تصريحات نتنياهو وتجاهلها.. وثقافة الكراهية

حجم الخط
1

استفزّت وتستّفز تصريحات نتنياهو، خلال استقباله الرئيس الإيطالي في القدس الغربية المحتلة، كل وطني فلسطيني وعربي، فهو قال بالحرف الواحد: «الخبر السار والرائع، الذي يغمرني بأمل كبير، هو أن هناك تغيراً كبيراً يحدث الآن في العالم العربي، وهو أن العديد من الدول العربية ترى أن إسرائيل، لم تعد عدواً لها، وإنما حليف، بل حليف حيوي في القتال ضد الإرهاب الإسلامي، سواء بقيادة إيران أو بقيادة تنظيم الدولة الإسلامية».
وفي السياق ذاته قال: إن معادلة تحقيق السلام في المنطقة اختلفت نهائيا، حيث لم يعد السلام مع الفلسطينيين، هو الذي سيؤدي إلى السلام مع العرب، بل العكس هو الصحيح». وأضاف موضحاً: «إذا قلنا في الماضي، إن الاختراق مع الفلسطينيين، سيحقق لنا سلاما أوسع مع العالم العربي، فأعتقد أن الاحتمالات القائمة الآن هي، أن السلام سيتحقق من خلال مسار عكسي».
للعلم، تناقض تصريحات نتنياهو جوهر المبادرة العربية للسلام، التي أطلقتها قمة بيروت عام، بناء على مبادرة الملك السعودي الراحل عبد الله عام 2002، ونصّت على إنشاء دولة فلسطينية معترف بها دولياً على حدود 1967، وعودة اللاجئين وفقا للتفاهم بين الجانبين الفلسطيني والصهيوني. وانسحاب من هضبة الجولان المحتلة، مقابل اعتراف وتطبيع العلاقات بين الدول العربية مع الكيان. وأشار نتنياهو إلى أن الرئيس الفلسطيني محمود عباس، يواصل رفض قبول «الدولة اليهودية»، وهذا هو جوهر الصراع، حسب وصفه. كما انتقد التركيز على النشاط الاستيطاني الصهيوني في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وضم القدس وهضبة الجولان العربية المحتلة ومزارع شبعا إلى الكيان، بوصف ذلك كلّه عقبة، في طريق السلام قائلا: «أعتقد أن التركيز الذي يضعه العالم على الاستيطان خاطئ تماما».
تصريحات نتنياهو لا تنقصها الصراحة ولا الوضوح، هو يريد سلاما صهيونيا بحتا دون الاستجابة لأي من الحقوق الوطنية الفلسطينية أو العربية. كل ذلك معروف تماما، فالوجود الصهيوني ذاته يتنافى وفقا لنتنياهو وقادة الحركة الصهيونية، مع وجود الشعب الفلسطيني وحقوقه. وينطلق في معادلته العربية من مبدأ «سلام مقابل سلام»، وليس «سلام مقابل أرض». هذا هو الجزء المعلن من المعادلة، أما جزؤها المخفيّ، فقد عبّر عنه الصهيوني (الذي حاول دوما، أن يبدو ناعما) شمعون بيريز في تصوّره لـ»الشرق الأوسط الجديد/ الكبير»، الذي يختزل عموم الحالة الصراعية في «تزاوج العقل اليهودي والأموال العربية»، وكل ذلك من أجل منطقة شرق أوسطية هادئة، تكون إسرائيل فيها، ركنا أساسيا، بمعنى آخر، الجزء المهيمن على المنطقة اقتصاديا، ومن ثم سياسيا وعسكريا. وفوق كل ذلك على الفلسطينيين والعرب الاعتراف بـ «يهودية إسرائيل»، وبكل تداعيات ما سينشأ عن هذا الاعتراف. أما الاستيطان، فليس مشكلة على الإطلاق لسان حال نتنياهو «بعيدا عن الدبلوماسية» يقول «لماذا يغضب العرب، فلا تصادر إسرائيل سوى شويّة أرض، وفي النهاية، فإن الأرض أرضها». كل هذا، أقسم أنه معروف، وكتبناه على صفحات «القدس العربي»، من خلال مواضيع حملت عناوين مختلفة. المُستجّد، أن نتنياهو يعلن عن تحالف استراتيجي جديد بين إسرائيل وبعض الدول العربية لمحاربة الإرهاب الإسلامي، وليس ثمن هذا التحالف، الاعتراف بحقوق الشعب الفلسطيني كثمن للسلام مع الفلسطينيين، ومع العالم العربي. الجديد، أنه ما من دولة عربية، من الدول المعنيّة، قامت بتكذيب تصريحات نتنياهو، رغم أنه يكشف خداعها، حين ترسل وتستقبل وفودا منها ومن الكيان على أراضي الطرفين (مع الفارق، أن الأراضي الفلسطينية، هي أراض محتلة، هذا لعلم المطّبعين إن نسوا) تبادل الوفود يتم تحت مسوّغ، حضّ إسرائيل على الاعتراف بحقوق الشعب الفلسطيني. نتنياهو يكشف زيف هذا المسوّغ.
ومع إدراكنا للحالة العامة العربية، التي هي ليست أكثر من رديئة ومهترئة، فإنه وإن كانت الانتفاضات الثلاث الفلسطينية، وآخرها الحالية، قد أسهمت إلى حدّ ما، في استعادة القضية الفلسطينية لمكانتها، ضمن مساحة الاهتمام العربي والدولي بها، وحتى بالمعنى الإعلامي، بعد أحيت حراكاً عربياً ودولياً كان قليلا، إلا أنها تراجعت أمام القضايا المحلية لبعض الدول العربية، وليس كلها، نظير الأزمات البنيّوية العربية العميقة، التي تكشفت حدّتها مؤخراً أمام هذا الواقع الراهن.
ومع ذلك، فإن تصريحات نتنياهو لم تأخذ بُعدا إعلاميا عربيا، من حيث التركيز عليها، كما أن الخبر الفلسطيني بات يحتل خبرا عاشرا في معظم الإعلام العربي الرسمي وغير الرسمي، بما يعنيه ذلك، من افتقاد لسياسة إعلامية عربية متكاملة، ومساندة للقضية الجوهرية الأساسية في مسار الصراع الفلسطيني العربي- الصهيوني. يذكّرني هذا بالدعوة التي وجهها الرئيس بورقيبة عام 1965 للفلسطينيين والعرب للاعتراف بإسرائيل مقابل السلام معها، وكيف امتلأت الشوارع العربية في الأيام التالية لتصريحه، بالتظاهرات الحاشدة استنكارا ورفضا لها. في هذه المرحلة، الوضع اختلف كثيرا بالطبع، لكن أن يتفوه نتنياهو بما جرؤ على قوله، دون أدنى الردود عليه، فهذا إضافة إلى أنه طامّة كبرى، فهو اختزال وصفي لوضع النظام الرسمي العربي الحالي.
في المشهد الشرق أوسطي، أثبتت التجربة، أنه ما من تحالف استراتيجي دائم في المنطقة سوى التحالف الأمريكي – الصهيوني، التي تُسّيرْ لصالحه كافة تحالفات أحد طرفيه مع الدول الأخرى، ذلك ما يُلمس من تصوت الكونغرس الأمريكي لمصلحة رفض نقض (فيتو) الرئيس باراك أوباما على القانون، الذي يسمح لأهالي ضحايا هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001 بمقاضاة السعودية ومسؤوليها (قانون جاستا). معروف أن حجم الأموال السعودية الموضوعة كسندات في الخزينة الأمريكية تُقدر بما ينوف على 618 مليار دولار، إضافة إلى 250 مليار دولار سيولة نقدية. أما حجم التعويضات على المتضررين من الأحداث، قد تفوق 150 مليار دولار. المقصود القول، إنه ووفقا لما يقوله نتنياهو من قيام تحالف إسرائيلي – بعض عربي، فإن هذا لن يجعل الدول العربية بمنأى عن العدوان الصهيوني على أراضيها، وهذا أيضا ما أثبتته التجارب، حتى على تلك الدول، التي لها اتفاقيات «سلام» مع الكيان الصهيوني، إضافة إلى أن كل التناقضات العربية – العربية، كما الإثنية والمذهبية والطائفية في معظمها هي بفعل التخطيط الصهيو – أمريكي، أي أن مصائبنا كلها هي نتيجة لهذا التحالف.
بالنسبة للكراهية، فهي ثقافة أولا وأخيرا، مناسبة القول، ما كتبه طارق مصاروة في صحيفة «الرأي» الأردنية، وتساؤله عمّن ذبح والدته، هل هو أردني أم ابن أردنية؟ واقع الحال، فإن التساؤل ليس أحجية أو لغزا من حيث المجرى الذي يصبّ فيه، وكان أربأ بالكاتب تجنب كل ما يثير الحساسية في المجتمع الأردني، الذي هو في نصف تشكيلته من ذوي الأصول الفلسطينية. للعلم، كانت المنطقة قبل تقسيمات سايكس – بيكو تُعرف بـ «بلاد الشام»، أيضا، فإنه في فلسطين وفي الفصائل الفلسطينية فيما بعد، قاتل ويقاتل مناضلون من كل الجنسيات العربية، أردنيون، عراقيون، سوريون، مغربيون وتونسيون وغيرهم. المقصود القول، إنه في عصر محاولات تفتيت وحدة النسيج الاجتماعي العربي والهوية العربية الواحدة، فإننا مطالبون بتعزيز وحدة هذه الهوية، للرد على كل المخططات والاستهدافات الجارية لتمزيقها. ولهذا السبب، فإن كاتب هذه السطور، وفي مقالة قريبة له، كما في مراسلات مع مثقفين وسياسيين عربا، دعا إلى إعادة إحياء «حركة القوميين العرب» المستفيدة من كل أخطاء الصيغ الجمعية العربية السابقة، كإطار عربي ملّح وضروري خلال المرحلة الراهنة.
كاتب فلسطيني

تصريحات نتنياهو وتجاهلها.. وثقافة الكراهية

د. فايز رشيد

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية