منهل باريش: أكدت مصادر محلية في كفر جنة لـ ”القدس العربي” انسحاب القوات الروسية من معسكر بلدة كفر جنة الذي يعتبر المركز الرئيسي للقوات الروسية في منطقة عفرين والمنطقة التي تسيطر عليها “وحدات حماية الشعب” الكردية. وأكدت المصادر إخلاء نقاط “المراقبة” التابعة للشرطة العسكرية الروسية في مطار منغ العسكري ونقاط أخرى في جوار تل رفعت وصولا إلى منطقة شعالة وخربة الدوير، آخر نقاط سيطرة “الوحدات” غرب مدينة الباب.
وأضاف المصدر أن الجنود الروس “أفرغوا كامل المعسكر ونقلوا حتى الأسرة العسكرية والأغطية”، وتوجه رتل يضم نحو عشر آليات بينها ثلاث ثقيلة وعربات زيل وسيارات والعشرات من عناصر الشرطة. وذكرت وكالة الأناضول التركية أن القوات الروسية توجهت نحو مدينتي نبل والزهراء شمالي حلب الخاضعتين لسيطرة النظام السوري. وأشارت إلى أن “قسما من عناصر الشرطة الروسية مازال موجودا في محيط مدينة عفرين”.
وتأتي التحركات الروسية وإعادة الانتشار لقواتها في عفرين بعد يوم من زيارة رئيس الأركان التركي الجنرال خلوصي أكار ورئيس الاستخبارات التركية حقان فيدان إلى موسكو، في محاولة لاطلاع الروس على حدود العملية العسكرية التركية في عفرين وأهدافها.
وأشار وزير الدفاع التركي نور الدين جانكلي، يوم الجمعة، إلى أن “المسؤولين الروس أعلنوا بشكل رسمي ومن أعلى المستويات، أنهم سيسحبون قواتهم في عفرين”.
وعين قائد الجيش الثاني التركي قائدا للعملية العسكرية في عفرين، ويتوقع أن عدد الجنود الاتراك الذين سيشاركون في العملية سيصل إلى نحو سبعة آلاف عسكري، إضافة إلى نحو عشرة آلاف مقاتل من فصائل المعارضة السورية في منطقة درع الفرات.
وعلمت “القدس العربي” من مصدر عسكري في منطقة درع الفرات أن فصائل المعارضة تستعد لإرسال نحو ألفي مقاتل على ثلاث دفعات إلى منطقة شمال إدلب، حيث يتمركز الجيش التركي جنوب منطقة عفرين في دارة عزة وجبل الشيخ بركات، في نقاط مراقبة بعد توقيع اتفاق أستانا 6 الخاص بمناطق “خفض التصعيد”. وأضاف المصدر: “لم تبلغ عمليات درع الفرات بالذهاب إلى إدلب الآن”، ورجح أن “يكون المحور الأول للهجوم هو عبر الأراضي التركية من جهة الشمال باتجاه عفرين وليس إلى إدلب”، أي محور شنكال ميدان إكبس المواجه لبلدة ديلي عثمان التركية والواقعة على طريق هاتاي- كيليس. ويتوقع أيضا هجوم آخر من محور راجو السورية، وصولا إلى جنديرس جنوبا.
ساعة الصفر لبدء عملية “سيف الفرات” لم يحدد بعد، حيث نوه وزير الدفاع التركي أنه لا يمكنه “الإدلاء بمعلومات عن موعد انطلاق العملية العسكرية على أوكار الإرهابيين في عفرين”، مؤكداً أن بلاده “ستقضي على كل تواجدهم في شمال سوريا”.
من جهتها تمنت واشنطن من انقرة “عدم اتخاذ مثل هذه الخطوة”. وقالت على لسان المتحدثة باسم وزارة الخاريجية، هيثر ناويرت، خلال مؤتمرها الصحافي اليومي: “نحن لا نعرف ما إن كانت تركيا ستجري عملية عسكرية في عفرين أم لا، لأن عيون الجميع يجب أن تكون على داعش”.
في فرضيات المعركة يبدو أن مؤشرات الحشود حتى اللحظة وإشراك فصائل “درع الفرات”، يدلل على أن الهدف الأولي هو إبعاد “وحدات حماية الشعب”، والتي تعتبرها أنقرة الذراع العسكري السوري لحزب العمال الكردستاني، عن الحدود التركية المباشرة، وتطويقها داخل الأراضي السورية من الجهتين الشمالية والغربية، بعد أن عززت تركيا قواتها في نقاط المراقبة جنوب عفرين وانتشارها في مناطق درع الفرات شرق عفرين.
عملية “سيف الفرات”، حسب تسمية الجانب التركي، والتي يفترض أن تشمل عفرين ومنبج في الوقت ذاته يبدو أنها ستركز على عفرين حاليا فقط. وقد تحل مسألة مناطق غرب نهر الفرات ضمن تسوية تكون روسيا وإيران طرفا فيها. ومن غير المستبعد أن ينزع فتيل الحرب في عفرين بتسوية بين تركيا وحزب الاتحاد الديمقراطي تتدخل فيها أمريكا نفسها، تنسحب بموجبها “وحدات حماية الشعب” من القرى والبلدات الـ11 والممتدة من تل رفعت إلى غرب مدينة الباب، والتي تقدمت إليها الوحدات وشركاؤها المنضوون تحت ما يعرف بقوات سوريا الديمقراطية “قسد”، خلال حرب تركيا وفصائل درع الفرات على تنظيم «الدولة الإسلامية» العام الماضي.
ورغم تصريحاتها المتواترة والمكثفة على المستويات الرسمية والسياسية كافة، فإن القيادة التركية حذرة جدا في بدء العملية، فالحرب الإعلامية والضغط السياسي الذي تمارسه مازال أقوى بكثير من القصف المدفعي الذي بدأته في الثالث عشر من هذا الشهر بشكل متقطع على محاور عدة باتجاه عفرين. وهو ما يذكر بعمليتها العسكرية في إدلب قبل ثلاثة شهور بعد تصريحات وتهديد ووعيد، حيث قامت بالاتفاق مع “تحرير الشام” ودخلت دون أي طلقة معها.
تحاول أنقرة التخفيف من خسائرها السياسية بعد أن مضت في اتفاق أستانا مع طهران وموسكو، حيث قام الطرفان بعملية عسكرية شرق إدلب وحماة وسيطرا على نحو 300 بلدة بين جبل عزان وريف حماة الشرقي، فيما بقيت تركيا عاجزة حتى اللحظة عن إبعاد ما تعتبره تهديدا لأمنها القومي. وتدرك أيضا أن الاتفاق مع روسيا وإيران ضعيف للغاية ولا يرقى للشراكة الاستراتيجية كتلك التي بين الطرفين، وتتخوف دون شك من تغير قريب بين الجانبين، وتخشى فقدان هذه الشراكة رغم كونها الطرف الضعيف والأقل حظاً. ولا تريد أن تخسر دورها كما خسرت الشراكة الاستراتيجية مع أمريكا، وتصبح بذلك “عدوة” الجميع مع بقاء ما يهدد أمنها القومي جنوب حدودها.
مع كل تلك الحرب الإعلامية يبدو أن تركيا ستفضل حلا سياسيا وتبتعد عن التورط في عملية عسكرية طويلة المدى في منطقة عفرين، التي تعتبر أكثر المناطق الكردية السورية تماسكا قوميا فهي شبه خالية من أي مكون سوى الأكراد السوريين.
عملية عسكرية محدودة تنتهي بحل سياسي لمناطق غرب الفرات قد تكون الخيار الذي تفضله أنقرة، مقابل تأجيل خيار الرصاص إلى مناطق شرق النهر.