تراجع دور الإعلام الرسمي في ظل الثورات الشعبية والتحولات الإجتماعية الكبرى

حجم الخط
1

القاهرة ـ «القدس العربي»: موجة الحر الشديدة والمفاجئة كانت الموضوع الأهم بالنسبة للغالبية العظمى من المواطنين، لأنها ستحدد مدى تصديقهم للرئيس والحكومة، لأنهما أكدا أن هذا الصيف سيمر بسلام، إن شاء الله، في ما يخص انقطاع التيار الكهربائي بسبب الزيادات في القدرات التي أضيفت للمحطات القائمة، وكذلك الوحدات المتنقلة التي تم استيرادها وسيتم جلب المزيد، والمشروعات الأخرى التي ستنتهي منها كبرى الشركات الأمريكية جنرال إلكتريك وسيمنس الألمانية، لأن الكهرباء واستقرار التيار لا يتعلق فقط بمواجهة موجات الحر في الصيف، إنما يتعلق أيضا بامتحانات طلاب الجامعات، وامتحانات الثانوية العامة، إضافة إلى قرب حلول شهر رمضان، وما فيه من مسلسلات وبرامج تلفزيونية، بدأت حملات الإعلانات عنها من الآن، والنشاط التجاري والصناعي أي أن استقرار التيار الكهربائي من الآن وحتى نهاية الصيف سيحدد بالفعل استمرار شعبية السيسي أو تراجعها.
وقد أخبرني الرسام في جريدة «الأخبار» هاني شمس أمس الأربعاء 27 مايو/أيار وطلب عدم الإشارة إليه في «القدس العربي» بأنه ذهب للوقوف في طابور لشراء سلع مدعمة تحت حرارة الشمس فسمع أحد الواقفين يقول لآخر:
– مش المفروض يرفعوا الدعم عن درجات الحرارة بالتدريج برضه.
ومن الأخبار الاخرى التي وردت في الصحف، استمرار الرئيس ورئيس الوزراء في نشاطيهما للتأكيد على وزراء التموين والزراعة بتوفير السلع في رمضان بأسعار مخفضة في المجمعات الاستهلاكية التابع للتموين ومنافذ الزراعة والجيش، ومساهمات أكبر من الجيش والجمعيات الخيرية الكبيرة، مثل مصر الخير والأورمان وبنك الطعام بالتحديد، بالتوسع في توزيع «شنط رمضان» التي تحتوي على مواد رمضان أرز وسكر ومكرونة وزيت وسمن وشاي ولحوم، لتحل محل ما كان يقوم به الإخوان، وإعلان وزارة التضامن الاجتماعي عن أن الجمعيات الخمسين التي صدرت قرارات بحل مجالس إدارتها وغلقها لا لعلاقة لها بالإخوان، بل لأنها منذ قامت لم تمارس أي نشاط. وبدء تلقي طلبات أصحاب الاحتياجات الخاصة لشغل خمسة آلاف وظيفة ولقاء الرئيس السيسي مع وزير الصناعة الروسي.
وقامت جريدة «البوابة» اليومية التي يرأس مجلسي إدارتها وتحريرها زميلنا وصديقنا عبد الرحيم علي، بتخصيص الموضوع الرئيسي في صفحتها الأولى أمس لحديث الفريق أحمد شفيق، أدلى به لزميلينا سمير عثمان ومروة فاروق، واتهم فيه أنصار زميلنا وصديقنا حمدين صباحي في التيار الشعبي، بأنهم يحاولون إثارة الفتنة بترويج شائعات بأنه يريد إسقاط الرئيس السيسي، وأن الحملة الخاصة التي تدعو لترشحه للرئاسة وتحمل اسم «أنت الرئيس» تم تدشينها قبل انتخاب الرئيس عبد الفتاح السيسي لا تهدف على الإطلاق لمواجهة الرئيس السيسي، حسب نص كلامه، أي أن الحملة موجودة. وأضاف التحقيق إليها حملات أخرى وقال بالنص: «وكثفت الحملات المؤيدة للفريق أحمد شفيق من نشر ملصقاتها في الشوارع والميادين للمطالبة بعودته مرة أخرى إلى مصر، وطالبت حملات «عايزين شفيق يرجع مصر» و«شباب شفيق» و«الحملة الشعبية للمطالبة بعودة شفيق إلى مصر»، بوقف التشويه المتعمد ضد الفريق، مؤكدين أنهم بصدد تدشين جبهة تضم جميع أنصاره في جميع المحافظات».
وفي الحقيقة فهذا حق شفيق وأنصاره، لكن مشكلة بعضهم أنهم ينكرون هذه التحركات ويتهمون الإخوان المسلمين والناصريين والشيوعيين بتحريكها، وهو ما قاله نصا مساء أول أمس الثلاثاء العقيد السابق في الجيش عمرو عمار على «قناة القاهرة والناس» المقربة من شفيق مع الجميلة أماني الخياط في برنامجها «من القاهرة»، عندما طالب أنصار الفريق شفيق ومن شاركوا في ثورة الثلاثين من يونيو/حزيران و3 يوليو/تموز أن لا يعطوا فرصة للإخوان والتيار الشعبي والناصريين والشيوعيين الذين يسيطرون على المجلس الأعلى للصحافة لتفريق الصف، وأخذ يحدد ملامح ومعلومات المؤامرة التي يشتركون فيها. وإلى بعض مما عندنا….

