تحقيق العدل في أنظمة المدينة: ترسيم مطالب واستحكام أسباب

المعرفة العملية والمادية محتاجة إلى المعرفة النظريّة، وفي حسن استخدامها تحقيق للعدل في أنظمة المدينة، ولذلك ينبغي أن يهتدي الفعل البشري والسوي بمحاكاة نظام الطبيعة منبع الخير والجمال، في حسن تمثيلها لصناعة النظام الأفضل والأرقى، فليست الطبيعة هي التي تحاكي الصنعة البشرية، بل هذه هي التي تحاكي الطبيعة.كما أنّ المقدرة البشرية على الصنع وجدت لمساندة الطبيعة وإكمال ما تركته ناقصا.
ويصحّ لنا أن نقول إنّ كلّ ما ينشأ نشأة سليمة إنّما ينشأ من أجل هدف معيّن، فكلّ ما يؤدّي إلى شيء جميل نشأ نشأة صحيحة، وكل ما ينشأ أو تمّ نشوؤه بالفعل ينتج شيئا جميلا حين تتمّ العمليّة الطبيعيّة بصورة سويّة، أمّا ما يشذّ عن الطبيعة فهو رديء ومضاد لما يوافق الطبيعة، وهكذا تتمّ النشأة السويّة المطابقة للطبيعة لأجل تحقيق هدف معيّن.
وإذا أعددنا المدينة تجربة بشرية متعيّنة في المكان، فإنّها تبدو من داخل الأنموذج تجربة مثالية تتأسّس على عقلية فلسفية ذات منحى روحي، يوغل في أشراط التنظيم ومطالب النظام من طريق فهم يُجانس بين النظري والعملي، ويعبّر عن رغبة ذهنيّة ونفسيّة في التّوق إلى تحقيق الكمال والفضيلة والوحدة والتدبير الكامل المحكوم بمطالب الطّبع السليم خِلقة وخُلقا، من داخل نظام الجماعة الذي هو في الأصل نظام الفرد في علاقاته بذاته وبغيره، فردا وأسرة وجماعة من جهات شتّى تتساند لإنتاج منزلة الإنسان العاقل والفاضل معا، من حاصل تجربة عقلية كمالية يسود فيها العقل الفلسفي وتفترض الالتقاء العقلي داخل أنظمة المدينة بالتدبّر النظري تعليما وتعلّما وعلى قاعدة السلوك الجامع بين أهل العلم في دائرة أخلاق العلم، تثبيتا للرأي السّديد والعلم النافع في الاجتماع الإنساني.
وقد أكّد أرسطو على أنّ الفلسفة ضرورة لا غنى عنها، لأنّها الوحيدة التي من الممكن أن تمدّنا بالمعيار الأمثل الذي من خلاله نحسن الحكم على كل ما يصادفنا من أشياء في الواقع وفقا للطبيعة. وهو معيار يحتاج إليه كل فرد في المجتمع مهما كان موقعه. ولا سبيل لإنسان لم يهب حياته للفلسفة ولم يعرف الحقيقة أن يتوصّل إلى هذا المعيار، فالفيلسوف هو وحده من بين العاملين جميعا الذي يتّصف بثبات قوانينه ونُبلها، لأنّه الوحيد الذي يحيا وبصره مُثبت على الطبيعة وعلى كلّ ما هو إلهي، «إنّه يشبه الملاّح الجيّد الذي يرسي سفينة حياته عند ما هو أبدي ودائم، هناك يلقى مرساته ويحيا سيّد نفسه».
يحاول الفيلسوف في رؤاه أن يقدّم خلاصة ثقافة عصره كله، فضلا عن أنّه يحاول استشراف آفاق المستقبل بتقديم رؤيته حول ما ينبغي أن يكون الحال في كافة القضايا وفق فهم نشوئي أو تصوّري أو سببي أو تعالقي، يجعله ابن عصره يعيش كافة قضايا مجتمعه الفكرية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية ويعبّر عنها، وإن كان ينتهي إلى تقديم رؤياه حول ما ينبغي أن يكون عليه الحال، فإنّ ذلك يكون من خلال تلك المعايشة التي تفترض تتبّع حاجات الإنسان، ومطالب بقائه المادية، خصوصا في اطّرادها وتزايدها فردا وأسرة ومجتمعا ومدينة ودولة. فـدائما ما تساير الفلسفة مشكلات العصر وتتجدّد معها، وقد يكون التعبير عن العصر ملخّصا في الفكر من صميم عملها، والفيلسوف إنّما هو رجل يبرز الأفكار الأساسيّة التي يقوم عليها عصره ويعمل بها الناس بدون وعي منهم، فتتحدّد مهمّته بأن يجعل الناس على وعي بما هو الفنّ والأخلاق والسياسة والتجارة والدّين وسائر الصناعات، حتى يستطيع العقل أن يمارس ويؤثر إلى أقصى درجة وعلى أوسع مدى وبذلك يصبح مطلقا في بحثه عن الحقيقة، وتصبح الفلسفة بهذا التعبير الأرقى والأوضح والأكثر نسقية عن العقل، فتقبل بداية لـها هذا الافتراض الأوّلي للميتافيزيقا، أن تعرف أن الكائن موجود أو بدقة أكثر أن الموجود هو الكائن، رغبة في الارتقاء بالإنسان إلى الأفضل في سلّم مراتب الإدراك العام بالتوسّع في نظام الوجود الإنساني ودرجات عوالمه، فالفكر هو «الخاصة البشرية التي تميّز بها البشر عن غيره من الحيوان، وعلى قدر حصول الأسباب والمسبّبات في الفكر مرتبة تكون انسانيته، فمن الناس من تتوالى له السببية في مرتبتين أو ثلاث، ومنهم من لا يتجاوزها، ومنهم من ينتهي إلى خمس أو ستّ فتكون انسانيته أعلى» .
لم تكن الفلسفة في يوم من الأيام ضربا من اللغو أو وسيلة للّهو والعبث، بل كان تنوير المجتمعات والنهوض بها من أهمّ وظائفها، فهي تربّي في الفرد النزعة العقلية الواعية والناقدة التي لا تقبل معرفة أو حكما إلاّ بعد بحث وتمحيص، ومن ثمة تحرّر العقل من قيوده بما فيها العادات الفكرية البالية، وتغرس فيه الروح النقدية، وهي تعطي الفرد معنى للحياة، بأن توسّع مجالات تفكيره، وأفق نظره، وتكسبه القدرة على النقد الهادف، وتعوّده الشك طلبا لليقين، وتحرّره من ربقة التقاليد. وكثيرا ما ارتبطت وظيفة الفيلسوف بتحليل قضايا الواقع ومدى صلاحية المناهج الفكرية السائدة في معالجة قضايا الإنسان ومشكلاته والنظر في أنواع الحجة والأدلّـة وتفاوت مراتب الحق ودرجاته، وتقديم الرؤى والحلول التي تحافظ على تماسك المجتمعات، وتضمن استمرار وجودها بالدفاع عن قيمها وعن النظر في موانع الفهم من جهة منهج تحصـيـل المعرفة.
أثمرت حينئذ أنشطة العقل الافتراضية والاستدلالية والبرهانية والحجاجيّـة على اختلاف مراتبها وتعدّد مناهجها النظرية والعمليّــة طرقا في الفهم أسهمت في تأسيس السلطة العلمية وسيادة مرجعيتها في البيئة الثقافية العربية الإسلاميّـة، ليتأسّس بمقتضاها صنف العلم في جانبيه الشكلي والمضموني، وتتحدّد نظريّــات المعرفة وأبنيـة الثقافة الشكليّـة والمضمونية، المادية والمعنوية، وتتضح خصائص الخطاب الفلسفي من داخل مطالب الذهنية والعقليّـة والمنهجيّــة ترسيما لمطالب أنظمة المدينة واستحكام أسباب الحضارة فيها خدمة للإنسان الذي فضّل كائنا نوعيا وكرّم تكريما إلهيا.
كاتب تونسي

تحقيق العدل في أنظمة المدينة: ترسيم مطالب واستحكام أسباب
 
لطفي العبيدي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية