نيويورك ـ «القدس العربي»: فوجئ الشعب الأمريكي بشكل عام بسرعة القرارات التي اتخذها الرئيس المنتخب دونالد ترامب والتي تؤثر على مجمل الشعب الأمريكي سواء ما يتعلق بالانسحاب من الشراكة الاقتصادية عبر المحيط الهادي مع الدول الآسيوية أو قرار بناء الجدار على حدود المكسيك أو وقف التوظيف في الحكومة الفيدرالية وكذلك القرارات ذات الطابع العنصري لمنع مواطني سبع دول إسلامية من دخول البلاد لمدة 90 يوما ومنع اللاجئين السوريين وإلغاء التأشيرات ممن حصلوا عليها من هذه الدول ومنع حتى حملة البطاقة الخضراء والتي تخول صاحبها بالإقامة الشرعية في البلاد وهي الخطوة ما قبل الأخيرة للحصول على الجنسية.
في هذا الجو المشحون التقط العنصريون الإشارة التي أطلقها ترامب فقاموا بحرق مسجد بالكامل في بلدة فكتوريا في ولاية تكساس يوم 29 كانون الثاني/يناير كما قتل خمسة مسلمن يوم 30 كانون الثاني/يناير في هجوم مسلح على مسجد في مدينة كيبيك الكندية.
وأثارت هذه القرارات الغريبة والعنصرية موجة عارمة من ردود الأفعال على مستويات عديدة ما زلنا نشهد بداياتها ولا نعرف أين ستنتهي، لكن الذي نراه الآن يشبه إلى حد ما حركة الحقوق المدنية وتوسيع رقعة الديمقراطية في النصف الثاني من ستينيات القرن الماضي. وكما حققت تلك الحركة انجازات كبرى على طريق المساواة الشاملة في الحقوق والواجبات للأقلية السوداء، ستنجز هذه الحركة، إذا ما استمرت بمثل هذا الزخم، مجتمعا أكثر نقاء بعد اجتثاث وهزيمة العنصرية.
لقد تبلورت ردود الفعل على سياسة ترامب في ثلاثة مستويات: الشعبي والقضائي والرسمي.
المظاهرات والاحتجاجات الشعبية
توالت ردود الأفعال بعد صدور القرار ودخوله حيز التنفيذ حيث احتشد المئات من الأمريكيين في تظاهرات عارمة أمام المطارات وداخل صالات الاستقبال وكذلك أمام المحكمة الاتحادية في بروكلين في نيويورك مرددين عبارات مناهضة للكراهية والعنصرية الموجهة للمسلمين والتأكيد على حق اللاجئين في دخول البلاد. واتسعت المظاهرات لتشمل عدة مدن في ولاية ميشغان كمدينه ديترويت ووديربون التي تقطنها جالية عربية كبيرة وشيكاغو ولوس أنجلوس وواشنطن العاصمة وغيرها. أما مظاهرات لوس أنجلوس يوم 21 كانون الثاني/يناير فقد ضمت نحو 750،000 متظاهر في أكبر حشد جماهيري في البلاد بينما شهدت العاصمة واشنطن نحو نصف مليون متظاهر معظمهم من النساء وشهدت نيويورك أكبر مظاهرة يوم السبت 21 ويقدر عدد الحضور فيها 400،000 متظاهر. كما شاركت في المظاهرات العديد من المنظمات الحقوقية حيث تشكل تحالف من 12 مؤسسة في منهاتن لتأسيس «تحالف نيويورك للهجرة» ليعمل مع «الاتحاد الأمريكي للحريات المدنيه» العريق و»مجلس العلاقات الإسلامية الأمريكية» (كير).
وشارك عدد كبير من الشخصيات في المظاهرات. ففي نيويورك كان من بين الأسماء الشهيرة المخرج مياكل مور والممثل روبرت دينيرو والممثل مارك روفالو وعمدة المدينة بيل دي بلاسيو. ودعا مور إلى 100 يوم من الاحتجاجات المتواصلة. وما زالت المظاهرات مستمرة وفي تصاعد. وشاركت «القدس العربي» في فعالية يوم الجمعة 3 شباط/فبراير في مطار كندي حيث شارك المجتمعون في صلاة جمعة مشتركة للأديان جميعا وألقى الإمام طالب عبد الرشيد، إمام جامع الأخوة الإسلامية في حي هارلم خطبة الجمعة.
اللجوء للقضاء
تقدمت العديد من الجمعيات الأمريكية بشكاوى قانونية دفاعا عن الحقوق المدنية المتساوية للمواطنين أمام القضاء والطلب من القضاة أن يلغوا قرارات الرئيس دونالد ترامب بشأن منع دخول المسلمين والمهاجرين، كما قدمت شكوى ضد ترامب والأمن الوطني أمام المحكمة الفيدرالية في نيويورك من جانب «الاتحاد الأمريكي للحريات المدنية» وجمعيات حقوقية أخرى تدافع عن المهاجرين وتطالب بالافراج عن المواطنين الذين تم احتجازهم واعتبار دخولهم لأمريكا شرعيا قانونيا.
وأقرت خمس محاكم فيدرالية رفض ترحيل من تم توقيفهم وأصدرت قرارات بعدم ترحيل من تم توقيفهم في المطارات. وانتقدت المنظمات الدولية تصريحات ترامب «العنصرية» مشددة على ضرورة معاملة اللاجئين معاملة متساوية فيما يتعلق بالحماية والمساعدة وفرص إعادة التوطين بغض النظر عن الدين أو الجنسية أو العرق وطالبت إدارة ترامب بحماية الفارين من الصراعات والاضطهاد.
وكان الرئيس ترامب أقدم على إقالة وزيرة العدل بالوكالة سالي بيتس التي رفضت تطبيق القرار واعتبرها ضعيفة في ما يتعلق بالحدود وضعيفة جدا في ما يتعلق بالهجرة غير الشرعية، وعين بدلا منها المدعي العام لمقاطعة فيرجينيا، دانا بوينتي، في منصب وزير العدل بالوكالة إلى أن يثبت مجلس الشيوخ السيناتور جيف سيشنز في منصب وزير العدل.
وكانت بيتس أصدرت تعميما أمرت فيه المدعين العامين بعدم تطبيق القرار الذي يمنع رعايا الدول السبع الإسلامية من السفر للولايات المتحدة لمدة ثلاثة أشهر، بجانب تجميده برنامج الهجرة وفرضه حظرا لأجل غير مسمى على دخول اللاجئين السوريين. وتستند في ذلك على قولها «أن مسؤوليتي لا تكمن فحسب في ضمان أن يكون موقف الوزارة قابلا للدفاع عنه قانونيا بل أن يكون مرتكزه أفضل. هذا تفسيرنا لما هو عليه القانون، بعدما نأخذ في الإعتبار كل الوقائع». فضلا عن ذلك فإن أربعة من كبار موظفي وزارة الخارجية الأمريكية تمت إقالتهم من مناصبهم الخميس لأنهم احتجوا على القرار. كما أن النائب العام لولاية واشنطن، بوب فيرغسون، كان قد صرح الاثنين الماضي أن الولاية ستلجأ إلى المحكمة الاتحادية للطعن في القرار وبهذا تكون واشنطن أول ولاية تطعن في القرار.
من جهة أخرى قررت كل من ولايات ماساتشوستس، ونيويورك، وفرجينيا الانضمام إلى قائمة الطعن بالقرار الرئاسي، وخوض المعركة القانونية ضد القرار، مستندين إلى حقيقة أن هذه القرارات تشكل انتهاكا للدستور حسب مضمون الطعون. كما أكدت المدعية العامة لولاية ماساتشوستس، مورا هيلي، أن الحظر «غير دستوري»، وإن «مكتبها سينضم إلى دعوى قضائية في محكمة اتحادية تطعن بالحظر»، وأيدها في ذلك المدعيان العامان لنيويورك وفرجينيا بالقول إن «الولايتين ستنضمان إلى دعاوى قانونية مماثلة أمام المحاكم الفدرالية».
كما رفع عدد من المواطنين الأجانب دعاوي قضائية ضد الحظر، منها دعوى رفعها إيراني يعيش مع أبنائه الثلاثة في إيلينوي كما رفع طالب جامعي ليبي في كولورادو دعوى قضائية أخرى. اضافة إلى ذلك فإن مسؤولين من الخارجية الأمريكية كانوا قد وقعوا مذكرة احتجاج قدموها للقائم بأعمال وزير الخارجية توم شانون، جاء فيها أن «قرار ترامب الأخير بشأن الهجرة يضر بالعلاقات مع الدول المعنية، ويزيد مشاعر الكراهية ضد الأمريكيين، ويؤذي أولئك الذين اختاروا القدوم إلى الولايات المتحدة من أجل أسباب إنسانية بحتة». وبلغ مجموع التحركات القانونية ضد قرارات ترامب 13 شكوى رسمية.
احتجاجات المسؤولين والشخصيات المرموقة
وشارك مئات الممثلين والممثلات في المسيرات الجماهيرية للتعبير عن رفضهم لهذه القرارات منهم ليدي غاغا ولينا دورها وسينثيا نيكسون ومن الممثلين روبرت دينيرو وسالي فيلد ومارك روفاللو، والبعض آثر أن ينشر بيانا أو تعليقا على صفحات التواصل الاجتماعي.
من بين الذين انتقدوا بشدة سياسات ترامب المرشح الجمهوري السابق جون ماكين ولينزي غراهام اللذان اتهما ترامب بأنه تسرع في استهداف المسلمين فمنهم من دافع عن هذه البلاد. وانتقد حاكم ولاية فلوريدا السابق جيب بوش متهما إياه بأنع يعرض أمن البلاد لمزيد من المخاطر. هيلاري كلينتون انضمت إلى فريق المنتقدين وكذلك الرئيس السابق أوباما الذي قال إنه «يختلف بشكل جوهري مع سياسات ترامب العنصرية».
سيل المنتقدين من المسؤولين السابقين والكتاب والصحافيين لم يتوقف ولحق بهذه الموجة رؤساء العديد من الشركات والمؤسسات الخاصة والتي قد يلحق بها ضرر كبير من وراء سياسته القائمة على الحماية الاقتصادية والانعزالية والتركيز على المنتوجات المحلية وكيفية تسويقها.
من الملاحظ أن هناك موجة عارمة من الاحتجاجات ضد سياسات الرئيس ترامب بدأت من القاعدة الشعبية وبدأت تأخذ زخما كبيرا بحيث ضمت إلى صفوفها العديد من النشطاء والمسؤولين السابقين ونجوم الفن والرياضة ورجال الأعمال. ومن المتوقع أن تتعاظم حركة الاحتجاج أكثر مع كل قرار يأخذه ترامب في اتجاه الانعزالية والتمييز إذ ستفقد أمريكا بسببها ليس فقط العديد من الأصدقاء بل الكثير من المزايا الاقتصادية والصناعية.
ترامب يرد على قاض أمريكي أبطل قراره بحظر السفر
رد الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، أمس السبت، على قاض اتحادي أبطل مؤقتا قراره الخاص بالهجرة وحظر دخول البلاد على مواطني سبع دول ذات أغلبية مسلمة.
وفي سلسلة من التغريدات عبر موقع التواصل الاجتماعي «تويتر» كتب ترامب: «إن رأي هذا المسمى بالقاضي، الذي يسلب أساسا إنفاذ القانون من بلدنا، أمر مثير للسخرية وسيتم إبطاله».
وكان رد فعله الأول بالقول: «عندما تصير بلاد غير قادرة على تحديد من يمكن، ومن لا يمكن له، دخولها والخروج منها، وخاصة لأسباب تتعلق بالسلامة والأمن – فهذه ورطة كبيرة!».
وكتب بعد ذلك: «أمر مثير للاهتمام أن بعض بلدان الشرق الأوسط تتفق مع الحظر المفروض، لأنها تعرف أنه إذا تم السماح لبعض الأشخاص بالدخول فسينتج عن ذلك وفاة ودمار».
وكان جيمس روبارت، القاضي في المحكمة الجزئية الأمريكية في مدينة سياتل قد أوقف بشكل مؤقت قرارا رئاسيا لترامب، على أساس وطني.
عبد الحميد صيام