الرباط ـ «القدس العربي» من عبد اللطيف الوراري: النص في التاريخ: إلى وقت قريب، كانت الرواية في المغرب شبه جنس أدبي مغمور؛ فتاريخ نشأتها بالكاد يتعدى سبعة عقود، منذ أن كتب التهامي الوزاني أول نص روائي بعنوان: «الزاوية» في عام 1942، قبل أن تتلوها على فترات متقطعة نصوص روائية جديدة تمتلك قدرًا من خصائص هذا الجنس وقيمته الفنية، وهي «في الطفولة» لعبد المجيد بنجلون (1957)، و«سبعة أبواب» لعبد الكريم غلاب (1965)، و«دفنا الماضي» لعبد الكريم غلاب (1966)، و«جيل الظمأ» لمحمد عزيز الحبابي (1967). وقد اشتركت هذه النصوص التأسيسية ذات السمت الواقعي والبناء التقليدي، في أنها مزجت من حيث بنية النوعية بين الروائي والسيرذاتي، كأن الرواية لم تعرف ـ كما يقول عبد الله العروي ـ إلا «شكلًا واحدًا هو شكل السيرة الذاتية، إلى حد أن الرواية الفنية ظلت خلال زمن طويل مرادفا لرواية السيرة الذاتية» (الأيديولوجية العربية المعاصرة). عدا عن أن الروائي كان منجذبًا إلى تشخيص صراع/ لقاء الأنا والآخر (الشرق/ الغرب).
وفي الحقبة السبعينية، حيث علا الشعار الأيديولوجي، ظهرت روايات الأطروحة التي غدت تتنفس موضوعات المعترك المجتمعي شديد التعارض، وتعبر أيديولوجيا عن طبقة الكادحين والمهمشين كما في أعمال محمد زفزاف، ومبارك ربيع، وخناثة بنونة، ومحمد شكري وغيرهم. ثُم بعدها أخذت تتململ بنيات المتن الروائي لصالح الشكل والأسلوب؛ حيث تم كسر خطية السرد، واختلال التسلسل الزمني بالانفتاح على زمن الذاكرة والشعور والحلم والهذيان، واستثمار العجائبي والمتخيل والأسطوري، وتثمين طرائق المفارقة والتنسيب، على نحو ساهم في تذويت المحكي وتعدد الأصوات والاقتراب من لغة الشعر. وقد خلق هذا المتن من حيث خاصيته البنائية ـ كما انتبه إلى ذلك حمد اليابوري ـ «التباسًا» على مسنوى الشخوص والأحداث والزمن والمكان (انظر: دينامية النص الروائي)؛ كما في أعمال محمد عز الدين التازي، والميلودي شغموم، وعبد الله العروي، وأحمد المديني، ومحمد برادة، ومحمد الهرادي، ويوسف فاضل، وبنسالم حميش، وأحمد التوفيق وغيرهم. وأعتقد أن هذه المرحلة التي يمكن نعتها بالتجريبية المهمة ما زالت مستمرة إلى اليوم، إلا أنها أكثر حيويةً من ذي قبل.
منذ نهايات التسعينيات ومروراً بسنوات الألفية الجديدة، لا يمكن للمتتبع أن يخطئ أن ثمة حيويةً تطبع الإنتاج الروائي المغربي كميًا وكيفيا:
كميًا؛ صدرت مئات العناوين الروائية بلغاتٍ مختلفة، وإن كان أكثرها نسبةً وأدعاها للنظر ما كُتِب باللغة العربية تحديدًا، لأسبابٍ جمالية وسوسيوثقافية محض، بل إن الرواية صار جنسًا مهيمنًا على غيرة من بقية الأجناس الأدبية، وأكثرها حضورًا في المشهد الثقافي؛ إذ احتكرت نصف ما يصدر من الأعمال الأدبية للسنتين السابقتين (حوالي 299 عنوانًا لسنة 2014/ 2015)، وأزاحت الشعر عن سيادته التاريخية.
كيفيا؛ قياسا إلى تعدد المساهمين في الإنتاج الروائي، فقد أخذت نصوص الرواية تغتني بأفكار وتراث شعبي ومخيالات محلية متنوعة، ومن جغرافياتٍ كانت إلى وقت قريب هامشاً، وهو ما يُمثل بِحق خريطة طريق جديدة، وميلاد جيلٍ سردي متنوع ومغاير. فإلى جانب جيل المؤسسين ومُبَلْوري أوفاقه الجمالية، ممن لا يزال يواصل الكتابة ويُصر على أن يكون له فيها موطئ قدم دائم، ثمة أسماء جديدة من أعمار وحساسيات ومراجع كتابية مختلفة، تواصل ما كتبه المؤسسون وتعمل على تطويره والرقي به، ومنها ـ تمثيلاً لا حصراً ـ نذكر: عبد الإله بن عرفة، وسعيد بن سعيد العلوي، وبهاء الدين الطود، وأبو يوسف طه، والبشير الدامون، وشعيب حليفي، والحبيب الدايم ربي، وعبد الكريم جويطي، ومصطفى لغتيري، وأحمد الكبيري، وعبد الرحيم جيران، وجمال بوطيب، وعبد الجليل التهامي الوزاني، وعبد العزيز آيت بنصالح، ونورالدين محقق، وطارق بكاري، وإبراهيم الحجري، ومصطفى الحمداوي، وزكريا أبو مارية، وأحمد الويزي، وعبدالوهام سمكهان ومحسن الوكيلي. ومن النساء ممن جعلن للسان الأنثى وروائحها موقعًا مبأرًا عليه في السجل الروائي، مثل: الزهرة المنصوري، وزهور كرام، وخديجة مروازي، وربيعة ريحان، وزهرة الرميج، ووفاء مليح، ووئام المددي. ومن الشعراء الذي فتحوا متون الرواية على ضفاف الشعرية، مثل: محمد الشركي، ومحمد الأشعري، وحسن نجمي، وفاتحة مرشيد، ومحمود عبد الغني، وعائشة البصري، وياسين عدنان، ونسيمة الراوي.
إن مثل هذه الحيوية، وهذا التراكم كماً ونَوْعاً، فرض نفسه على مجتمع الأدب وسوق الكتب، وبالتالي فرض سطوته على النقد الأدبي، وإغواءه على المعالجة السينمائية والدراماتورجية، وعلى دور النشر المغربية والمشرقية على السواء، وعلى الشعراء أنفسهم. إننا نعيش عصراً اِنتقالياً، سياسياً وجمالياً، واكبت الرواية أحواله وأهواله وأفادت منه على حساب أجناس الأدب المعروفة، بما في ذلك الشعر الذي ضيعه العصر ومُنغصاته: من الجهل بالإيقاع إلى جهل الميديا.
اتجاهات وأنواع:
في هذا الأفق الروائي الذي يشبه معتركًا أو محفلًا لصراع القيم والأساليب، نتعرف على اتجاهات روائية تنتمي إلى أجيال وحساسيات ورؤى متنوعة ومتعارضة، بقدر ما هي تنحدر من مصادر محلية وقومية وإنسانية، شفوية ومكتوبة. وكل اتجاه يسعى، من خلال متنه ومصادره الكتابية الخاصة، إلى تنويع المقاربة والخطاب السرديين، وبالتالي إلى إحداث طفرةٍ نوعية داخل معمار الرواية المغربية بكيفيات لا تخلو من البحث وابتكار طرائق جديدة للصوْغ والنظر إلى العالم.
ويمكن لنا، تجوزًا وتمثيلًا، أن نذكر أبرز الأنواع الروائية التي يعكس كل منها اتجاهًا في كتابة التجربة، وفي الرؤية إلى الذات والعالم والأشياء؛ فثمة الرواية التي تستعيد الواقعة التاريخية وتتخذها ذريعةً لتحليل الواقع المعاصر ونقده، كما في «تغريبة العبدي المشهور بولد الحمرية» لعبد الرحيم لحبيبي (2013)، والرواية الأطروحة التي تواصل التزامها بهموم المجتمع وتعرض مشكلاته التي تزداد تعقيداً مع ما يدعوها ذلك إلى إبدال جديد في المنظور السردي، كما في «القوس والفراشة» لمحمد الأشعري (2010)، والرواية السجنية التي استلهمت ما سمي بـ«سنوات الرصاص» وانفرجت بعد مرحلة التصالح مع الذات والذاكرة، كما في «الزنزانة رقم 10» لأحمد المرزوقي (2009)، والرواية التي تنفتح على البعد الصوفي أو التخييلي وتستثمره بطرق بديعة، كما في «جارات أبي موسى» لأحمد التوفيق (1997)، والرواية البوليسية التي أخذت في الظهور بعد هامش الحرية السياسية لارتباطها بعمل أجهزة البوليس ومدى تطبيق القانون، كما في «الحوت الأعمى» لعبد الإله وميلودي الحمدوشي (2000)، ورواية العائلة كما في رواية «المغاربة» وليس آخرها الرواية التجريبية كما في سرود أنيس الرافعي وإسماعيل غزالي.
وعدا ذلك، يمكن ان أشير، بشيء من الارتكاز، إلى أنواع ثلاثة أخرى صادرة من رؤى ثقافية حديثة المنشأ، وهي في نظري تؤسس لـ(خصوصيات) الرواية المغربية، وذلك لارتباطها، تاريخيا وسوسيوثقافيا، بمشكلات الذات والهوية والتاريخ، التي تعيد بناءها وتأويلها بكيفيات خاصة ومبتكرة، وهي:
رواية بحث الهوية، ويمكن أن نستشهد، هنا، بروايتي»نوميديا» لطارق بكاري (2015) «المغاربة» لعبد الكريم جويطي (2016). في الأولى، يطرح الروائي مسألة الهوية ضمن واقع يتسم بالاضطراب والتشظي؛ إذ تتخلى شخصيات الرواية عن واجبها، من الطبيب الخائن، واليساري الذي يتجرع خيباته الطوباوية، إلى رعاة الظلام الذي يشيعون بلا تسامح ثقافة التطرف التي تفتك بالمجتمع من جهة، ومن جهة أخرى يعالج توترات هذه المسألة من خلال بطل الرواية مراد، الذي يمزج في تكوينه وتنشئته بين ما هو عربي وأمازيغي وإفريقي وفرنسي، إلا أنه يحول ذلك إلى عامل قوة وتفاعل من خلال تقبل الآخر، والانفتاح على ثقافته. وفي الثانية، ينقب الروائي في سجلات متنوعة من تاريخ المغرب القديم والحديث، ليجعل النص محط صراع قيمي واجتماعي من طرف شخصيات مرجعية، وحد بينها قدر الوطن إلا أنه فرقت بينها أهواء السلطة والجشع ومقادير الجهل والقسوة والقهر، إلا أن الشخصيتين الرئيسيتين السارد الأعمى والعسكري المعاق يترفعان عن آلامهما وينسجان علاقة الأخوة التي تلتئم بها جراحات الهوية وتجمع ما هو مُفرق.
رواية التخييل التاريخي، ويمكن أن نستشهد ضمن هذا الحقل الرحب الذي أغرى الروائيين وجدد آليات بحثهم الجمالي، برواية «ليالٍ بلا جدران» لحسن المددي (2014). فقد جعل الروائي من التاريخ المغربي الحديث، أي ابتداءً من ستينيات القرن العشرين، سنداً ومرجعاً لبناء عمله الروائي وتشكيل مستويات تخييله السردي وهويته. كان الرهان الأول الذي عول عليه هو نوعية الثيمة التي اختارها محوراً لرواية، وهي ثيمة مشبعة بإشكالات المرجع النفسي والسوسيوثقافي، مثل الهجرة: ليست هجرة اليد العاملة، بل المصائر والأفكار والتمثلات الرمزية والمشاعر الجماعية والعوالم البديلة، التي تنقلت عبر شخصيات هامشية ومنذورة للضياع والاغتراب (إبراهيم الخضار ومبارك البياض تحديداً) من قرية أيت همان الأمازيغية المهملة في جنوب المغرب، إلى فرنسا للعمل في مناجم الفحم وصناعة السيارات.
وقد أعطى الروائي انطباعاً بأن شخصيات الرواية كانت تواجه تاريخها نفسها بنفسها، ولا يد له عليها. فقط كان يجتهد في أن يُوجِد المكافئ السردي الذي يُعبر عن هذا التاريخ الذي كانت تكتبه شخصيات هامشية منحدرة من واقع بائس، ومتصدعة تعاني انشطاراً حاداً بين عالمين وثقافتين. ومن ثمة، أن ينشئ بين التاريخي والتخييلي حبكةً لا تنقطع عن سياقاتها الحقيقية، بقدر ما لا تفرط في السياقات السردية المجازية، التي تكفل للأحداث المتناثرة الانضواء في إطارٍ سردي مُتنامٍ ومحدد المعالم، وهو يُحقق ما يسميه بول ريكور بـ(الهُوية السردية) بوصفها بؤرة يقع فيها الامتزاج المثمر والفعال بين التاريخ والتخييل، عبر آليات السرد وأنماط بنائه. لم تكن سيرة إبراهيم الخضار إلا نموذجا لسير غيره من المهاجرين الذين لم ينتموا إلى فئة «المُهمين في هذا العالم»، ولا مكان لهم في التاريخ؛ لكن الروائي جعل حياتهم تبدو مهمةً في عيون القراء، بعد أن صار لها مكان بديل داخل الرواية.
الرواية العرفانية كما يكتبها عبد الإله بن عرفة وراكم فيها نصوصًا متنوعة ابتداءً من «جبل قاف» (2002) وحتى «الجنيد: ألم المعرفة» (2016).
وهي نوع روائي جديد يستفيد من منجز جنس الرواية، بيد أنها تنفتح على بقية الأجناس الكتابية (شعرا، تصوفا، رسائل، مذكرات)، كما تنفتح على سجل الماضي الحدثي المُغير وعبره على شخصياته القلقة التي صنعت التاريخ الثقافي بمعنى من المعاني. فالروائي يماهي بين صوت الروائي وصوت الشخصية (الغزالي، ابن الخطيب، ابن حزم، الجنيد) داخل عمل الرواية، ولكن ليس إلى حد أن تخلق هذه المماهاة التباساً بين صوتين، وتاريخين وهويتين. إنها «مُسمى لاحق وليس سابقاً»، بمعنى كونها تأخذ أهميتها من مفهوم الحاضر وشهادة الحضور. وهذا المفهوم يقع في صلب استراتيجية هذه الرواية، لأنه لا يستحضر الحكاية التاريخية ويُشيد مادتها البيوغرافية في صلة بهذه الشخصية أو تلك، بغرض استعادة الماضي واستهلاكه نفسياً وجمالياً من طرف القارئ، وإنما يُحينها كقضية ماثلة أمامه تخاطب وجدانه ومعرفته وخياله. فقضايا مثل طرد المورسكيين، أو الحرية، أو الصراع الثقافي وتاريخ الأفكار، لا تُطرح إلا تحت تأثير مكر المفهوم الذي يتحول إلى صك اتهام حاضر ودائم.
نقد ونقد:
ظل الاعتقاد راسخًا عند المشارقة بأنه ليس في المغرب إلا النقد، وفيه يزدهر الخطاب النقدي على حساب الخطاب الإبداعي. بالطبع، ظهر خلال العقود الثلاثة الأخيرة، أي منذ سنوات الثمانينيات من القرن الماضي، نقاد كبار ساهموا في إثراء الحقل النقدي العربي المعاصر من خلال مؤلفاتهم وترجماتهم، التي أصبحت سلطة مرجعية داخل مجالات الأدب والفكر والفلسفة والفنون، من أمثال: عبد الفتاح كيليطو، ومحمد عابد الجابري، وسعيد يقطين، ومحمد بنيس، وعبد الكبير الخطيبي، ومحمد مفتاح، ومحمد برادة، وسعيد بنكراد، ومحمد مشبال، ورشيد يحياوي، ومصطفى النحال، وحسن المودن وغيرهم. فقد اتسم عمل هؤلاء بالأصالة والجدة؛ إذ زاوجوا بين استيعاب التراث ونقده، والانفتاح على المنجز النقدي الحديث الوافد من أوروبا، ومن فرنسا تحديدًا، والمتمثل في نظريات النص وتحليل الخطاب كما تجسدت من خلال البنيوية والسيميائيات وجماليات التلقي والتفكيكية.
وإذا مثلْنا بالنقد الروائي، لا يمكن أن نغفل عن مراجع ساهمت في تأسيس خطاب نقدي عربي حديث، قطع مع مدونة الانطباعات والظروف الخارجية، مثل: «بنية الشكل الروائي» لحسن بحراوي (1990)، و«شعرية النص الروائي» لبشير القمري (1991)، و«تحليل الخطاب الروائي» لسعيد يقطين و«دينامية النص الروائي» لأحمد اليابوري (1993). وما زال هذا النقد حيويا لم يكف عن رفد نظريات الخطاب العربي بأدوات ومفاهيم ورؤى نظر جديدة، كما أنه محط احتفاء وتقدير من المشارقة الذين قدموه إلى الصفوف الأمامية واعتنوا بطلبه ونشره ودراسته.
بيد أن هذا النقد أمام محك حقيقي؛ وهو أن يتوجه إلى نقد النصوص المحلية والوطنية، بدلًا من أن يظل أسير نصوص لروائيين ذوي حظوة من المشرق أو المغرب، وبالتالي لا يساهم إلا في تكريس هذه الصورة الأحادية والمكرورة.
ففي المغرب، كما في غيره طبعًا، ما يشبه ثورة في الإنتاج الروائي، ليس داخل المراكز المعهودة، بل في الهوامش والأطراف البعيد، ومن ثمة على النقد أن يصل إلى النصوص المستحقة ويدرسها ويحلل ما فيها من إضافات نوعية على صعد الشكل والأسلوب والمضامين، ويقربها من القارئ في كل مكان، على النحو الذي يشكل معه تحفيزًا إضافيا على الإبداع، بله إشاعة «عدالة» النقد. كما أن عليه أن يفكك «أساطير» المركزية الشرقية بالقدر الذي لا يسقط فيه داخل «عصبية» مقيتة وكليشيهات مسكوكة.
إن أحد رهانات النقد في وقتنا الراهن، إنما هو تشخيص اللامفكر فيه والمسكوت عنه من داخل الفن الروائي نفسه، لأن من شأن ذلك أن يغني هذا الفن، ويُطوره ويُديم عافيته الجمالية والقرائية.