علاقة ترامب مع الشهرة ليست جديدة على الإطلاق، ولكنها كانت تنحصر في المجلات الترفيهية الخفيفة مثل، «ستار» و»لايف أند ستايل»، فبارون العقارات الأمريكية استطاع أن ينوع استثماراته لتصل إلى إدارة مسابقات ملكة جمال أمريكا وملكة جمال العالم.
وضمن هذه الأجواء كان يفضل الارتباط بعارضات الأزياء، وفي الثمانينيات كانت زوجته الأولى إيفانا هي الموضوع الأساسي الذي يلفت الانتباه لترامب، ويبدو أنه أدرك أن الأضواء ستطارده في حالة محافظته على النساء الجميلات من حوله، ولذلك فإنه متزوج حالياً للمرة الثالثة من ميلانيا كناوس السلوفينية الأصل التي ولدت في يوغسلافيا في فترة الحكم الشيوعي هناك.
مع أزماته المالية المتعددة كان ترامب ينتقل من صفحات مجلات الترفيه إلى بعض نشرات الأخبار الاقتصادية، ولكن بكثير من المناورات والصفقات الجانبية السريعة كان يستعيد من جديد مكانته في عالم الترفيه، مكانه وملعبه المفضل، فالعالم من وجهة نظره ملون وبراق، مثل واجهات كازينو تاج محل الشهير، درة التاج في إمبراطورياته العقارية، ومثل ربطات عنقه التي تتصف بالألوان الصاخبة والفاقعة.
رجل صاخب ينتمي لأسرة من المغامرين والمهووسين بالحلم الأمريكي، فجده فريدريك ترامب المولود في مدينة ألمانية صغيرة كان واحداً بين آلاف المهاجرين الألمان الذين توجهوا لأمريكا من أجل البحث عن فرص أفضل، الخطوة الأولى لترامب الكبير على تراب العالم الجديد كانت سنة 1885، وتمكن من التكسب من خلال عمله حلاقاً لفترة من الزمن قبل أن يفتتح مطعماً صغيراً وقذراً في سياتل كان النواة لتجارة مزدهرة في مجال الفنادق والمطاعم وبيوت المتعة الممتدة بين الولايات المتحدة وكندا، ومع الحفيد وصلت هذه التجارة إلى مرتبة الإمبراطورية التي تتوزع ممتلكاتها – التي تتركز في السياق الترفيهي القائم على المتعة بتصورها الأمريكي – في مختلف قارات العالم باستثناء أفريقيا.
ترامب لا يمثل الرأسمالية المحترمة في الولايات المتحدة، الأسرة نفسها لا يمكن أن توضع بجانب فورد أو هيرست، التي بدأت أعمالها في الفترة الذهبية نفسها للحلم الأمريكي، وترامب لا يمكن أن يوضع في أي سياق بجانب بيل غيتس أو ستيف غوبز، ولمن شاهدوا فيلم «العراب» فإن وجود ترامب كان سيبدو مقنعاً كأحد منافسي المافيا على الدجاجات الذهبية لأندية القمار في فيغاس.
أن يترشح ترامب للرئاسة مسألة غير مستغربة، فأي فرصة ستعيده للأضواء من جديد، مثل سباق البيت الأبيض، ولكن أن يتصدر مرشحي الحزب الجمهوري في الاستطلاعات، فهذه قضية تستدعي الوقوف طويلاً أمام المآلات الأمريكية المقبلة ومستقبل القوة العظمى في العالم، فالرجل تعشش في داخله النرجسية، ويتعامل بعنجهية لا تليق بمرشح رئاسي يفترض أن يتوجه للجمهور (وبراءة الأطفال في عينيه)، وفوق ذلك، فإنه يثير الجلبة دائما بتصرفات غير مقبولة، مثل طرده للصحافيين الذين يحرجونه بالأسئلة، بحجة أنه لم يوجه لهم الدعوة للحضور في مؤتمراته الصحافية، وكأنه يقول بأنه مرشح لرئاسة الولايات المتحدة وليس لرئاسة الأمريكيين، فالأمريكيون بالنسبة له ينحصرون في النموذج الذي يعمل في السمسرة والمبيعات ويحرص على شراء كمية كبيرة من الكوكيز والمقرمشات لدى حضوره منافسات ملكة جمال أمريكا، ويخططون لأسبوع من الصخب ليجربوا حظهم في أندية القمار، أما اللاتينيون، الذين استهدفهم أولاً في حملته الانتخابية، فما يحملونه من هموم ومشكلات تتعلق بحصولهم على بعض الحقوق الاقتصادية يخرجهم من جنة الحلم الأمريكي الملون والبراق الذي ينصب ترامب نفسه حارساً وراعياً له.