أين أساطين الثقافة في مصر من إيناس؟

وإلى أبرز المعارك حول المخرجة السينمائية إيناس الدغيدي، وما تبقي منها قبل أن نغلق أبواب هذه القضية، فقد نشرت الأخبار «حكومية»، يوم الأحد مقالا لخفيف الظل أستاذ العقيدة في جامعة الأزهر وعميد كلية الدراسات الإسلامية للوافدين الدكتور عبد المنعم فؤاد قال فيه وقد كاد يجن مما ينشر ويقال: «عجيب أن يطالب الأزهر صباحا ومساء بتجديد الخطاب الديني، ولا يطالب أحد بتوقيف مهاترات إيناس الدغيدي، التي تصيح بها يوميا في وسائل الإعلام، فمرة تدعو الشباب إلى المعاشرة الزوجية قبل الزواج، وتنصب نفسها مفتيا عاما للديار المصرية، وتدعي أنه ليس حراما، ولا أدري من أسند إليها أحقية الفتوى في مصر، في وقت يحارب فيه الجميع فوضى الفتوى.
ومرة نراها تدعو لفتح بيوت للدعارة تنفيسا للشباب، وتعطي لهم الحرية لكي ينتجوا إنتاجا تعرفه هي دون غيرها، وآخر تقليعات الجريئة دعواها أنها رأت في المنام رب العالمين، أستغفر الله العظيم، وأخبرته بأنها لا تفهم ما يقوله الأنبياء، وعقلها لم يستوعب ما جاءوا به. أين هم أساطين الثقافة في مصر مما تثيره زميلتهم المثقفة من دعوات لا هي من الدين ولا حتى من أقوال الشياطين، فالشيطان نفسه لم يجرؤ أن يقول لربه ما قالته الدغيدي؟ وموسى عليه السلام الذي كلم ربه على الجبل لم يقل ما تفوهت به هذه المسكينة، التي نتمنى أن تتوب وتعود إلى رشدها، ولا يصح أبدا أن يترك الحبل على الغارب للمساطيل ودعاة الإباحية ليقولوا عن الذات الإلهية هذه الخزعبلات، وأنبياء الله لهم عصمتهم وقداستهم. ولا يصح لأحد أن يطالب العلماء بتصحيح الخطاب الديني في وقت يحارب فيه الخطاب الفني والإعلامي كل العقائد والفضائل والأخلاق في مصر الآمنة، التي أوصى بها رسول الله، عليه الصلاة والسلام، وأمن أرضها وأهلها رب العالمين في كتابه الكريم. إلى الله المشتكى».

«يا فرحة إبليس بكِ يا إيناس»

وفي العدد نفسه من جريدة «الأخبار» شن خفيف ظل آخر هو زميلنا أحمد جلال هجوما على إيناس بقوله: «المخرجة إيناس الدغيدي لا تجد ما يشغلها وتشغلنا به، فبعد سلسلة أفلام الشذوذ التي قدمتها للسينما، ولاقت فشلا ذريعا، بدأت في إثارة الجدل حولها بإطلاق التخاريف التي تحض على الفجور، فدعت لممارسة الزنا بين المخطوبين قبل الزواج، وأخيرا طالبت بتقنين بيوت الدعارة. ونحن لا نعتب عليها فهذه أخلاقها وتلك سلوكياتها، لكن إيناس مخها ضرب والصنف كان عالي جدا عندما قالت إن الله جاءها في المنام وتحدثت إليه، والمصيبة أنها قالت لربها «أنا غير مقتنعة بكلام الأنبياء»، رغم أن الكل يعلم أن الله لا يأتي للشياطين.. يا فرحة إبليس بيكي يا إيناس».

خريج الأزهر المستنير أداة لإيصال الإسلام الحقيقي

وإلى إخواننا في التيار الإسلامي ومعاركهم التي بدأها في «أخبار اليوم» (حكومية) يوم السبت الماضي، الشيخ محمد البسطويسي نقيب الدعاة في وزارة الأوقاف بمهاجمة الوزير والأزهر في حديث أجراه معه زميلانا مؤمن عطا الله وآلاء المصري وقال فيه: «الغريب أن وزارة الأوقاف والأزهر الشريف المنوط بهما التجديد، لم يتحركا خطوة واحدة إلى الأمام نحو تجديد الخطاب الديني، منذ دعوة الرئيس، ولم يرسلا حتى الآن للدعاة والأئمة في شأن التجديد شيئا، والسبب ليس الأئمة والدعاة، إنما المقصر في ذلك هما الأزهر ووزارة الأوقاف. فور خطاب الرئيس في الاحتفالات بليلة القدر، ودعوته للثورة على الخطاب الديني العقيم، تقدمت نقابة الدعاة إلى وزير الأوقاف بمشروع لتجديد الخطاب الديني، ولكن كان الوزير غريبا عندما قال لنا إن المشروع «مش وقته»، فالدولة من قبل وحتى الآن قامت بتلميع أصحاب الدعوات الأخرى مثل، السلفيين والإخوان وغيرهما، وفي نهاية الأمر انقلب هؤلاء على الدولة، ولكن الإمام الوسطي المستنير خريج الأزهر الشريف، إذا وفرت له الإمكانيات سيكون أداة لإيصال الإسلام الحقيقي للمواطنين، بعكس ما يفعله بعض السلفيين حاليا من تصدير الإرهاب، وأنا لا أدري لماذا هذا التقييد للإمام من وزارة الأوقاف».

مشكلة السيسي أنه يثق بشيوخ المؤسسات

وما أن قرأ زميلنا وصديقنا إبراهيم عيسى رئيس تحرير جريدة «المقال» اليومية المستقلة هذا الاتهام، حتى أحس بسعادة لا حدود لها ووسع من دائرة الاتهام لتشمل الرئيس نفسه بقوله في يوم السبت نفسه عن أصناف المتطرفين والإرهابيين وأنواعهم:
«ثلاثة أنواع من المشايخ، النوع الأول هم شيوخ الإرهاب الذين يكفرون الرئيس والدولة والجيش والشعب ويعلنوها حربا إرهابية على هذا الوطن. النوع الثاني شيوخ الإرهاب من الوهابيين والسلفيين، وهؤلاء منتمون إلى جماعات السلفية، ومخترقون للأزهر ومتخفون في تقية نبذ العنف، وتحت عباءة الدعاء للرئيس، ويكتفون بتفريخ الإرهابيين للنوع الأول، فلا يمكن لإرهابي إلا أن يكون سلفيا وهابيا مر على هؤلاء الشيوخ. النوع الثالث شيوخ المؤسسات الرسمية، وهم يقولون كلام الشيوخ الإرهابيين من النوعين الأول والثاني نفسه، حيث التكفير والجمود الفقهي وعبادة كتب التراث وتقديس التابعين وكتبهم والمعصومية لأئمة القرنين الثاني والثالث الهجريين، واحتكار الدين والتعصب المذهبي المقيت وبث الفتنة العمياء بين السنة والشيعة، والتعامل العنصري مع الأديان الأخرى، لكنهم يدعون للرئيس ويجبنون عن مواجهة السلفيين، بل يتمسحون بهم لأنهم يرون رؤاهم نفسها ويشربون من ريهم نفسه ويقبضون من ممولهم نفسه فيرتمون في أحضانهم إذا خلوا لبعضهم.
مشكلة الرئيس السيسي، وهو مشغول جدا بقضية تجديد الفكر والخطاب الديني، أنه محاصر بهذه الأنواع الثلاثة، وللأسف يثق في شيوخ المؤسسات. لو تأملت جيدا ستجد أن شيوخ المؤسسات المصرية أصبحوا شيوخ السعودية. هنا عنوان مهم للمصيبة، فالأزهر الذي كان منبعا للفكر الوسطي المصري سلم نفسه تسليما كاملا إلى المال الوهابي النفطي، والإعارات للسعودية والخليج والجمعيات الدينية، التي يتم تمويلها من مشايخ وأمراء وأثرياء السعودية والوهابية، فضلا عن الغزو السعودي لمصر من خلال الحركات والجماعات السلفية فيها، التي هي ابنة بارة للوهابية وروحها وحياتها وعقلها، إن كانت تملك عقلا، ملك يمين الوهابية. ولا شيخ من هؤلاء الذين يدعون مواجهة الإخوان الآن، إلا تقربوا وتزلفوا قولا وفعلا ودراسة وبحثا، إلا في ما ندر منهم. والغريب أن من فعلها وواجه الإخوان منبوذ بينهم الآن، ومن نافقهم وخطب في رئيسهم مدلل بينهم الآن والأعجب أن الرئيس يرعى هذا التناقض».

نادر بكار: إيران تستخدم الشيعة
لمد نفوذها الفارسي في مصر

وسرعان ما جاء الرد بعد أربعة وعشرين ساعة فقط، إذ نشرت «المصريون» الأسبوعية المستقلة، حديثا مع نادر بكار مساعد رئيس حزب النور وأحد المتحدثين باسمه، أجرته معه زميلتنا الجميلة نورا الغزالي قال فيه ردا على اتهامات يتم توجيهها للحزب عن وساطته بين الإخوان والنظام: «ليست لنا علاقة لا بالإخوان ولا بالسلطة، وليست لنا مصلحة في الأمر، والنور لا يمارس أي دور في الوساطة بين أي طرف، ومهمته هي الانتخابات المقبلة، بعيدا عن الإخوان، أو أي دور وساطة في أي قضية. الإخوان يكرهوننا، مصر لن تختزل جميعها في الإخوان، أو في أي فئة، ونحن لا نتحدث كثيرا عنهم، لكنهم لم يتوقعوا أن يتبنى حزب ذو خلفية إسلامية هذا الموقف ضدهم، ولم يتفهموا وجهة نظرنا في أن النور لم يرد أن يتحول الصراع السياسي إلى ديني، فالساحة الآن تعج بأولئك الذين يتاجرون بمعاداة الإخوان، وأقول لمن يتاجرون بالإخوان «ماذا قدمتم» بغض النظر عن النيل من الإخوان ومعاداتهم؟ كثير من الدعاوى القضائية قدمت ضد حزب النور على أنه حزب غير دستوري، ولكنني أقول لمن يطعن في دستوريتنا، عايزين أيه أكثر من أن المحكمة قضت بعدم الاختصاص مرتين. النور لا يتلقى تمويلا من أحد، لا من الداخل ولا من جهات خارجية، ولكنه يقوم على اشتراكات أعضائه. ومن يمتلك مستندا بخلاف ذلك فليتقدم به للجهات المعنية وإلا سنتهمه بالتشهير كحق من حقوقنا المشروعة.
«الشيعة»، وهو من الملفات المتأججة الآن، يرون أن النور حزب وهابي، هذا الاتهام نتيجة أننا أكثر من تصدر لهم، من خلال ندوات ومؤتمرات وأحاديث إعلامية بينت للمواطنين حقيقة الشيعة، وما يدعون له، فالنور كان له رد فعل من واقع مسؤوليته السياسية والتاريخية، وهذا التأجج مرهون بسببين أولهما، أن هناك أطرافا إعلامية تحاول أن تخلق عناوين مثيرة وتؤجج قضايا راكدة، فوجدت في هذا الملف الشائك غايتها. وثانيهما أن إيران تجيد دائما توسيع الجبهات وتشتيت الانتباه لإبعاد التركيز عن اليمن أو ما تفعله في العراق. الوجود الشيعي في مصر لم يكن محض صدفة أبدا، فهو ورقة تستخدمها إيران لمد نفوذها الفارسي في مصر، بعد أن طالت العراق وسوريا والبحرين واليمن. وظهور المكون الشيعي بهذه الكيفية طارئ على المجتمع المصري ويهدد سلمها المجتمعي، والمصريون لن يقبلوا بمن يسب صحابة النبي «صلى الله عليه وسلم « ومن يقعوا في عرض أمهات المؤمنين، فنحن لا نريد أن تكون مصر ساحة لاحتراب ديني أو طائفي تكون الشيعة فتيل اشتعاله».

إبراهيم عيسى: أصبحنا ضحايا
الحرب بين الوهابية والخمينية

ومرة ثانية جاء رد إبراهيم عيسى بعد أربعة وعشرين ساعة أخرى، إذ قال يوم الاثنين في «المقال»: «لقد نجحت إيران في اختراق سياسي هائل للعالم العربي، رغم أنها دولة محاصرة اقتصاديا، وتكاد تكون دولة مفلسة، وتحت حرب غربية مستمرة منذ أربعين عاما تقريبا، ما يعني فشلا عربيا، في صراع النفوذ، فما فقدته السعودية بالسياسة تحاول أن تعوضه بالحرب، والخراب. الثابت أن إيران استحوذت على إرادة النظام السوري منذ اعتلى بشار الأسد عرش أبيه، بينما لم تتمكن السعودية من جذب دمشق إلى معسكرها، أو جلوس بشار في خيمتها… السعودية في محاولة مواجهة النفوذ الإيراني في المنطقة تدمر المنطقة، هناك طرق ووسائل سياسية أكثر ذكاء لمواجهة مهمة ومطلوبة، بل وواجبة للنفوذ الإيراني، ولكن ليس بالدم، والخراب… أصبحنا جميعا ضحية الحرب بين الوهابية والخمينية، كل منهما ينشر الفتنة والتعصب، ويدعي امتلاك الدين والحقيقة، ثم يتصارع كلاهما على النفوذ، بغسل العقول، وتمويل الجمعيات والحركات، مع فارق في الحماس، وفي الذكاء، وفي المال، حتى وصلنا، أو بالأحرى، نزلنا إلى هذا الدرك الأسفل، بما نراه من وطن عربي ممزق، ومدمر…».

المتاجرون بالدين وبالدم العربي

لكن كلام عيسي لم يعجب زميلنا وصديقنا في «الأخبار» رئيس المجلس الأعلى للصحافة جلال عارف، لذلك قال في يوم الاثنين أيضا في عموده اليومي «في الصميم»:
«بقدر الحقارة التي اتسمت بها عملية تفجير المسجد التي شهدتها منطقة القطيف، في السعودية، والتي راح ضحيتها عشرات من أشقائنا المواطنين السعوديين، بقدر ما يتكشف لنا حجم المؤامرة على بلادنا العربية كلها، وبقدر ما يتضح لنا أن الخيانة تجمع بين المتاجرين بالدين وبالدم العربي، من التنظيمات الإرهابية التي تريد إغراق المنطقة في مستنقع الفتنة الطائفية، أو إن شئت الدقة، يريد لها من يستخدمونها أن تقوم بهذا الدور الحقير. تقود السعودية تحالفا يشتبك مع جماعة «الحوثيين» الشيعية اليمنية المدعومة من إيران، التي استولت على السلطة واحتلت العاصمة بالتعاون مع الرئيس اليمني السابق علي عبدالله صالح، وبعيدا عن التفاصيل فإن السؤال هو، أليس الموقف الطبيعي من كل الجماعات التي ترعى الدفاع عن «السنة العرب»، أن توقف على الأقل نشاطها الإجرامي المنحط ضد دول التحالف، حتى يتم إنقاذ اليمن؟ لا فرق في ذلك بين من يسير وراء ملالي إيران وبين من يسير على خطى سيد قطب، فالكل في استباحة دماء المسلمين وتدمير بلاد العرب سواء، المواجهة لابد أن تكون شاملة».

لماذا ألغيت وزارة الإعلام؟

وأخيرا إلى المعركة التي لا تزال مشتعلة ولن تتوقف مثل غيرها من المعارك لأنها تمس واقع ومستقبل الصحافيين والإعلاميين في الصحف والمواقع الإلكترونية والفضائيات والحكومة والرئاسة وأجهزة الأمن، وسنكتفي بالإشارة إلى بعضها اليوم بسبب كثرة ما يكتب عنها ونواصل غدا الإفراج عن تعليقات أخرى. وقد بدأها زميلنا في «الأخبار» محمد فهمي (يساري) بالقول في «الأهالي» يوم الأربعاء قبل الماضي:
«القضية ليست قضية انتهاكات للإعلام الخاص الذي يركز على برامج الإسفاف والإثارة للترويج لإعلانات العلاج بالأعشاب والمنشطات الجنسية والإساءة لعلاقاتنا بالدول العربية والأفريقية الشقيقة، وإنما القضية هي تراجع الدور الذي يلعبه الإعلام الرسمي في ظل الثورات الشعبية والتحولات الاجتماعية الكبرى، والقرارات التي أحاط بها العديد من علامات الاستفهام، والتي سوف يقف التاريخ أمامها طويلا وفي ذهول، وفي مقدمتها إلغاء وزارة الإعلام، التي كانت تتولى مسؤوليتها في أدق مراحل تاريخنا المعاصر، الدكتورة درية شرف الدين، وأعقبتها مباشرة القرارات التي صدرت بإلغاء جميع البرامج الإذاعية، التي كانت تخاطب البسطاء الذين لا يتابعون الصحف بسبب الأمية، أو لا يملكون وسائل الاتصال عبر القنوات الفضائية، ولا رفاهية سهر الليالي في الصالونات المكيفة، فليس سرا أننا نواجه ثورة مضادة تمولها وخططت لها الولايات المتحدة، تسعى لتدمير الوطن من الداخل بالإرهاب تارة وبالإعلام المضلل تارة أخرى، لإهدار حقنا في حياة كريمة نحمي من خلالها عزتنا وكرامتنا».

الممول الخارجي يغلق الحنفية!

لكن زميلنا وصديقنا ورئيس تحرير لـ«الشروق» اليومية المستقلة عماد الدين حسين (ناصري) كان مهتما بقضية أخرى قال عنها يوم الخميس الماضي: «قبل شهور وأكثر كتبت في هذا المكان تحت عنوان «فقاعة الفضائيات التي توشك على الانفجار» ولم أكن أدرك أن الخطر بمثل هذه الفداحة، رأينا قنوات تلفزيونية كاملة تتأخر عن دفع الرواتب لأكثر من خمسة أشهر، ثم رأينا تخفيضا لرواتب بنسب قاربت الخمسين في المئة، وربما أكثر، ثم رأينا فضائيات تغلق بالكامل، ورأينا مقدمي برامج متميزين ومحترمين يجري التخلص منهم، أو يتم تقليص نفقاتهم، ثم رأينا نجوم «توك شو» يتوقفون عن العمل، لأنهم لم يعودوا قادرين على الاستمرار في ظل توقف المرتبات أو صرفها بالقطارة لهم ولفريق عملهم.
المأساة نفسها موجودة في غالبية الصحف القومية والخاصة، والمؤسسات القومية مضطرة إلى صرف المرتبات لجيوشها الجرارة من العمالة، المؤسسات القومية مشكلتها أعمق وديونها رهيبة، لكنها تستطيع الحصول على قروض بنكية ودعم حكومي أحيانا، خصوصا مؤسسات الجنوب الفقيرة. الصحف الخاصة بدأت تعاني فعليا وبشدة، خصوصا في ظل تأخر صرف الأقساط المتفق عليها من شركات الإعلان التي تشكو بدورها من تأخر التحصيل الناتج عن الأزمة الاقتصادية. بعض المؤسسات الإعلامية ومنها مواقع إلكترونية انطلقت فجأة فكانت تتلقى دعما خارجيا معظمه عربي لأسباب متنوعة معظمها سياسية، وليست مهنية. وفجأة جاءت رسالة من الممول الخارجي بأن الحنفية تم إغلاقها أو في سبيلها لذلك، والنتيجة أن انهيارات حادة بدأت تحدث في كثير منها».
ومؤسسات الجنوب الفقيرة التي يقصدها عماد هي مؤسستا روز اليوسف ودار الهلال.

