تسعينية الدستور اللبناني: دو جوفنيل الذي «ألّفنا» سهواً

حجم الخط
1

الذكرى التسعينية لإعلان الدستور اللبناني من قبل سلطة المنتدب الفرنسي في 23 أيار / مايو 1926 تكاد لا تجد من يستذكرها أو يحييها، في وقت تستفحل فيه حال الفراغ الدستوري في لبنان اليوم، مع دخول الشغور الرئاسي عامه الثالث، وتعطّل الوظيفة التشريعية للمجلس النيابي طالما هو لم ينتخب الرئيس بفعل عصيان أكثر من ثلث نوابه على حضور جلسات الانتخاب، وامتناع الاتفاق على قانون انتخابات نيابية جديد، مع الاتفاق في الوقت نفسه على عدم العودة إلى القانون الذي سبق، وبالتالي تمديد المجلس النيابي لنفسه مرتين حتى الآن، والمرة الثالثة موشكة.
في «الجمهورية» التي تكتفي من الانتخابات بتلك البلدية فحسب، وتتأول قواها السياسية ونخبها البلديات «كما لو كانت انتخابات نيابية ورئاسية» حين تعجبها النتائج، وكحسابات عائلية – انمائية فحسب، حين لا تعجبها، تمرّ تسعينية ولادة لبنان الدستوري دون أن يلحظها أحد، كما تمرّ بعدها بيومين ذكرى قيام الجمهورية اللبنانية، أول جمهورية عربية معلنة، وانتخاب شارل دباس أول رئيس لها، وهو من طائفة الروم الأرثوذكس لأن عرف مارونية الرئاسية لم يكن تكرّس بعد.
ما يجعل تسعينية قيام لبنان الدستوري، بالتوليد الكولونيالي، مناسبة مهملة هو مجموعة مبالغات لم ترشّد بعد، مع انها لا تستقيم مع بعضها البعض، منها اعتبار الدستور «نسخة» اعتمدها الفرنسيون وقتذاك عن دستور جمهوريتهم الثالثة، ومنها، في المقابل، تنسيب الدستور اللبناني إلى المصرفي والصحافي والشاعر الفرنكوفوني الكلداني، العراقي الأب، ميشال شيحا، الذي كان بالفعل أحد أعضاء لجنة وضع الدستور.
بيد أنّ من كان له التأثير الأقوى على القالب الكولونيالي الدستوري الذي ستتشكّل به الجمهورية اللبنانية، كان المفوض السامي على سوريا ولبنان هنري دو جوفنيل (تراجع السيرة التي كتبتها عنه كريستين مانيغان)، المكلّف بمجموعة ترتيبات في سياق محاصرة ثم اخماد «الثورة السورية الكبرى» (التي كانت حرباً أهلية أيضاً)، من ضمنها ايجاد وضعية مستديمة للكيان اللبناني الموسّع، وقد طلب أكثر من مرة من العلامة بول سوشيه الاستيحاء من الدستور الفدرالي السويسري، وليس فقط من الدستور الفرنسي للجمهورية الثالثة، الذي كان دو جوفنيل في الوقت نفسه ابنها، وناقد هشاشتها البرلمانية بامتياز.
لبنانياً وسورياً، كان دو جوفنيل في عجلة من أمره، فبما أنه عضو في مجلس الشيوخ لم يكن بمقدوره البقاء في المستعمرتين لأكثر من ستة أشهر، وهو بالفعل عاد إلى فرنسا فور انجاز الدستور اللبناني، وملفت اليوم استذكار تصريحه خلال اعداده بأنه «لو كانت الدول السورية تتمتع بنعمة السلام التي يتمتع بها لبنان لجرى فيها ما يجري الآن في هذا البلد».
كانت نظرته سلبية تجاه سياسات تحيز المستعمرين لقوم دون آخر واستبدادهم كملوك في المستعمرات مع كونهم من أشد الجمهوريين والتقدميين في الحاضرة الفرنسية، وحاول بعكس أسلافه المفوضين العسكريين، إشراك الطوائف الدينية أكثر، وذلك في مشاورات وضع الدستور، مثلما حاول أن ينتج مثله بالنسبة إلى دولة العلويين. لكن ممثلي الطائفة السنية رفضوا تغطية دستوره، وواظبوا على صيغة «البلاد التي ألحقت بلبنان الصغير دون استفتاء أهلها»، وفي المقابل قامت المفوضية السامية الفرنسية آنذاك بالاعتراف بالمذهب الجعفري، وانشاء محكمة تمييز جعفرية، مدشنة مسار استقلال شيعة لبنان عن سنته طائفياً، وهو ما احتاج أربعين عاماً اضافية لاستكماله مؤسسياً.
عندما قدم دو جوفنيل إلى الشرق، وأدار أساساً عملية التشكيل الدستوري للبنان، كان يحتاج على الصعيد الشخصي لفترة «نقاهة» يتيحها قصر الصنوبر، بعد انهيار زواجه الثاني من الروائية والممثلة كوليت (سيدوني غابرييل كوليت، واشتهرت أدبياً بكوليت)، التي أقامت علاقة عاصفة، مع نجله، من زواجه الأول، المفكر (اليميني المتطرف لاحقاً) برتران دو جوفنيل. أما ميشال شيحا، فقد جدّد في نفس الفترة التكتل المصرفي التجاري بين عائلتي شيحا الكلدانية، وفرعون، من الروم الكاثوليك، بزواجه من ابنة خاله مرغريت. ولدت الجمهورية اللبنانية من رحم انقلاب عاطفي للإبن على الأب، وطلاق ونقاهة، وزيجة محسوبة عداً ونقداً.
تنسيب الدستور لميشال شيحا هو المسلك السهل. اليمين يعتمده لتسويغ فكرة ان الجمهورية جاءت رضوخاً فرنسياً للمطالب اللبنانية. اليسار (الذي أنتج مع ذلك المطالعتين الأهم لفكر شيحا، عند مهدي عامل وفواز طرابلسي) لم يفصل بما فيه الكفاية بعد بين دور شيحا المهم في انتاج أيديولوجية الجمهورية المركنتيلية، وبين دوره الهامشي في وضع القالب الدستوري، ومعه العقد الاجتماعي المهندس كولونيالياً، للبنان.
العلاقات بين الرجلين، دو جوفنيل وشيحا، كانت متوترة، على ما يستفاد من أغلب من تطرق اليها، ومن الواضح انها أدت إلى تغيب شيحا عن لجنة وضع الدستور في أسابيعها الأخيرة. «ليبرالية» المركز المصرفي التجاري، المحمية بترتيبات مع الزعامات التقليدية في الجبل والسهل عند شيحا، مختلفة كثيراً عن «نقابوية» دو جوفني. اختزال قيام لبنان في «مركنتيليته» الشيحاوية يغيب مفارقات «النقابوية» الدوجوفنيلية عندما وجدت ستة أشهر لتجريب نفسها في مستعمرة حديثة الترسيم.
انتمى دو جوفنيل فرنسياً لتيار يتوسع في مفهوم النقابات المهنية الحديثة، ليقترح اعادة تنظيم نقابية لمفهوم الدولة. نادى بـ»جمهورية المنتجين» بدل «جمهورية البرلمانيين»، وبالاقليمية بدل المركزية. شدّد في كتاباته وخطبه على أن الأنظمة البرلمانية التي خرجت مظفرة في الحرب العالمية الأولى، باتت متخلعة من داخلها نتيجة الحرب نفسها، وأن مفاهيم الأكثرية والعدد والاقتراع العام ينبغي اخضاعهما لمفهوم الكفاءة، فتكون البرلمانية مشروطة بالتضامنية النقابية بين «الرتب الأربعة» الحديثة (العمال، الفلاحون، أرباب العمل، المثقفون).
في جهده لاشراك اللبنانيين بوضع دستور بلدهم، عمل دو جوفنيل على الاستماع لرأي النقابات المهنية والعمالية المشكلة وقتذاك، لكنه تعاطى أيضاً مع التشكيلات الإكليروسية للملل الدينية العثمانية السابقة كنقابات، نقابات دينية، وهذا التصور النقابي لاعادة تشكيل النظام الملي القديم، على قاعدة ربطها بالدولة، أو ربط الدولة بها على حد سواء، يعود لاسهام دو جوفنيل اكثر من أي شخص آخر. كان دو جوفنيل يؤمن بالتضامنية النقابية لقطع الطريق أمام صراع طبقي تهديمي للمجتمع والدولة، واستوحى من ذلك تصوره للتضامنيات الطائفية، وللدولة الطائفية كحائلة دون الصراع التناحري بين أتباع الديانات المختلفة.
في بعض كتاباته، ساجل دو جوفنيل ضد مفهوم «الدولة السيدة» فرنسياً واعتبره متعالياً، ودعا إلى ما هو عضوي، «دولة شريكة مع النقابات». المدهش أنه ربط ذلك بتقوية سمة «الدولة الاجتماعية» وزيادة الانتاجية الصناعية في فرنسا، في حين أن المجال التطبيقي لتفكيره هذا، المتمثل بانتاج «دولة شريكة مع النقابات الدينية»، سيرتبط مع غلبة التصور المركنتيلي الفاحش.
حتى بالنسبة لمن قاطعوا جلسات وضع الدستور، كانت تصور دو جوفنيل هو الذي يقوم باعادة انتاجهم، تدريجياً، كنقابات دينية، نسميها الطوائف. المسيحية منها مستقلة كنائسها عن جهاز الدولة، والمسلمة مندمج افتاؤها بجهاز الدولة. الدولة المشاركة مع النقابات – الطوائف تشرف عليها، وتعيد انتاجها، فلا تتمأسس الطوائف كطوائف خارج شبكة علاقات وتداخلات مع الدولة وجهازها ومؤسساتها، ولا تملك الدولة أي منطقة «سيادة» خاصة بها منحاة عن الطوائف.
العقد الاجتماعي في فكر دو جوفنيل يتشكل بين نقابات. وهو في هندسته للجمهورية اللبنانية ودستورها يتشكل أيضاً مع نوع محلي من النقابات هي النقابات الدينية أو الطوائف. هدف النقابة بحسب دو جوفنيل توطيد تضامنية قطاعية داخل النسيج التي تجسده (وهو نادى بمبدأ النقابات الاجبارية لجميع المواطنين فرنسياً)، وتضامنية مع غيرها، فالدولة مجموعة تضامنيات. فترة ما بين الحربين ستتكفل بافلاس هذه الأفكار فرنسياً، (وكان دو جوفنيل في فترة شغله منصب سفير بلاده بروما في الثلاثينيات يعتبرها حيوية لانضاج تحالف بين فرنسا وايطاليا الفاشية بوجه المانيا، في حين كان ابنه برتران، وهو من أم يهودية، شغوفاً بألمانيا النازية حتى فترة متقدمة). أما في لبنان، فأمكن لمبدأ «النقابات الإجبارية» العضوية والتضامنية أن يطبّق «سهواً»، بقالب استيعابي للغاية لأي محاولة تجاوزية له.

٭ كاتب لبناني

تسعينية الدستور اللبناني: دو جوفنيل الذي «ألّفنا» سهواً

وسام سعادة

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية