تركيا تعتمد على المؤسسات لصالح بلدها… ومصر تعتمد «المكايدات» لصالح نظامها السياسي

حجم الخط
2

القاهرة ـ «القدس العربي» : اهتمت الصحف المصرية الصادرة يومي السبت والأحد بتقرير لجنة تشيلكوت البريطانية عن غزو العراق وآثاره المدمرة، وإدانة مشاركة رئيس وزراء بريطانيا وقتها توني بلير الرئيس الأمريكي السابق بوش الابن في عملية الغزو،واعتراف بلير بأن إسقاط نظام صدام حسين أدى إلى ظهور «داعش».
واهتمام المصريين بهذه القضية يعود إلى ارتباطهم القوي بالعراق، حيث كان يعمل فيه أيام حكم حزب البعث أكثر من مليون مصري كانت لهم حقوق المواطن العراقي نفسها، بالإضافة إلى أن التقرير جدد الحملات ضد مساندة أمريكا وأوروبا عموما للتيار الإسلامي في مصر، تحت مختلف الحجج، وأن مصر نجت من مصير العراق وسوريا وليبيا، الذي كانت هذه الدول تخطط له.
كما بدأ اهتمام آخر بالأزمة مع إيطاليا وقرار مجلس النواب تأييد قرار مجلس الشيوخ بوقف تصدير قطع غيار طائرات أف 16 الأمريكية إلى مصر بسبب قضية الطالب انتوني ريجيني.
واهتمت الصحف المصرية بقيام الرئيس السيسي ثالث أيام العيد بجولة بالدراجة الهوائية في الإسكندرية، والاستعدادات لافتتاح مشروعات في المدينة قريبا، وتسليم مساكن جديدة لسكان مناطق عشوائية. كما اهتمت الصحف بالمعركة، على تويتر، بين الشيخ يوسف القرضاوي والشيخ عبد الله بن زايد وزير خارجية الإمارات. وحضور مصر اجتماعات عنتيبي رغم مواقفها منها هي والسودان، وهو ما يكشف حرصها على عدم الابتعاد عن أي تجمع أفريقي مهما كانت على خلاف معه. وقيام الجيش والشرطة بفرض حصار محكم على مدينة الشيخ زويد وتمشيطها بيتا بيتا للتفتيش عن أعضاء جماعة «بيت المقدس» وعدم هروبهم. وتبرع حاكم الشارقة الشيخ سلطان القاسمي ببناء مئة وخمسين شقة على أرض جراج في منطقة بولاق الدكرور في محافظة الجيزة في منطقة المشتل.
أما الموضوعات التي اجتذبت اهتمامات الأغلبية فكانت مباراة ألمانيا وفرنسا في يورو 2016 والاستعداد لمباراة فرنسا والبرتغال، وكذلك تعادل فريقي الأهلي والزمالك، والاهتمام بقيام حسام حسن المدير الفني للنادي المصري وحسن مصطفى المدرب العام المساعد بالاعتداء بالضرب على رقيب شرطة تابع لإدارة الإعلام والعلاقات العامة في مديرية أمن الإسماعيلية، عقب مباراة النادي المصري والمحلة في استاد الإسماعيلية وقرار النيابة العامة ضبط واحضار الاثنين. وإلى بعض مما عندنا…

مسلمون وأقباط

ونبدأ بقضية العلاقات بين المسلمين والأقباط والدولة، حيث قام زميلنا في جريدة «وطني» القبطية روبير الفارس يوم السبت بشن هجوم ضد الرئيس السيسي في مقال له في جريدة «المقال» تصدر صفحتها الأولى قال فيه: «ظن الأقباط أنه بعد 30 يونيو/حزيران، حيث خرجوا عن بكرة أبيهم يدافعون عن وجودهم في دولة مدنية حديثة، وبعد أن دفعوا ضريبة الدم وضريبة حرق وتخريب كنائسهم، حيث كانوا قوة أساسية في إزاحة حكم الإرهاب على مصر، أن الدنيا سوف تبتسم لهم أخيرا، وبعد معاناة من الاضطهاد الرسمي للدولة والتمييز الشعبي من المجتمع وغيره من الاحباطات المستديمة في تاريخهم المعاصر، ومن هذا المنطق عشقت قلوبهم السيسي واعتبروه المخلص والمنقذ، وتجرأ بعض رجال الدين المسيحي وأضافوا عليه ألقابا قدسية، فقالوا عنه أنه المسيح، ووضعوا صوره في بعض الكنائس، وخلف رأسه هالة القداسة التي يخصون بها القديسين والأنبياء. ووصلت قلوبهم عنان السماء معبرة عن فرحهم الكبير بحضوره قداسات عيد الميلاد، وهذه الحالة من العشق الخالص بدأت تعكر صفوها بعض الحوادث التي تكررت بشكل مؤسف، وعاد الغم إلى الأقباط مجددا، وأصبحت قلوبهم كسيرة بعد ردود الفعل التي لم تصل إلى أدنى توقعاتهم إزاء الطائفية المقيتة التي لم يتغير فيها شيء، ولا في طرق معالجتها من الدولة، فما زالت محافظة المنيا هي الأعلى في وقوع الحوادث الطائفية، وما زالت جلسات الصلح العرفي هي وسيلة المعالجة، حيث لا يطبق القانون في ظل خضوع الدولة للقبلية والأغلبية العددية، ومن هنا أكلت أرواحهم ذئاب من الأسئلة التي يوجهونها إلى معشوقهم الأول السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي، ومن هذه الأسئلة أولا: هل تعتقد يا سيادة الرئيس المحبوب أن زيارة الأقباط مرة في السنة كافية لترضية خاطرهم في عيد الميلاد، ويتم تجاهل أوجاعهم ونسيانهم طوال السنة حلا وحيدا لمشكلاتهم؟ في الحقيقة الزيارة تسعدهم وتجعلهم ينسون طقوسهم في الصلاة وينفرج لها فم البابا والأساقفة بضحكة عالية ويقطعون أيديهم من التصفيق، ولكن يبقى الواقع المر طوال العام؟ ثانيا: لماذا لا تقوم بزيارة الكاتدرائية في قداس عيد القيامة؟ هل لأن ميلاد المسيح معترف به في الإسلام ولكن عيد القيامة لا؟ أم لأنه ليس إجازة قومية لكل المصريين مثل عيد الميلاد؟ ثالثا: هل من المساواة يا سيادة الرئيس بين المصريين أن تحل المشكلات الطائفية بجلسات صلح عرفي وتخضع الأقلية العددية للأغلبية؟ وكيف يتفق ذلك مع تصريحكم أن مصر لا توجد فيها أقليات؟ رابعا: كيف ترضى بتهجير الأقباط من بيوتهم بعد حرقها ونهبها، كما حدث في العامرية وقرى عديدة في المنيا، في ظل عقاب جماعي لهم يقوده دائما السلفيون الذين ارتفعت أصواتهم ودخلوا في أماكن كثيرة بديلا للإخوان؟ هل تعرف يا سيادة الرئيس أن الأقباط لا يفرقون بين الإخوان والسلفيين ويعتبرون الاثنين واحدا؟ خامسا: إذا كنت سيادتكم تتخذ من عبد الناصر مثالا وقدوة وتمدح إعلامه لماذا لا تقتدي به في حز جذور الفتنة الطائفية بتطبيق الحزم والقانون على الذين يهددونه بالشائعات والحرائق والقتل؟».

محمد الخولي: هل غرس السيسي بذرة الدولة العلمانية؟

وفي العدد نفسه من «المقال» شن زميلنا محمد الخولي هجوما آخر شكك فيه في رغبة الرئيس إقامة دولة علمانية فقال: «هل الرئيس السيسي مقتنع أصلا بضرورة تحويل مصر إلى دولة علمانية؟ وهل فعلا نحن نعيش حاليا في دولة علمانية؟ أو لنطرح السؤال بمزيد من الدقة هل غرس الرئيس السيسي بذرة الدولة العلمانية؟ الإجابة، لا فالسيسي لا يريد دولة علمانية ولا مدنية، فخلال السنتين الأوليين له في حكمه بدا واضحا أن السيسي يريد دولة إسلامية محافظة لا تختلف كثيرا عن أي دولة دينية أخرى، فلا أحد يعرف معنى المحافظة التي يتحدث عنها الرئيس ولم يسأله أحد من المثقفين أو ممن يجلسون معه عن شكل تلك الدولة، فمثلا عندما تحدث عن تجديد الخطاب الديني لم يكشف الرئيس عن رؤيته لهذا التجديد وما المقصود منه، وهل هو ذاته ذلك التجديد الذي يتحدث عنه الشيخ أحمد الطيب شيخ الأزهر؟ أم هذا التجديد الذي يتحدث عنه مفتي الجمهورية شوقي علام عندما قال إن: «ما نعنيه ونقصده ونذهب إليه من تجديد الخطاب الديني ليس المقصود منه العدوان على مبادئ وقيم هي من صلب العقيدة الإسلامية الثابتة، أو ثوابت الدين، إنما نتحدث عن الأدوات والآليات التي تعمل بشكل منضبط ووفق ضوابط معينة لكي نستطيع من خلالها الوصول إلى خطاب ديني رشيد»؟ أم ذلك التعريف الذي وضعته وزارة الأوقاف بأن تجديد الخطاب الديني يعني «تجريده مما علق به من أوهام أو خرافات، أو فهم غير صحيح ينافي مقاصد الإسلام وسماحته وإنسانيته وعقلانيته ومصالحه المرعية ومآلاته المعتبرة بما يلائم حياة الناس».

جرائم جنائية تصطبغ بلون طائفي

ومن الدولة المدنية أو الدينية إلى قضية أخرى أثارها يوم السبت أيضا زميلنا محمد الباز رئيس التحرير التنفيذي لجريدة «البوابة» اليومية المستقلة عن حوادث يتم تضخيمها وقال:
«حدث هذا في ساعات متقاربة «العثور على طبيب قبطي شاب مقتولا في طنطا». آلة الدعاية القبطية «مواقع وصفحات تدار من الخارج وبعضها يدار من الداخل»، سارعت إلى نسج قصة من خيالها، فالذين قتلوه اثنان من جيرانه بالطبع لا بد أن يكونا سلفيين، وحتى تكون الحكاية مكتملة فلا بد من الإشارة إلى أنه تم ذبحه في إيحاء لا تخفى على أحد دلالته. «مقتل راهبة من دير مار جرجس على طريق مصر إسكندرية الصحراوي» المواقع والصفحات تتبنى رواية استهداف الراهبة لأنها فقط كذلك.. وحتى تكتمل القصة أيضا تم التأكيد على أن من أطلقوا الرصاص على الراهبة كبّروا وحمدوا الله وهم ينصرفون من مسرح الجريمة! لا أعفي المتطرفين من جرائمهم ضد الأقباط بالطبع، ولا أهون الأمر وأقول إنه ليست هناك مشكلة ضخمة في الخطاب الديني في ما يخص الأقباط، لكنني أضع هاتين الجريمتين أمامي وأنا أرصد خطرا مقبلا يحاول البعض أن يضخمه بجهل شديد وبسوء نية، لا يمكن لعين محايدة أن تخطئها. ما حدث في طنطا وعلى طريق مصر الإسكندرية الصحراوي يؤكد ذلك تماما. فالطبيب الشاب قتل نتيجة خلاف في قضية آثار، والراهبة كانت تمر بالصدفة بسيارة إلى جوار مسرح جريمة بشعة استهدفت رجل أعمال لخلافات عمل، الخطر أن الذين يستهدفون الوطن منذ 30 يونيو/حزيران أدركوا أن العمليات الإرهابية من شأنها أن توحد الناس وتجعلهم كتلة صلبة في مواجهة العدو الكامن، وهو ما يجعل هذا الشعب عصيَّا على الكسر، فبدأوا في البحث عن القضايا التي تفرق ولا تجمع، الجرائم التي تشطر المصريين وتجعلهم جبهات متناحرة، وهو الهدف الخبيث الذي لو تحقق لأصبحنا لقمة سهلة البلع والهضم، فإذا كنت أرفض تحويل الجرائم التي يسقط أقباط ضحايا لها إلى حوادث طائفية فإنني أرفض تماما أن يتم التهاون في تطبيق القانون، لأن الضحايا أقباط فمن هذه الثغرة ينفذ من يريدون شرا بهذا الوطن، فأغلقوا في وجوههم كل الثغرات حتى ننجو فلا سبيل لنا إلا النجاة لأن البديل مخيف وخطر على الجميع».

المستشفيات إنسانية التوجه

وبمناسبة الحوادث والأقباط فقد ذكرت زميلتنا الجميلة في «الأهرام» ماجدة الجندي في مقال لها في عدد «البوابة» نفسه عن تعرضها وهي في أمريكا لحادث سقوط أدى إلى كسور شديدة لها في الحوض والساقين في الشارع، وتم حملها بسرعة إلى المستشفى وقالت: «وصلنا إلى مستشفى لم يكن أحد يعرف من أنا؟و لا من أي بلد ولا اسمي إيه حتى. على الفور كنت أخضع لعشرات من أنواع الأشعة وصراخي بلا مبالغة للسقف كما يقولون، وكل من يتعامل معي في غاية الأسى والتأثر والمشاركة، ولكن لا أحد يعلم من أنا ولا كيف سوف أسدد الفواتير؟ وهل أنا مقيمة أو في زيارة، حتى انتهت كل الفحوصات والأشعات التي كشفت عن كارثة صحية استلزمت أكثر من عملية وأربعة أشهر بدون حركة، وهذه الكارثة ليست هي موضوعنا على الإطلاق، بل موضوعنا الذي أود التوقف عنده، هو أن من ساعدوني وترفقوا بي لم يعرفوا بياناتي، وبالتالي أمر «هويتي» الشخصية لا «ديني» ولا بلد المنشأ، كل ذلك لم تكن له علاقة بما يجري. بالنسبة إليهم أنا إنسانة تتوجع وتحتاج تدخلا طبيا، من سوف يعالجها يهودي مسيحي مسلم بوذي أمر لا علاقة لهم به، لكن في داخل المستشفى مساحات لإقامة الصلوات للمسلمين والمسيحيين واليهود، لا أحد يمكنه أن يسأل أي مريض: ما هي ديانتك إلا في حالة المرضى الذين تطول إقامتهم، أو الذين يمرون بحالات صعبة، فهؤلاء يأتي حتى سرائرهم رجال الأديان الثلاثة، كنوع من الدعم، وقد كنت من هؤلاء، ويوما جاءني شيخ مسلم في المستشفى الأمريكي. كل هذه المقدمة الطويلة لا تقف عند عبارة قيلت في الترويج وحث الناس على التبرع لمستشفى 57357 «أن المستشفى يخدم الأمة الإسلامية كلها!» وهنا لا بد من وقفة معارضة وبوضوح، المستشفيات لا تخدم الناس حسب «هوياتهم الدينية»، المستشفيات إنسانية التوجه. ومصيبة المصائب التي وصلنا إليها وأولنا رجال الدين، أن صرنا نربط ما بين العلاج والدين أو بين العلاج والهوية الدينية».

اللهم أشف مرضى مصر والعالم

والإعلام نفسه الذي أثار ماجدة الجندي أثار في يوم السبت نفسه أعصاب أستاذ القلب والكاتب الدكتور خالد منتصر فقال عنه في بابه اليومي في جريدة «الوطن» (خارج النص): «أن تشاهد إعلانا عن مستشفى لعلاج سرطان الأطفال، ينقل فيه عن أكبر رأس في أكبر مؤسسة دينية أنه يتمنى أن يكون هذا الصرح خدمة لأطفال الأمة الإسلامية! فهذه كارثة، وكأن أطفال الأديان الأخرى يستحقون الموت جزاء على ولادتهم كفارا، أو يستحقون الويل والثبور وعظائم الأمور والموت من كل أنواع السرطانات والشرور، لأنهم لم يؤدوا الجزية ويسلموها لأطباء الولادة وهم ينزلون من أرحام أمهاتهم!هل ترضى أخي المسلم أن تسمع دعاء ينطلق من الكنيسة، اللهم أشف مرضى الأمة المسيحية! ما هو إحساسك وقتها؟ أم أن إحساسك أنت هو الوحيد المرهف وأحاسيس الآخرين من الفولاذ؟! هل يرضيك أن يخرج مجدي يعقوب في إعلان ليقول مستشفى مجدي يعقوب لعلاج القلب هو لخدمة أطفال الأمة المسيحية؟ أول معاني الدولة المدنية بالنسبة للجماعة الوطنية هو أن يعلو الوطن على التمزيق والصراعات والانتماءات المفتتة لوحدته، وأن تتقدم قيم المواطنة المشهد، وتتوارى الفتن الدينية وتختفي من المشهد، لا يعني هذا على الإطلاق ألا تعتز بدينك وتفتخر بعقيدتك وتمارس طقوسك الدينية، ولكن إياك أن تستخدم كل هذا لتحويل الدين إلى قلعة هجرة وغيتو عزلة، أو تشكل من أبناء طائفتك أو مذهبك الديني ميليشيا أو قبيلة، أنت في المسجد مسلم، وأنت في الكنيسة مسيحي وفي المعبد يهودي، لكنك في الشارع وأمام القانون وعندما تلتحق بالوظيفة وعندما تتكلم عن أمور الدنيا مثل حق العلاج والصحة والتعليم مصري، لذلك يجب أن تدعو بالشفاء لكل مريض مصري، وتدعو أيضا لمرضى العالم بالشفاء وزوال الألم، لأنك قبل المواطنة أنت إنسان تنتمي إلى هذا العالم وتذوب في هذا الكون، ليس على رأسك ريشة ولا تسري في عروقك دماء زرقاء، لأنك ولدت لأب وأم بالصدفة ينتميان إلى دين معين، حتى الحيوان لا بد أن تتعاطف معه وتدعو له بالشفاء، نحن نسخر من تعاطف الأوروبيين مع الكلاب مثلا، ونضحك حتى نستلقي على قفانا عندما نشاهد فيديو لإنقاذ البوليس والمطافئ لدجاجة أو قطة، ما تضحك عليه وتسخر منه وأنت ترى أطفال الشارع يعذبون كلبا بدون أن يهتز لك جفن هو دلالة على انعدام الحس والضمير. لن نتقدم إلا إذا أخلصنا للوطن وللإنسانية أيضا».