الفساد الصيني والفساد المصري

أما مقال رئيس تحرير «المصريون» التنفيذي محمود سلطان فهو عن قضية الفساد وقد أجرى مقارنة بذلك بين الفساد الصيني والفساد المصري قائلا: «بعد فترة قصيرة من تولي الرئيس الصيني «شي جين بينغ» مقاليد الحكم في عام 2012، شنت السلطات الصينية، حملة واسعة ضد الفساد، وتحت غطاء إعلامي كبير ألقت القبض وحققت مع آلاف المسؤولين من الموظفين العاملين في المستويات الدنيا إلى كبار المسؤولين، وسُجن عدد كبير منهم بتهمة الرشوة، وسوء استخدام السلطة وكان أبرزهم وزير الأمن العام الصيني السابق «تشو يونغ كانغ». الصين عاقبت كبار مسؤوليها بالسجن، فور ظهور حياة البذخ عليهم، ولقبولهم الهدايا الثمينة والولائم الفخمة! ولك أن تقارن بين الفساد «الصيني» والفساد «المصري».. وكيف تعاملت السلطات معهما في كلا البلدين.  لم تكتف الصين بهذا الانضباط الصارم في مكافحة الفساد، لأي مسؤول مهما كانت منزلته ونفوذه السياسي أو الاجتماعي أو الأمني..  بل ابتكرت طريقة لطيفة لتحذير الآخرين من عواقب مماثلة، وأعلنت يوم 23/5/2015، الهيئة المركزية للانضباط والتفتيش، وهي هيئة مكافحة الفساد الوطنية في الصين، عن زيارة إجبارية لـ70 مسؤولاً محليًا وزوجاتهم في مدينة «شيان» شرق البلاد، لزيارة السجون لتحذيرهم من إغراءات الفساد.. وقالت الهيئة إن هذه الخطوة هي بمثابة «تحذير تثقيفي، يسمح لهم بالاطلاع على الحياة خلف القضبان».
ونقلت وسائل الإعلام بحسب «بي بي سي» صورًا أظهرت مسؤولين وزوجاتهم أثناء زيارتهم السجن، حيث أتيحت لهم فرصة للتحدث لمسؤولين آخرين سابقين، وبعضهم زملاء لهم أدينوا باتهامات مثل، سوء استخدام السلطة. وخرج المسؤولون أيضًا في جولة لأحد المعارض فيها صور وروايات مكتوبة لمسؤولين قابعين في السجن.. وأرسلت هذه المجموعة أيضًا إلى قاعة عرض استمعوا فيها إلى شهادات قدمها سجناء مدانون بالفساد. المشكلة أنه من الصعوبة نقل التجربة الصينية إلى مصر، لأن السجون خلت بعد 30 يونيو/حزيران، من الفاسدين من كبار رجال الدولة.. ولم يعد فيها ما يستحق «الفرجة» والتثقيف والتذكير بمصير مشابه حال تورط أحد في الفساد.
في السجون الآن قادة ثورة يناير/كانون الثاني.. ويخشى أن تنتوي السلطات المصرية، الاهتداء بهدي الصين.. فتنقل الشباب والسياسيين، بالحافلات إجباريًا إلى السجون ويمرون على الزنازين التي يقبع بداخلها شباب الثورة، ليتعرفوا على مصيرهم، حال فكروا في المطالبة بحقوقهم المدنية والسياسية، أو احتجوا على سوء استخدام السلطة، أو على فساد المسؤولين أو على وحشية الشرطة.
أعرف أن الصين في عداوة مع الديمقراطية.. ولكنها على أقل تقدير، تكافح الفساد ما استطاعت إلى ذلك سبيلاً.. أما في مصر، فإن مكافحة الفساد «جريمة» تستحق التهديد والوعيد كما حدث مع المستشار هشام جنينة.. وقد يكون «الفساد» مطية لاعتلاء كرسي الوزارة.. وقد يرقى المتهم بالفساد ليكون على رأس منظومة مكافحة الفساد.. يعني حياة مظلمة، ليس لها من دون الله كاشفة».

حكايات وروايات عن اليمن

ونبدأ بالحكاية الثانية عن اليمن والإمام أحمد بن يحي حميد الدين أيضا من كتاب الطبيبة الفرنسية كلودي فايان الذي قام بتعريبه السياسي ورئيس وزرائها الأسبق محسن العيني وصدر عام 1960 عن دار الطليعة في بيروت وهي من صفحتي 168 ـ 169 تحت عنوان «صديقتي الأميرة بدر الدين» التي تزوجها الإمام أحمد، في واحدة من أعجب الحكايات قالت عنها كلودي: كان اسمها في طفولتها مطيعة، ولما تزوجها الإمام أطلقوا عليها كما تقضي التقاليد اسما أكثر بهاء هو «بدر الدين».. وأبـــوها صانع قمــــاش من دمشق جاء صنعاء في تجارة، ولما فشل أصبح موظفا في الحكومة اليمنية وكانت مطيعة معروفة منذ صباها بين حريم المدينة ببياضها الناصع وجمالهـــا النادر، وقالوا إن الأمير أحمد ولي العهد رآها صدفة، وهي في سن الأربعين، فأحبها وأغرم بها ولكنه كان بعيدا عن صنعاء، حينما جرت محادثات الزواج وكان الزفاف والأفراح المعتادة بالوكالة في غياب الأمير، الذي كان يأمل أن يلتقي بزوجته في وقت قريب، وظل القدر يعمل على البعاد فاصطدمت سيارة الأمير بعنف، ولكنه خرج منها سالما ثم مرض مرضا خطيرا وأخيرا اغتيل والده ونشبت الثورة ومنذ ذلك اليوم والإمام الجديد لا يرغب في العودة إلى صنعاء.
أتراه يعرف لغة القدر؟ لقد ظلت الأميرة بدر الدين أربعة عشر عاما تنتظره ولم يلتقيا أبدا، وأخيرا اقترح عليها الطلاق، ولكنها بعد هذه السنوات الطويلة فضلت أن تبقى زوجة لإمام بعيد، وهي تعيش في بستان الخير في حي بئر العزب، ولا تخرج منه إلا لزيارة أهلها في منزل مجاور، حيث تقضي معهم أسبوعا كل شهر، وقد التقيت بها هناك إنها رائعة الجمال ممتلئة الجسم ناعمة ذات وجه صبوح تلمع فيه عينان ساحرتان وتضيئه ابتسامة جميلة.
أمها سورية محبوبة ذات شعر أحمر مصبوغ مهتمة بصحة ابنتها وخبيرة في صناعة الحلويات، أما أبوها فشيخ ذكي أديب كنت أشعر بجواره بالأسف لأنني لا أحسن فهم اللغة العربية، وبفضله أصبحت الأميرة أكثر نساء صنعاء ثقافة ومعرفة، لقد قرأت عشرات الكتب في التاريخ وتفسير القرآن، وهي كل الكتب الموجودة في مكتبة الإمام، وكنت سعيدة حين عرفت أنها تعرف بعض الكلمات الفرنسية تعلمتها من الآنسة هرمن مساعدة الدكتور ريبولية، وكانت في حاجة إلى عنايتي بها في الأيام الأولى لوصولي إلى صنعاء. وقد أصبحت صديقتي وتحب أن تراني كثيرا، وهي رغم عزلتها تعرف أحوال اليمن جيدا، فمعها «دويدار» أو خادم صغير تحت سن الثانية عشرة، من أذكى أطفال صنعاء، يلتقي به الناس في الشوارع أكثر مما تجده في القصر، وهو يحشر أنفه في كل شيء فيجلس في حجرات دار الضيافة، إذا جاء زائر أجنبي، وإذا انتظروا أحدا في المطار، فإنه يتعلق خلف أول سيارة ويكون أول الموجودين في المطار، بل أنه يبدو فجأة في أخص المجالس ويقص بعد كل هذا على سيدته كل ما سمعه أو أبصره. وهذا الجاسوس الصغير لا يثير أحدا فالولد ساحر مضحك جميل، والناس يعرفون أن الأميرة لا تسيء استغلال هذه المعلومات، بل أنها تتصل بالمسؤولين عندما ترى أن هناك ظلما وهي على اتصال مستمر بالإمام، الذي يقدم لها الهدايا الفاخرة من آن لآخر»

حسنين كروم

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية