فيما يتعلق بطريقة السرد في رواية باموق الأخيرة «غرابة تسكن رَوْعي»، فهي تشبهُ إلى حدٍّ كبير طريقة السرد في كتاب جيمس جويس ما قبل الأخير «عوليس» (أو «يوليسيز»)، أقول «كتاب» وليس «رواية». إلاَّ أن التكاثُف الزمني، في هذا الأخير، لأشدُّ بأضعافٍ مضاعفةٍ، وإلى حدِّ أنَّ اللحظة الزمنية الواحدة قد تكونُ حُبْلى بحُقبةٍ زمنيةٍ بأكملها – فلا أظنُّ أن هناك روائيًا في العالم قد أفلح في ذلك حتى الآن.
وفيما يتعلق بدعوته إلى عزلة الأديب، لا يختلف باموق عن جيمس جويس نفسه في هذه الدعوة، جويس الذي كان يقضي يومًا بأكملهِ من أجلِ كتابةِ جملةٍ وحيدة، أو حتى عبارةٍ وحيدة، تُرضيهِ من كلِّ الجهاتِ، ليس غير. ولا يختلف باموق كذلك عن أولئك الكتَّاب الآخرين الذين كانوا يفرضون على أنفسهم تلك العزلةَ حتى في الكهوف، تشبُّهًا بالأنبياء والفلاسفة القدامى، من أمثال نيكوس كازنتزاكي ود. هـ. لورنس، وغيرهما.
غير أن ازديادَ باموق جسارةً في تجريب الأشكال والتقنيات ليس بالضرورة عاملَ استقطابٍ شعبي، على الأقل على المستوى المحلِّي: أعرفُ أنَّ الكثيرَ من الأصدقاء الأتراك الذين يفضِّلون قراءة الرواية على قراءة الشعر، داخلَ تركيا وخارجَها، قد بدأوا بالنُّفور فعلاُ من نتاج باموق بعد حيازتهِ على جائزة نوبل للأدب. وفي حقل الشعر أيضًا، قد تنطبق هذه الحال على الشاعر الإيرلندي الراحل منذ عامين ونيِّف، شيموس هيني، رغم حيازتهِ على جوائز عديدة بعد حيازتهِ على جائزة نوبل للأدب ذاتها سنة 1995.
حي يقظان