السيسي والرهان على العواطف

من يتأمل رسائل الرئيس عبد الفتاح السيسي للإثيوبيين، يلحظ أنها لا تخرج عن سياق عاطفي عام، تجد أثره في عوام المصريين: تصدير كلام جميل وحلو من باب المجاملات.. ولكنه لا «يبيع» في لغة المصالح التي هي أساس العلاقات بين الدول. الرهان على العواطف، ينفع في الأفلام الرومانسية، ولكنه يضيع شعوبا حال اعتمد كممارسة رسمية في إدارة الخلافات والأزمات مع الدول الأخرى. أي دولة.. ليست جمعية خيرية، توزع الهبات على الدول الأخرى بدون مقابل.. وإنما وفق أجندة مصالح شديدة الصرامة.
سيبدأ نزيف الخسائر، ويتطور إلى الخروج «المهين» من الملعب، حين لا تجيد اكتشاف ما لديك من أوراق وأدوات تأثير.. وماذا ستقدم للآخرين، مقابل انتزاع مكاسب كبيرة لصالح بلدك ومواطنيك. في مصر شتموا «أردوغان» لأنه «ركع» أمام الإسرائيليين، و»باع» حماس.. من خلال خطاب إعلامي مصري غوغائي، لم يكن في باله، إلا التزلف إلى السلطة وإرضائها لأنها «واخده على خاطرها» من أردوغان، الذي يأوي الإخوان.. ولأنه باع «المبادئ» وطبع مع تل أبيب ورفض التصالح مع مصر! وهو خطاب وإن كان التزلف فيه هو السمة الغالبة عليه، إلا أنه أيضا انطلق من منطلق عاطفي ورومانسي.. يعتقد أن الدول «جمعيات خيرية».. وليست كيانات تنهض أو تنهار، بحسب قدرة نظامها السياسي على تحقيق مصالحها. لم يشر أي تحليل رصين إلى»مكاسب» تركيا، من إنعاش التطبيع مع إسرائيل: ومن بينها «فطام» قطاع غزة وعدم اعتماده على «المرضعة» الكبيرة والتاريخية مصر.. ومن يرجع إلى نتائج الاتفاق الإسرائيلي التركي الأخير، سيكتشف الفارق بين دولة تعتمد على المؤسسات لصالح بلدها، وأخرى تعتمد على «المكايدات» لصالح نظامها السياسي. وفي السياق فإن زيارة نتنياهو الأخيرة إلى إثيوبيا، تحتاج إلى تأمل وقراءة مخلصة، إذا كان ثمة إرادة وطنية حقيقية لإنقاذ هذا البلد البائس من مستقبل مفزع.. ولنتعلم منها بأن الدول ليست كالنساء يعجبها الغزل وتسبيل العيون.. ولكن يعجبها الكلام المباشر في المصالح: وما لديك لتعطيه لنا؟! ولنتأمل ماذا قال نتنياهو أمام البرلمان الإثيوبي: «إن إسرائيل ستدعم أديس أبابا، لتمكن إثيوبيا من الاستفادة من مواردها المائية في تطوير الزراعة، من خلال مدها بالتكنولوجيا». وأضاف أن أديس أبابا تنتهج الطريق الصحيح في التنمية، وسنعمل على دعمها وتعزيز المشاريع التنموية في البلاد». وأكد أن إسرائيل ستجعل من إثيوبيا أكبر دولة منتجة للألبان في العالم، وستدعمها بكافة أنواع التكنولوجيا الحديثة، مشيرا إلى أن هذه رؤيته لإثيوبيا وفق إستراتيجية إسرائيل. في حين نرى هذا التعاطي الإسرائيلي الذي يُحسن بخبراته وبوعيه وحسه السياسي.. اصطياد الهدف.. لا نرى من القاهرة إلا الرهان على «المشاعر الحلوة» بين الشعبين الشقيقين المصري والإثيوبي! وكأنى أرى إثيوبيا تنظر إلينا نظرة ساخرة على خيالنا «اللي على قد حاله».. ونظرة شفقة على ما ينتظرنا من مستقبل بائس».

تدمير العراق وفرصة
الاقتصاص من بريطانيا

وحظي تقرير لجنة تشيلكوت البريطانية باهتمام وقال عنه يوم السبت زميلنا في «الوفد» مصطفى شفيق: «الحقيقة أن هذا التقرير نفسه يمثل عارا جديدا على بريطانيا، وهو يمثل شكلا جديدا من النظرة العنصرية والدونية التي يتعامل بها الغرب، خصوصا بريطانيا مع العرب، فلا السيد تشيلكوت صاحب التقرير، ولا الأخ بلير مرتكب الجريمة كلف نفسه مشقة الاعتذار للشعب العراقي على تخريب البلاد، ولا على قتل أكثر من 150 ألف عراقي في أقل من 5 شهور – بحسب نص التقرير- ولا على التسبب في تشريد أكثر من مليون عراقي، ولا على هدم نحو نصف المباني السكنية في العراق، ولا على تدمير البنية الأساسية لواحدة من الدول التي كانت حتى قبل الغزو تتمتع ببنية تحتية جيدة، ولا على سرقة بترول العراق لتموين مركبات وطائرات الاحتلال الأمريكي- البريطاني للعراق، ولا هدم مؤسسات الدولة العراقية المستقرة بهدف نشر الفوضى في ربوعها. التقرير لم يحمل أي وجهة نظر تؤكد – أو حتى تظن- أن العملية كانت غزوا، أو أنها تضمنت جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، وانتهاكا للقانون الدولي. التقرير لم يبحث إلا في الشرعية القانونية للقرار الذي اتخذه بلير أثناء حكمه لبريطانيا، ولم يلمس الشرعية الإنسانية لمواطنين آمنين قتلهم بلير وجنوده بدم بارد، ولم يعلن مسؤولية بريطانيا الدولة عن جريمة غزو العراق، كما أنه لم يوجه أو يوصي بإصلاح نتائج الجريمة التي ارتكبها حاكم بريطانيا وصاحبه. يبقى أن ننتظر طريقة تعامل الدول العربية مع التقرير، أحسب أن الجامعة العربية مطالبة بحملة دبلوماسية واسعة تستخدم فيها هذا التقرير للضغط على بريطانيا لاتخاذ مواقف أكثر مساندة للقضايا العربية، وأن العراق يملك الآن عصا سحرية للمطالبة بتعويضات كبيرة عن الأضرار التي لحقت بالشعب العراقي وسرقة ثرواته، وأن آل صدام حسين يمكنهم مقاضاة توني بلير شخصيا وبريطانيا على جريمة الغزو والقتل والتخريب، لو لم نستغل هذا التقرير فلننعم بالنوم العميق وننتظر الضربات المقبلة في صمت».

ليس للقاتل ضمير

أما زميله مجدي سرحان فقد أشار إلى الخونة العرب الذين لعبوا دورا في الغزو بدون أن يحددهم وقال: «من يتصور أن للقاتل ضميرا يمكن أن يستيقظ يوما فيعترف بجريمته ليضع حبل المشنقة بيديه حول رقبته، هم يناورون ولا يعتذرون لأنهم سفاحون متآمرون ملعونون أشرار بطبعهم، وتاريخهم الاستعماري مكتوب بدماء شهدائنا وقتلاهم على مر العصور، وغبي من ينتظر خيرا من اعتذارهم، أو من لا يدرك أن الأهم من اعتراف المجرم بجريمته هو أن يستفيق المجنى عليه من غفلته التي مكنت القاتل من رقبته. كثيرون الآن يجب عليهم أيضا الاعتذار هؤلاء الذين صنعوا من أنفسهم خناجر يغرسها السفاحون في أجساد أوطاننا ليحتلوها ويمزقوها ويقسموها لبسط نفوذهم وتحقيق مصالحهم الاستعمارية، التي لن يتوقف سعيهم لاستكمال مخططاتها ومؤامراتها ولن يعطلها أي «اعتذار تكتيكي» كاذب ومخادع، فسرعان ما سيعودون الى إجرامهم وطغيانهم ،خطرهم لم ولن يزول والأخطر منهم هم هؤلاء «الجرذان» الخونة الغاوون المضللون، الذين يعيشون بيننا يتنفسون هواءنا يأكلون طعامنا ويشربون ماءنا ويضمرون لنا كل الشر والغدر والخيانة والخسة والنذالة، تحركهم أوهامهم وأحلامهم المجنونة في إقامة دولة مزعومة لا وجود لها إلا في خيالهم المريض، هؤلاء هم الخطر الأكبر فاحذروهم ولا تجنحوا لسلم زائف معهم وحاربوهم».

عصر الجيوش وليس عصر الديمقراطيات

ومن الجرذان إلى غيرهم الذين قال عنهم في يوم السبت نفسه زميلنا في «الوطن» رئيس تحريرها التنفيذي محمود الكردوسي في بروازه اليومي «كرباج»: «بريطانيا التي اخترعت فكرة «الاستعمار» في العالم اعترفت على لسان رئيس وزرائها توني بلير (دلدول بوش الابن) بأن إسقاط صدام حسين هو الذي أطلق شرارة الإرهاب في المنطقة، يا نهار أسود! ألم يبشرونا بأن الديمقراطية بعد صدام ستنتشر وتتوغل وسيعم السلام والرخاء وستنفجر الأرض أنهارا من اللبن والعسل! ملعون أبوكم على أبو الديمقراطية على أبو اللي يجيب سيرة الديمقراطية. هذا عصر الجيوش وليس عصر الديمقراطيات، عصر القوة وليس عصر السياسة عصر الجنرالات وليس عصر الهتّيفة والنحانيح وتجار الثورات عصر الـ«إف-16» والـ«ميسترال» وليس عصر الدولة المدنية، عصر «الكاب» وليس عصر القمصان والكرافتات اللي يقول لك «ديمقراطية» قول له «أبوك السقا مات من شرب الميّه طين»».

المطالبة بدعم العراق
والحفاظ على وحدة أراضيه

أصدرت لجنة الشؤون العربية في مجلس النواب بيانا طالبت فيه بطرح هذه القضية على مؤتمر القمة العربية الذي سيعقد في موريتانيا وجاء في البيان نقلا عن زملائنا في «الجمهورية» مصطفى عبد الغفار ومحمود الشاذلي ومصطفى فايد: «كانت بداية الحرب الأهلية والطائفية والمذهبية والعرقية في العراق ثم في ظهور التنظيمات الإرهابية وأصحاب الفكر المتطرف كـ»داعش» وغيره، الذي غذته ومولته وسلحته أجهزة المخابرات الغربية وحلفاؤها، ثم امتد وانتشر الإرهاب كالسرطان في جسد الأمة العربية كلها، حتى ضربت الفوضى أطنابها في طول البلاد وعرضها، كل ذلك بغرض تمزيق الأمة العربية وتحويلها إلى دويلات واهنة ضعيفة وفقيرة لصالح الكيان الصهيوني المتحالف مع الإمبريالية الدولية، متزامنا مع حملات شعواء ضد الإسلام والمسلمين لوصمهم جميعا بوصمة الإرهاب.
إن ما آلت إليه الأحداث يستوجب سرعة التحرك من الجمعية العمومية للأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي باعتبارهما معنيين بالسلم والأمن الدوليين، للمطالبة بسرعة تقديم كافة المسؤولين عن غزو العراق، وعلى رأسهم الرئيس الأمريكي الأسبق، ورئيس الوزراء البريطاني الأسبق للمحكمة الجنائية الدولية، باعتبارهم مجرمي حرب، وتكليف لجنة دولية بحصر كافة الخسائر المادية والاقتصادية والسياسية التي تكبدها العراق منذ الغزو، وإلزام أمريكا وبريطانيا بدفع كافة التعويضات المناسبة عن هذه الخسائر. كما طالبت اللجنة جامعة الدول العربية بإدراج هذا الموضوع على جدول أعمال القمة العربية المزمع عقدها بعد أيام في موريتانيا، للتأكيد على دعم العراق والحفاظ على وحدة أراضيه في مواجهة المخططات الاستعمارية والإرهابية على حد سواء».

مشاكل وانتقادات

وإلى المشاكل والانتقادات، حيث هناك شبه إجماع على استنكار ما حدث للشخصية المصرية وأخلاق المصريين إلى الأسوأ وقال عنها يوم السبت رئيس تحرير «الجمهورية» الحكومية زميلنا فهمي عنبة في مقاله اليومي «على بركة الله»: «ماذا جرى للمصريين لماذا أصبحوا يقومون بالسخرية من كل شيء، وبتسطيح الأمور وتسفيه القضايا؟ وفي الوقت نفسه ينشغلون بالتوافه ويضخمون الخلافات البسيطة وتزداد حالات الاستقطاب في كل المجالات، ابتداء من النادي الذي يشجعونه إلى الفصيل السياسي الذي ينتمون إليه؟ لو لم يكن نصف الشعب تحت خط الفقر لقلنا إن المصريين شغلتهم أموالهم وأهلوهم، ليس فقط عن ذكر الله، ولكن عن الحفاظ على بلدهم والعمل على رفعة شأن الوطن ومستقبل أولادهم، بدلا من عقد حلقات نقاش على مواقع التواصل الاجتماعي ليدلي كل مواطن برأيه حول كيفية إعادة السياحة، وإنقاذ قاطرة الاقتصاد من الانكماش، أو بدلا من التحاور بين الشباب حول نظام تعليمي جديد بعد فضيحة تسريبات الثانـــوية العامة، فإن النقاش والحوار على «الفيسبوك» يدور حول اختيار «نجم رمضان» وأفضل مسلسل، وهل يكون الزعيم أم الأسطورة وهل حفلات «الكينغ» أفضل أم «الهضبة»؟ مع أن غالبية المسلسلات لا تمت للواقع بصلة، ومليئة بالعنف والمشاهد الخارجة، ولا تتناسب مع أخلاقيات شهر الصيام. للأسف أصبح المصريون لا يعرفون حتى كيف يتحاورون، فالخلاف البسيط يتحول إلى خصام وقطيعة، ومجرد العتاب يكون الرد عليه عنيفا ولا يتحمل أي شخص النقد ويتم معالجته فورا بطعنة سكين أو رصاصة بندقية، فهناك سرعة في استخدام العنف والسلاح بكل أنواعه الأبيض والناري، للثأر من خلافات تافهة أو مجرد تحرش لفظي بسيط. كنا نظن أن رمضان سيرتقي بالنفوس ويعيد جزءا من الشخصية المصرية التي ضاعت منا في زمن التجريف بخصالها الجميلة التي اختفت كالشهامة والمروءة والتسامح وإغاثة الملهوف ومساعدة المحتاج ولكننا للأسف وجدنا أن تأثير مسلسل تلفزيوني واحد أكبر من كل عاداتنا وتقاليدنا التي حافظنا عليها آلاف السنين».

الحفاظ على «حق الشعب»

وإلى مشكلة أخرى مختلفة تماما أثارها يوم السبت زميلنا في «أخبار اليوم» مجدي حجازي وهي أن على الشعب أن يعطي للرئيس حقه وقال: «إذا اتفقنا على أن الحفاظ على «حق الشعب»، هو الملمح الرئيسي لفترة حكم الرئيس عبد الفتاح السيسي، فإن الأمانة الوطنية تحتم علينا أن نقر ونؤكد أن للرئيس حقــــا أصيلا مستمدا من حق الشعب. حق الرئيس ليس هتافات مطنطنة أو كلمات رنانة، وإنمـــا هي شراكة إيجابية تعظم قيمة العمل والعطاء، خاصة أن قناعات الرئيس السيسي لا تقف عند حدود القول وفقط، أو اسداء الوعود وكفى، وإنما نهجـــه ومؤداه لا يرضى بغير تحقيـــق النتائج الإيجــــابية على أرض الواقع بديلا، وهو ما يؤكده حرصه الدائم على متابعة قدر الإنجاز من المشروعات القومية في إطار التسابق مع الزمن لتصحيح مسار سنوات الهوان التي انقضت قبل انطلاق ثورتي الشعب في 25 يناير/كانون الثاني و 30 يونيو/حزيران» .

تركيا تعتمد على المؤسسات لصالح بلدها… ومصر تعتمد «المكايدات» لصالح نظامها السياسي

حسنين كروم

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية