تشكيل الحكومة المقبلة في ‫العراق بين ماكغورك وسليماني

حجم الخط
0

‫ما يهم طهران قبل كل شيء في السجال المستمر حول تشكيل الحكومة العراقية، ليس أن يعيد شيعة العراق تأسيس تحالفهم على أساس مذهبي كما في كل التحالفات السابقة منذ سقوط نظام صدام حسين العام 2003 فهي صارت تملك بسبب المساعدة في استعادة المدن العراقية من التنظيم الاٍرهابي علاقات قوية مع زعماء بارزين من السنَّة (الشيخ خالد المُلا مثلا) وقادة ميدانيين مسيحيين أبرزهم ريان الكلداني أمين عام حركة بابليون الحشدية، إلى جانب علاقاتها التقليدية مع الكرد خصوصاً الاتحاد الوطني الكردستاني.
‫فطهران هذه المرة أمام استحقاق المواجهة السياسية والاقتصادية وربما العسكرية غير المباشرة (في فصول إقليمية) مع عدوها اللدود الولايات المتحدة وحلفائها الإقليميين في المنطقة خاصة السعودية وإسرائيل، وهم نافذون بشكل وآخر مع واشنطن في العملية السياسيّة عبر حلفائها العراقيين إلى الواجهة أكثر من ذي قبل، بل ظهروا وكأنهم من يحدد بوصلتها ويرسم خطوطها في معركة تشكيل (الكتلة الأكبر) التي تعين الحكومة، بينما حلفاء إيران تحولوا إلى توابع للمتغيرات ومتأثرين بها بعد انفراط عقد تحالفهم (الوطني) وانضمام زعيم التيار الصدري سيد مقتدى الصدر، وإلى حد ما زعيم تيار الحكمة عمار الحكيم إلى المحور المنافس لمحور حلفاء إيران.
‫وتدرك طهران جيداً في خضم هذه المواجهة التي تصاعدت بتدشين حزمة أولية من العقوبات الأمريكية عليها، وإعلان رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي الالتزام ببعض بنودها وحرك بذلك مياهاً راكدة داخل حزبه، حزب الدعوة الإسلامية حول الموقف العقائدي من ولاية الفقيه، أن عليها تغيير قواعد اللعبة مع الحلفاء التقليديين، وعدم التفريط بمقتدى الصّدر وإن بدا معادياً لها من خلال تقاربه اللافت مع السعودية خصمها التقليدي في الصراع على مناطق النفوذ في المنطقة، ولهذا رضيت بلقاء مبعوث خاص أرسله زعيم التيار الصدري إلى قاسم سليماني قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني (التقيا في العراق) بينما يواصل مقتدى تنسيقه مع الرياض وتحديداً السفير السابق ثامر السبهان، ويتواصل أيضاً مع حزب الله حليف إيران الاستراتيجي الذي وجه أمينه العام حسن نصر الله مبعوثاً خاصاً إلى العراق في محاولة لإعادة تشكيل كتلة أكبر لا تستجيب بالضرورة الى ما تبحث عنه واشنطن في العراق بالنسبة للمواجهة مع إيران، مستغلاً خلافات السعودية داخل الإقليم.

قلق الوجود الأمريكي

‫يفهم الإيرانيون أن واشنطن لن تدخل معهم في حرب مباشرة، لكنّهم لا يستبعدون أنها تخطط لإضعاف نظام الجمهورية الإسلامية من الدّاخل، ولذلك فهم ينظرون بعين الشك والريبة إلى حرصها على تعزيز وجودها العسكري في العراق والإبقاء عليه، وطرق سمعهم أن المبعوث الأمريكي الخاص بريت ماكغورك حدد لحلفائهم هذا السقف، ويجب أن يوافقوا عليه، إلى جانب شروط أخرى مررها ماكغورك عبر الأطراف السنّية والكردية المتحاورة، لتشكيل الكتلة الأكبر خصوصاً ما يتعلق بالحشد الشعبي، ليس فقط إخراجه من المدن (المحررة) وإنما عزله تماماً عن المرجعية الدينية، وعن إيران.
من هنا تفهم طهران أن المعادلة الراهنة في العراق معقدة وعليها أن لا تذهب بعيداً في مطالبها حول إخراج الوجود العسكري الأمريكي، وأن تمارس نوعاً من (التقية السياسية) في رفضه بالعلن والقبول به عبر حلفائها في المفاوضات نحو تشكيل الحكومة ولكل مقام مقال، مع ترك باب المساومة بشأنه مفتوحاً، مع أنها تدرك جيداً أن هذا الوجود ليس لأغراض تدريبية كما تقول الحكومة العراقية، وهو يستهدفها بشكل أو بآخر في نهاية المطاف.
‫ولقد أصبح من نافلة القول إن الموجود حالياً هو المساومة أو المزايدة بورقة الوجود العسكري الأمريكي، بعد إعلان العبادي موقفه المؤيد لواشنطن بشأن الالتزام ببعض عقوبات ترامب على إيران وهو غير قادر على تنفيذها على أرض الواقع وقد رفضها عمار الحكيم حليفه في مفاوضات فندق بابل، التي أسفرت عن تشكيل ما أصبح يعرف بـ «كتلة النواة» لأنه مستفيد اقتصادياً من التعامل التجاري مع إيران.

‫الاٍرهاب مرة أخرى

وفي خضم هذا السجال، تتخوف أوساط سياسية وشعبية من عودة وشيكة للإرهاب بشكله السابق أو ربما بأشد منه خصوصاً بعد الرسالة الصوتية المنسوبة لزعيم «تنظيم الدولة الإسلامية» لأنصاره وعناصره بالثبات والاستقامة، وهو أمر ينسجم وفق ما يراه متابعون، مع ما قاله البنتاغون يوم 16 من هذا الشهر: «تقيمنا أن تنظيم الدولة في العراق اليوم أقوى من القاعدة في أقوى وجود لها في 2006 ـ 2007 وهو ما يوحي أن التنظيم في موقع ويعمل على إعادة تشكيل خلافته» وهو يتوافق أيضاً مع ما قالته الأمم المتحدة في تقييم لها بالنص «رغم هزيمته في الموصل والرقة، التنظيم الإرهابي ما زال يمتلك من 20 إلى 30 ألف مقاتل موزعين بين العراق وسوريا».
‫والأهم من كل ذلك لدى هؤلاء هو ما ذكره الجنرال مايك ناغاتا، مدير التخطيط الاستراتيجي في مركز مكافحة الإرهاب في الولايات المتحدة الشهر الفائت: «آلاف المقاتلين من تنظيم الدولة هربوا من المناطق التي خسرها التنظيم في العراق وسوريا وهم الآن متسترون في بعض المناطق وما زالت هناك جيوب للتنظيم في سوريا والعراق، ويجب القضاء عليها وإنهاء المهمة». مبيناً أن «ما حدث في العراق في ظل تنظيم القاعدة عاد ونشأ بطريقة مختلفة على يد تنظيم الدولة، ومن الممكن جداً أن يظهر تنظيم جديد كما حدث من قبل».
‫كل ذلك عزز لدى الإيرانيين وحلفائهم أن إعلان «النصر» من قبل العبادي كان لأغراض انتخابية، ويجب إذاً التركيز على ذلك في المفاوضات نحو تشكيل حكومة تُبقي على هدف محاربة التنظيم، بما يبرر استمرار الاستعانة مجدداً بالجارة إيران، وتجنب استعداءها، لصالح المحور الأمريكي، وهذا أيضاً ما يحاول الاستفادة منه حيدر العبادي كورقة سياسية في المفاوضات للفوز بولاية ثانية، وتقديم طلب لترامب باستثناء العراق من الالتزام بالعقوبات، وقد حصل على دعم لافت من السفارة الأمريكية التي قالت إن المطلوب فقط من العراق هو الالتزام برفض التعامل بالدولار «وقد تحقق ذلك».
بين التفاهم والصدام

وفي هذا الواقع يمكن القول إن المفاوضات نحو تشكيل الحكومة بين زعماء الكتل (العراقية) تجري كلها تحت سقف ما يحدده المبعوث الأمريكي بريت ماكغورك، وقائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني قاسم سليماني.
وبالنسبة لسليماني فهو يسعى إلى دمج حلفائه الكرد بحلفائه التقليديين من الشيعة دون التفريط بمقتدى الصدر، مستفيداً من فجوات محلية وخلافات إقليمية تعرقل تشكيل تحالف قوي محوره كتلة «النواة» وهو يعمل مع حلفائه مستفيدين من موقف المرجعية الداعي للإسراع بتشكيل الحكومة، لعرقلة مساعي ماكغورك لتشكيل حكومة طوارئ تُبقي على العبادي وتمهد لفرضه في مرحلة لاحقة، وسط مخاوف من إعادة الاصطفاف الطائفي الذي برز مجدداً في المفاوضات، إذ ظهر الكرد (وهم سنّة ارتفع منسوب إحساسهم المذهبي خلال أزمة الاستفتاء) متحدين مع ممثلي السنّة في العملية السياسية، بينما يبدو سياسيو الشيعة منقسمين، وإذا نجح سليماني في إعادة تحالفهم (الوطني) فإن العراق كما يرى متابعون سيعود مرة أخرى إلى المربع الأول، وهؤلاء أعادوا التذكير مجدّدا بأن بذور الفتنة الطائفية في العراق زُرعت في مؤتمر المعارضة العراقية، الذي عقد في لندن منتصف شهر كانون الأول/ديسمبر عام 2002 وما تلاه من اجتماع آخر استضافته بلدة صلاح الدين الكردية، شمال العراق، عندما رعى كل ذلك بجدارة، السفير الأمريكي السابق في العراق زلماي خليل زادة، وكرّسه الحاكم المدني السابق بول بريمر، حين أسس مجلس الحكم المُـنحل، ووضع قانون إدارة الدولة الذي أصبح محور الدستور الجديد للعراق الجديد، وتم سن قانون انتخابات يفرز على الدوام كتلاً صغيرة فائزة تعجز عن تشكيل الكتلة الأكبر برلمانياً، إلا بالمحاصصة، وهذا يعني أن الانتصار على الاٍرهاب الذي يعتمد الطائفية في مساره، يظل حلماً بعيد المنال في العراق الجديد.

11HAD

تشكيل الحكومة المقبلة في ‫العراق بين ماكغورك وسليماني

‫نجاح محمد علي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية