لسنوات طويلة، بقيَ «ترامب تاج محل» بمدينة اتلانتيك سيتي، جنوب ولاية نيو جيرسي، جوهرة مشاريع الملياردير الأمريكي الذي حلّ في المكتب البيضاوي الآن.
كان «ترامب تاج محل» أحد أهم كازينوهات ألعاب القمار في الولايات المتحدة الأمريكية، التي يتركز فيها أكبر عدد لكازينوهات القمار في العالم. وقد امتلك دونالد ترامب ثلاثة كازينوهات منها في اتلانتيك سيتي وحدها، وثلاثة خارجها، لكن «تاج محل» المؤلف من كازينو وفندق وبرج، كان الأضخم على هذا الصعيد، وكلّف بناؤه المفتتح عام 2000 نحو مليار دولار، الأمر الذي أرهق كاهل الملياردير الثرثار المغامر.
لئن تكلّم هيغل عن الضخامة، وعدّها طابعةً للعمارة في مجتمعات الإستبداد الشرقيّ، فإنّ استعادة «تاج محل» كإسم وكـ»كيتش» لقبة ضريح تاج محل الرخامية الشهيرة في الهند، لم تكن بدافع نزوة «استشراقية».. ليس لدى ترامب أدنى جلد بأن يلعب دور «شاه جيهان» أو يعامل زوجته ميلانيا على أنّها «أفاتار» لممتاز محل! الضخامة «الشرقية» لهذا الصرح كانت واحدة من شطحات الذوق «الفيغاسي» (نسبة إلى لاس فيغاس، حيث يتكثف العدد الأكبر من الكازينوهات في أمريكا، وتليها أتلانتيك سيتي ثانية) مع التوجيهات الشخصية التي كان يعطيها ترامب للمعماري والمهندسين، والتي تشكّل سمة جامعة للمباني التي يملكها، سمة يمكن القول فيها أن مهجوسة بإبعاد كل شبح عمارة أوروبية برجوازية عن العمارة الأمريكية.
لم يكن دقيقاً الحكم السلبي لهيغل على ضخامة المعابد والأضرحة والقصور والتماثيل في مجتمعات الإستبداد الشرقيّ. أما ضخامة كازينو «ترامب تاج محل» فهي تطبيق أفضل لإجتماع الضخامة والرداءة في نظرة هيغل. حيث شوّه الكازينو إلى حد كبير الممشى البحري الذي تطلّ عليه في المدينة، ولم تمض سنوات على افتتاح ترامب لهذا «الصرح»، حتى ظهر أنّ صيانته مشكلة عويصة بحدّ ذاتها، وأنّ علامات التقادم ظهرت على البناء الفاقع والمبهرج بشكل سريع للغاية.
قبل أن يفكّر ترامب في خوض غمار السباق الرئاسي إلى البيت الأبيض، عمل بتصميم وبكدّ، على رئاسة قطاع القمار في الولايات المتحدة، إن يكن من خلال امتلاكه لمجموعة من الكازينوهات، أبرزها «تاج محل» هذا، أو من خلال إنشائه لبطولة الولايات المتحدة السنوية للعبة البوكر، ورعايته الشخصية لها مدة أربعة عشر عاماَ (حتى العام 2010).
بيدَ أنّ حظ ترامب في السياسة بدا في نهاية المطاف أفضل من حظّه في إدارة ألعاب الحظ! فقد ظهر أنّ مشروع «تاج محل» أضخم بكثير مما تحتاجه ألعاب الميسر، وأنّ تكلفة الصيانة، وأجور العاملين، والعقبات التي تفرضها القوانين، لا مصلحة للملياردير في تحمّلها. تدريجياً، تخلى ترامب عن كازينوهاته، وفي عزّ الحملة الانتخابية باع «تاج محل»، الذي أقفل بعد ذلك بأشهر قليلة، بهدف الصيانة (في تشرين الأول الماضي).
أحد أسباب تخلي ترامب عن مئات طاولات الميسر التي أدارها لسنوات، أنّه أقتنع أكثر فأكثر في العشرية الأخيرة بأنّ المستقبل هو للقمار وسوق المراهنات على الإنترنت، وهو ما يعيقه قانون فدرالي أمريكي أقرّ عام 2006، ويمنع التحويلات المصرفية عن مواقع الميسر الإلكتروني والكازينوهات الافتراضية، الأمر الذي دفع قسما من مشغّلي هذه المواقع إلى افتتاحها وإدارتها من خارج أمريكا.
بخلاف الكازينوهات الأرضية التي تجتذب أموال الأثرياء في المقام الأول، بمستطاع الميسر الإلكتروني «شفط» أموال الملايين من الطبقات الوسطى، بل الشعبية، عبر العالم» فـ»لامرئيته» تعفي مشغّليه من مسؤولية ما قد يحصل في الكازينو من حالات ثأرية وإجرامية. وكانت سلسلة من جرائم القتل حصلت في «ترامب تاج محل» وهزّت سمعته.
وفي موازاة هذه الانعطافة باتجاه تحبيذ الميسر الالكتروني، رغم القانون الفدرالي الذي يقوّض أكثر مجالاته، كان ترامب في طليعة من فكّر بتسخير المناطق التي تتمتع فيها قبائل السكّان الأصليين بـ»السيادة» داخل الولايات المتحدة، ويُحد فيها من تطبيق قوانين الاتحاد أو الولاية، كي تكون جنّة لكازينوهات «حرّة»، وقاعدة لمواقع القمار الإلكتروني.
ومن هذا المنظار، تحمّس «لوبي القمار» في الولايات المتحدة، والساعون للاستثمار خصوصاً في البوكر الإلكتروني وكافة أسواق المراهنات الافتراضية من سباق الخيل إلى مختلف الرياضات، لاختيار ترامب لرايان زينك، النائب الجمهوري عن ولاية مونتانا، وقائد الفرقة التي قتلت أسامة بن لادن قبل ذلك. فزينك عمل على تعزيز سيادة حكم القبائل في مناطقها بولاية مونتانا. وما قد يبدو من بعيد بمثابة إرجاع نزر من الحقوق إلى المالك الأصلي، يبدو من هذا الجانب ذا قصدية خاصة: تحرير السوق الافتراضية للبوكر وألعاب الميسر من الضوابط القانونية، وتحويل قسم من أعضاء هذه القبائل إلى منخرطين حيويين في إدارة هذه الألعاب، وهو ما بدأ أساساً منذ عقدين.
يبقى أنّ دونالد ترامب لم يعد واحداً من كبار المستثمرين في هذا القطاع الآن، بعد أن صفى أعماله وممتلكاته فيه العام الماضي، كما أنّ الإدارة الجمهورية تبدو منقسمة حول هذا الموضوع، ويتخذ هذا الانقسام طابعاً قيمياً أو أخلاقياً.
وإذا كان تهديف ترامب ضدّ الـ»أوباما- كير» نجح في مخاطبة أوساط واسعة من الطبقة الوسطى الأمريكية، بأنّها «تخسر» قسما من أموالها في نظام الرعاية الصحية هذا، لصالح فقراء لا داعي لأن تتكفّل بهم، فإنّ تحرير البوكر الافتراضي من القيود القانونية عليه، يعني أساساً هذه الطبقة الوسطى، التي ليس بإمكانها قضاء كل لياليها في «ترامب تاج محل» أو في كازينوهات لاس فيغاس، لكن يمكنها أن تشغل وقتها، وتفّعل مبادراتها الفردية، وحسّ الكسب، كل ليلة، وراء شاشة الحاسوب أو الهاتف «الذكي»، في لعبة بوكر متسعة لملء الكوكب. «الحق في الكازينو المنزلي» الذي هو الكازينو العالمي، تضاعف من مفارقة إبن الطبقة الوسطى، الذي يدرك بشكل أو بآخر في نفس الوقت، أنّه في هذه اللعبة، الخاسر من يلعبها والرابح من يديرها.
بعيد استقلال الولايات المتحدة، تداول تجار رقيق منصب الرئاسة فيها. ووصل إلى المنصب أناس من كل صنف، جمع بينهم الانتماء للعنصر الأبيض البروتستانتي، باستثناء كينيدي الكاثوليكي، وأوباما الخلاسي، والمتحدر من أب كينيي مسلم. وترامب من هذه الناحية «تقليدي»، من جهة انتمائه للعنصر المتغلب، الأبيض البروتستانتي، و»غير تقليدي» داخل المعسكر الجمهوري، لأنه حازب الديمقراطيين فترة طويلة من الوقت، وساهم في تمويل حملة هيلاري كلينتون داخل الحزب الديمقراطي ضد باراك اوباما، و»غير تقليدي» كذلك الأمر لأنّه ملياردير وصل إلى الرئاسة، رغم تعاضد كبار الرأسماليين على دعم غريمته كلينتون.
لكنه أيضاً غير تقليدي، لأنّه نتاج «اقتصاد الكازينو»، وصاحب تجربة متعثرة في هذا المضمار، رغم ضخامة مشاريعه فيه وفي طليعتها «تاج محل»، حيث تقترن الضخامة بالرداءة، ويصير الاسم نافراً، سواء أحيل على ضريح تاج محل في أغرا، أو على فندق تاج محل، هذه الرائعة العمرانية الحديثة التي بناها الصناعي الزردشتي تاتا في بومباي مطلع القرن الماضي.
صفى ترامب أعماله في هذا الكار، وهو يخوض السباق إلى البيت الأبيض. ظهر أثناء حملته أنّ حسّ «الكازينو»، أو عقلية الميسر، تطبع طريقته في السجال ومواقفه في السياسة الداخلية والخارجية، في حين لوحظ أن لديه ارتياباً من حسّ الكازينو في الاقتصاد، قد تعكسه إلى حد ما مواقفه الداعية لتعزيز الصناعة في المناطق الأمريكية التي تراجعت فيها، والى السياسة الحمائية في مواجهة الصين.
لا يمكن معرفة كم سيستفيد «لوبي القمار» في الولايات المتحدة من وصول ترامب، طالما أن ترامب لم يعد من زعماء هذا اللوبي، ولا إذا كان يمتلك ترامب التصميم أو القدرة على إباحة سوق البوكر الافتراضي على نطاق واسع. بقي أنّ تجربة «ترامب تاج محل»، الذي تحوّل الآن – مع اقفاله – هو أيضاً، إلى ضريح، ضريح لفترة من عمر ترامب وأعماله، هي تجربة باتت تعني الكوكب ككل. الآن الكوكب، في سوق مراهنات كلامية حول ترامب، وعقدة الرهان هي معرفة إذا كان ترامب سيتعامل مع رئاسته ودولته والعالم كسوق مراهنات، أم يؤسس لتعامل مع العالم على أنّه كـ»تاج محل»، كازينو من الأجدر تصفيته!
٭ كاتب لبناني
وسام سعادة