تماهت «الإصلاحات الاقتصادية الهيكلية» التي تعتزم بعض البلدان العربية إجراءها، أو التي باشرت بعدُ تنفيذ بعضها، مع ما «ينصح» به صندوق النقد الدولي من إجراءات توصف بكونها «مؤلمة»، لإخراج تلك الاقتصادات من الاختناقات الراهنة. قد تكون المجتمعات القائمة على الريع النفطي في منأى مؤقتا عن مثل تلك الاختناقات، أما البلدان شحيحة الموارد مثل الأردن وتونس والمغرب ومصر، فتوجد في قلب هذا التحدي. وتبدو هذه الدول مدفوعة دفعا إلى تنفيذ «الإصلاحات»، لكي تحصل على قروض ومساعدات من صندوق النقد الدولي وشركائها الاقتصاديين (أساسا الاتحاد الأوروبي)، ولا تضطر للجوء إلى الأسواق المالية الدولية ذات الفوائد المرتفعة. وما يُعطل الحكومات عن المُضيِ في هذه الطريق، أو يجعلها مُترددة، هو الكلفة الاجتماعية والسياسية الباهظة لإجراءات تُصنف على أنها «غير شعبية». وإذا ما اتخذنا التجربة التونسية في التعاطي مع الإصلاحات الاقتصادية مثالا سنجد أن الخصائص التي وسمتها هي الخصائص التي وسمت أيضا التجارب الأخرى.
أربعة «إصلاحات» كبرى
ويمكن تلخيص الإجراءات الأبرز التي يحض عليها صندوق النقد الدولي في أربعة «إصلاحات كبرى» هي التوقف عن دعم المواد التموينية الأساسية وبيع مؤسسات القطاع العام الخاسرة أو المتعثرة للقطاع الخاص، جزئيا أو كليا، ووقف الانتدابات الجديدة في المؤسسات العمومية، بالإضافة لتسريح قسم من موظفي القطاع العام للحد من نزيف الرواتب. ويستندُ طلب تخفيض عدد العاملين في القطاع العام إلى أن قسما من هؤلاء في مصر وتونس والمغرب والأردن وبلدان أخرى، تم انتدابهم بناء على الزبونية والرشوة والقرابة والولاء، وليس على الكفاءة. وإذا ما رصدنا هذه الظاهرة في المثال التونسي، سنجد أن عدد الموظفين في القطاع العام تضاعف 16 مرة منذ الاستقلال (1956). إذ ارتفع من 36 ألفا إلى نحو 700 ألفا في 2017 حسب دراسة أعدها «المعهد التونسي للدراسات الاستراتيجية» (حكومي). وإذا ما تعمقنا أكثر في هذا الأنموذج نُدرك أن الخلفيات السياسية لعبت دورا مهما في تعقيد أزمة القطاع العام، إذ أن عدد مستخدمي القطاع تضخم بعد عام 2012 تاريخ استلام أحزاب «الترويكا»، بقيادة «حركة النهضة» الإسلامية مقاليد الحكم. وأبصرت تلك الفترة عمليات توظيف عشوائية لصالح المستفيدين من العفو العام، وهم من منتسبي الأحزاب المعارضة في العهد السابق، الذين فُصلوا من وظائفهم.
ترقيات آلية
وتلت تلك الخطوة انتدابات استثنائية لمن صُنفوا بين أهالي «شهداء الثورة» وجرحاها، علما أن لائحة الشهداء والجرحى لم تُضبط بشكل نهائي حتى اليوم. وكشفت دراسة «المعهد التونسي للدراسات الاستراتيجية» أيضا أن الترقيات الآلية شملت منذ سنة 2012 أكثر من 435 ألف موظف. وأدى تضخم عدد موظفي القطاع العام إلى إثقال كاهل الموازنة بكتلة رواتب اعتبرها صندوق النقد الدولي من بين الأضخم في العالم، إذ أنها تستأثر بـ14 في المئة من الناتج المحلي الاجمالي للبلد. من هنا وضع الصندوق خفض كتلة الرواتب في مقدم شروطه لمواصلة تمويل الإصلاحات الاقتصادية في تونس، مُشددا على النزول بها إلى 12 في المئة من الناتج المحلي في غضون سنة 2020.
كيف جابهت الحكومة هذا التحدي الصعب؟ كان الإجراء الأول متمثلا بغلق باب الانتداب في القطاع العام، وكذلك تسهيل نفاذ الشباب لمصادر التمويل من أجل بعث مشاريعهم الخاصة. وأظهر «المعهد الوطني للإحصاء» أن عدد العاطلين عن العمل في تونس بلغ 665 ألفا (العدد الإجمالي للسكان أكثر من 10 ملايين)، من ضمنهم 250 ألفا من الحاصلين على شهادات جامعية.
لكن حتى الآن ليس واضحا إذا ما كان البلد مُقبلا على تخصيص مؤسسات القطاع العام أم لا، لأن الجدل في شأن هذه المسألة بقي عقيما، بعدما اتخذ منذ البدء منحى أيديولوجيا، لا بل ديماغوجيا، يُركز على الشعارات الفضفاضة، وليس على قياس الجدوى الاقتصادية لقرارات التخصيص. والثابت أن مئات من مؤسسات القطاع العام باتت هزيلة وخاسرة. وتم في البدء وضع لائحة بمئة مؤسسة مرشحة للتخصيص، على أن تشمل الموجة الأولى عشر مؤسسات فقط، بُغية وقف النزف الذي تعاني منه الموازنة.
اختلالات هيكلية
الذين يستسهلون اختزال المسألة في مؤامرة حبكها صندوق النقد الدولي يغضون الطرف عن الاختلالات الهيكلية في القطاع العام. صحيح أن هناك أسبابا موضوعية تدفع في اتجاه تخصيص بعض المؤسسات العمومية، وأسبابا أخرى تجعله غير مبرَر، لكن لم ينطلق حتى الآن حوار جدي ومسؤول حول مستقبل القطاع العام بين الحكومة والنقابات العمالية، التي تعترض بشدة على أي خطوة في اتجاه التخصيص، مُعتبرة الإبقاء على الوضع الراهن للقطاع العام «خطا أحمر». وفي النتيجة ما زال الجميع يدورون في حلقة مفرغة.
يرتكز مناصرو التخصيص على ما يدُرُهُ هذا الإجراء من أموال على المؤسسة العمومية المتعثرة، وتحسين قدرتها على المنافسة وإنعاش مالية الدولة بضخ أموال جديدة فيها، فضلا عن وقف النزف المتمثل بإنفاق الدولة على المؤسسات العمومية المتعثرة. ومن شأن هذه الخطوة أن تُقلل من التأثير السياسي والعشائري في عمليات التوظيف وتحدَ من الفساد وإهدار المال العام. أكثر من ذلك، إذا تخففت الدولة من عبء المؤسسات المتعثرة تغدو قادرة على القيام بدورها في تنشيط الحياة الاقتصادية وتسريع نسق النمو والاهتمام بالمناطق الريفية المنسية.
أما صندوق النقد الدولي فاعتبر على لسان جهاد أزعور، مدير قسم الشرق الأوسط وآسيا الوسطى في الصندوق، أن تونس نفذت نصف خطة الإصلاحات التي يتعين عليها تنفيذها، مُشيرا إلى أن «الخطة عرفت مشاكل عدة خلال الفترة الأخيرة» (من دون شرحها) على الصعيدين الداخلي والخارجي. واعتبر أزعور في تصريحات أدلى بها خلال زيارته لتونس الأسبوع الماضي، أن مؤشرات التصدير إيجابية، لكنه رأى أنها تحتاج إلى مزيد من الدعم «بعدما ساهمت في الحد من عجز الموازنة، الذي يُشكل السبب الأول للتداين» على ما قال. وتُبرر الحكومة التونسية، مثل حكومات الأردن ومصر والمغرب، مُسايرتها لـ»نصائح» الصندوق بحاجتها إلى الحصول على الأقساط المُتفق عليها من قروضه، كي لا تُضطر هذه الحكومات إلى الخروج إلى السوق المالية، والاستدانة بفوائد مرتفعة.
صعود أسعار النفط
ويعتقد خبراء اقتصاديون أن صعود أسعار النفط في الأسواق الدولية أو نزولها يلعب دورا حاسما في تفاقم الأزمة الاقتصادية في تونس أو انفراجها. وهو التحدي نفسه الذي تواجهه بلدان عربية أخرى غير منتجة للنفط والغاز، ما يجعلها عرضة لتقلبات الأسعار العالمية. واتجهت البلدان الأربعة (الأردن ومصر والمغرب وتونس) إلى تنمية الطاقات الجديدة والمتجددة، بسرعات متفاوتة، كي تُقلل من الاعتماد على مصادر الطاقة الأحفورية، لكنها ما زالت في أول الطريق، فأسعار الوقود في تونس عرفت أربع زيادات خلال عام واحد، ما يُعتبر إنهاء تدريجيا للدعم. كما قررت الحكومة مراجعة الأسعار دوريا كل ثلاثة أشهر في ضوء تقلبات أسعار الطاقة في الأسواق العالمية، ما يؤُشر لمزيد من الزيادات.
صعود الليبرالية الجديدة
إذا ما رصدنا مسار التخصيص باعتباره موجة عالمية، نلحظ أن هذه الموجة شملت معظم بلدان العالم منذ صعود الليبرالية الجديدة في ثمانينات القرن الماضي، مع رئيسة الوزراء البريطانية مارغريت ثاتشر والرئيس الأمريكي دونالد ريغن. وتعززت الموجة بسقوط جدار برلين وانهيار الأنظمة الشيوعية السابقة، فتبلور آنذاك طريقان إلى التخصيص: الأول ظهر في البلدان الغنية، التي حرصت على تحسين إدارة المؤسسات العمومية، قبل بيعها للقطاع الخاص، فجعلت منها مؤسسات رابحة، واستطرادا غنمت من بيعها. أما الطريق الثاني فهو المسار الذي عرفته البلدان المُتحولة من الاشتراكية إلى اقتصاد السوق. وكانت تمرُ في صعوبات اقتصادية واختناقات مالية جعلتها تتخلى عن القطاع العام بأسعار زهيدة في كثير من الحالات. بهذا المعنى يحتاج السير في طريق التخصيص إلى تحسين إدارة المؤسسات العمومية في البلدان العربية المعنية، ولو بواسطة اللجوء للاقتراض، من أجل تحويلها إلى مؤسسات قادرة على المنافسة، ثم اتخاذ القرار بالتخصيص أو عدمه حسب الحالات، كي لا يكون القضاء على القطاع العام السبيل الوحيد لعلاج أمراضه وعاهاته. وأظهرت التجارب المعيشة في هذا المجال أن هناك ثلاثة خيارات مُتاحة في هذا المضمار: الأول هو إفساح المجال أمام القطاع الخاص للاستثمار في رأس مال الشركات العمومية المُتعافية، في إطار شراكة يكسب من ورائها الطرفان، إما عبر شراء أسهم أو إدراج المؤسسة في البورصة، أو بتسمية شريك استراتيجي من ضمن الخواص. والخيار الثاني هو التخلي عن المؤسسة للقطاع الخاص بسبب كلفة الإصلاح الباهظة. أما الخيار الثالث فهو الإبقاء على الوضع القانوني للمؤسسة العمومية، باعتبارها استراتيجية أسوة بشركات الكهرباء والماء.
إجمالا لا يمكن النظر إلى قضية الإصلاحات الاقتصادية بمنظار أيديولوجي، مثلما هو الحال اليوم في غالبية المناقشات، فالمؤكد أن الدول ستكسب من تخصيص مؤسسات عمومية متعثرة، لكن بشرط أن تكون تلك المؤسسات في دائرة القطاع التنافسي، وليست مؤسسات استراتيجية تؤثر في الأمن القومي للبلد، على ألا تباشر اللوبيات في إرباك المؤسسات المُرشحة للتخصيص من أجل الاستيلاء عليها بأبخس الأثمان.
رشيد خشانة