ترامب بقي في موقع قوي بعد تطاوله المستمر على المهاجرين، ولم يظهر بأنه يكترث بأبعد من الحصول على ورقة الترشيح من الحزب الجمهوري، وكانت الأمور تمضي معه بصورة جيدة، ولكن استهدافه للمسلمين أظهر انزعاجاً كبيراً في صفوف الجمهوريين الذين يحتفظون على الأقل بعلاقات مميزة مع أكثر من بلد إسلامي نفطي، وبشكل أو بآخر تتقاطع مصالحهم مع استثمارات الطاقة، ولذلك بدأ ترامب يخسر قليلاً لمصلحة منافسيه الآخرين داخل الحزب، فعدا بالطبع عن أن الاستهداف أتى محدداً لفئة معينة وواضحة من المهاجرين، مع وجود علاقات أصلاً مضطربة ومعقدة، يفضل الأمريكيون وصفها بسوء التفاهم مع المسلمين، فإن ترامب تورط في خطاب الكراهية الذي ما زال إلى اليوم أمراً مزعجاً للأمريكيين، إلى اليوم بدون أن يكون بالضرورة شيئاً مستهجناً في المستقبل. التراجع النسبي بين مرشحي الحزب الجمهوري بعد تصريحاته التي طالبت بحظر دخول المسلمين إلى الولايات المتحدة، واجهه ترامب بمناورة التلويح بالترشح مستقلاً، وبذلك فإنه سيضرب بعمق في فرص الجمهوريين من أجل العودة إلى البيت الأبيض، ومرة أخرى يعلن ترامب بأنه وحده الذي يستطيع أن ينافس هيلاري كلينتون في الانتخابات المقبلة، فما الذي يعجب الأمريكيين في شخصية ترامب ويجعلهم يرونه بديلاً محتملاً لقيادتهم في المستقبل؟
هل انتهى زمن الرئيس القوي الذي يصلح لتمثيل القوة الأمريكية والمحافظة على هيبة الإمبراطورية؟ آخر الرجال الذين يستحقون وصف الرجل القوي كان جورج بوش الأب، أم الابن فكان الرئيس الكارثي الذي ضرب سمعة البيت الأبيض بعدة فضائح سياسية تبدو أمامها الـ»ووتر غيت» و»ايران كونترا» مجرد جنح بسيطة أمام جناياته التي تسببت في تداعيات ما زالت مستمرة إلى اليوم، وحتى كلينتون فإن الفضيحة الشخصية مع المتدربة في البيت الأبيض مونيكا لوينسكي لم تجعله يخرج من منصبه بالتقدير الذي يستحقه، وضمن هذه الحالة من التراجع في نوعية الرؤساء الأمريكيين، فإن ترامب يمكن ألا يمثل استثناء بالنسبة لمعظم الأمريكيين، أو على الأقل، فإنهم يرونه رئيساً يمكن أن يتصف ببعض التهور والاندفاع الذي يخرج الأمريكيين من ضبابية تردد أوباما، فأمريكا تحتاج إلى قليل من الهيبة مجدداً ورجل يتصف بالقسوة والبرود والنرجسية، القطب الذي يصلح لأن يتنافر فعلاً مع بوتين الرئيس الروسي القوي، وإذا كان الروس يرون بوتين مناسباً لخلفيته العسكرية وتاريخه مع جهازهم المرعب الـ»كي جي بي»، فإن النموذج الفحولي سياسياً بالنسبة للأمريكيين سيكون رجلاً يعرف كيف يقتنص الصفقات المربحة، ويهرب المرة بعد الأخرى من الإفلاس، وخبرته بين القمة والهاوية تجعله رجلاً غير مكترثٍ للآخرين.
الأمريكيون يشعرون بأفول عصرهم في العالم، وهذه حقيقة تختمر في اللاوعي الشعبي في الوقت نفسه الذي تتسلق فيه الوعي النخبوي، وذلك لا علاقة له برغبة الولايات المتحدة في السيطرة أو العودة للانكفاء، ولكن في قدرتها على أن تحافظ على وتيرة حصولها على حصة غير عادلة (لمصلحتها) من موارد العالم المالية والاقتصادية المباشرة وغير المباشرة، والأمريكيون العاديون يرون ذلك ولكنهم لا يستطيعون توصيفه أو مواجهته، ولذلك يراهنون على رجل يعرف من أين تؤكل الكتف ولا يهتم كثيراً بالطريقة التي تؤكل بها أو غير ذلك من تفاصيل. قبل سنوات طويلة في فيلم عن حياة اليزابيث تايلور كان المشهد الرومانسي يشتمل على مقولة الشاب القادم جديداً إلى هوليوود بأنه بينما كان جميع زملائه يحلمون بأن يصبحوا رؤساء للولايات المتحدة، كان هو يحلم بأن يتزوج القطة تايلور، بالطبع كان ذلك يوحي ضمنياً بأن رجل البيت الأبيض لا يمكن أن يحصل على المقعد الدوار في المكتب البيضاوي وعلى اليزابيث تايلور في الوقت ذاته، هذا المشهد أصبح خارج العصر مثل الهاتف الأرضي ذو القرص والتلغراف، فمع ترامب كل شخص يمكن أن يحلم بأن يصبح رئيساً وبغض النظر عن أي اعتبارات أخرى. بالطبع يمكن أن يخفق ترامب هذه المرة، ويمكن ألا يصل أبداً إلى البيت الأبيض، والمشكلة تتخطى ترامب وأي شخص آخر، المشكلة في الأمريكيين وبيتهم الأبيض ورؤيتهم لذلك البيت ومستقبلهم ومستقبله.
٭ كاتب أردني
سامح المحاريق