتيب الموجودات الكونية وتنظّم شؤونها وفقا لنظام العالم مسايرة واقتداء لا تصادم فيه نواميس الشريعة، وتؤم السبب الأوّل في أفعالها.
ولكن الفارابي في توجّهه صوب مدينة قد تلوح أحيانا على درجة من المثالية المفرطة هي مدار تصوّر فلسفي نظري لا يدّخر جهــدا تجريديّا، نراه مع ذلك لا يغالي في مثالية مدينته الفاضلة عندما أجاز أن يكون رئيس المدينة من غير الفلاسفة على أن يشاركه في الحكم من يتّصف بالحكمة أي في مرتبة «المستشار الفيلسوف» وهو في ذلك لا يجافي صورة الرياسة في عصره، ولا يطلق العنان لفلسفته السياسية بعيدا عن البيئة العربية الإسلامية، ولا يعزل نظره الفكري عن تمثُّل الواقع السياسي الديني والديني السياسي في القرن الرابع للهجرة.
هـكذا يرتبط تصور الفارابي للمدينة الفاضلة بالسياق الزمني لظهور الإسلام وبمبادئ الشريعة الإسلامية وهو لذلك وجّه نقده للمدن الجاهلة والفاسقة والمتبدّلة والضالّة وما يظهر من نوابت بناء على تمثُّله لعصر النبوّة المحمدية، وما انحكم به الفكر السياسي عصر ذاك نظرا وعملا من ارتباط الممارسة السياسية بالمنظومة القيمية والأخلاقية التي تُميّز بين الخير والشر والحق والباطل، وضمن فهم لا يلغي إمكان التعدّد، واختلاف الوجوه وتفاوت المراتب من داخل أنموذج الخطاب الفلسفي الذي انحكم بنظام صارم وبحكمة مُبكّتة لأن سلّم درجاته موصول تنظيميّا بأنماط السلوك وبمراتب قوى النفس، وبخصائص ملكات العقل.
يتضح حينئذ أن طبيعة الفكر الفلسفي موصولة وصلا صميما بأنماط السلوك وبوجوه التفكُّر والتعقّل بحثا عن الحكم الصائب والسلوك القويم، والعلم النافع والحكمة العملية تدبيرا للمدينة وطلبا لاستقامة الدولة والمجتمع، وتثبيتا لمنزلة التفكير الفلسفي داخل المجتمعات، وهو فهم تطلب تعدّد مسالك البحث ومساعي استحصال الحقيقة ومنحاها منهجا وفهما وتبصّرا واستدلالا بضرب من الفهم المُجدي والفعّال والمخصّب معنويّا وماديّا.
فإذا كان ذلك كذلك وجب علينا البحث في استثمار مُنجزات الفكر السياسي ضمن الموروث الفكري والفلسفي العربي الإسلامي أي التعرّف على آليّات تكوين الفهم وقواعد المنهج وأدوات الآداء وأنظمة الخطاب ومحدّدات الإنجاز العلمي النظرية والعملية طلبا للعلم وسعيا للعمل به دون أن نلغي إمكان الانفتاح على أسئلة العصر الكبرى بعيدا عن الارتباك الذي وسم الكثير من الكتابات الفكرية والسياسية عن الغرب والمسيحية، تلك التي لم تُدرك أن أوروبا الحديثة هي غير النصرانية التي عرفها العرب المسلمون في فترة من فترات تاريخها. ولعلّ ذلك نتيجة التحولات السياسية والحضارية والتوسع الاستعماري الغربي الذي مسّ بنية الفكر العربي الإسلامي وجعله نسيجا مهزوما يكتفي بالفرجة أمام التفوق التقني والعلمي في أحيان كثيرة، ولكنّه يبقى مع ذلك فكرا قابلا لإعادة تمثُّل مفاهيم الحداثة واستيعاب النقاشات الواسعة والانفتاح على النقد الجذري اقتداء بجهد الأسلاف تاريخيا ووثائقيا.

٭ كاتب تونسي

تحصيل السعادة باقتناء الفضائل

لطفي العبيدي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية